حرب اقتصادية
المقاولاتية خطة جهنمية لإخراج الاقتصاد
الحر من مناطق الظل إلى الضوء، كي تتمكن السلطة من صيد الشباب
الجزائري العامل
وإخضاعه إلى الدورة الضريبية؛ ومن ثم تخفيف الضغط عليها بمطالبات الشعب الدائبة
لها بالتوظيف وتقاسم الثروة بين الحاكم والمحكوم بالعدل، لا كما هي حال المجتمع
اليوم، حيث يستأثر المسؤولون دون الشعب بالثروة، ويستفيد هؤلاء وأهلوهم منها بأسهل
الطرق وأوسعها.
اجتراح الوكالة الوطنية لتنمية ودعم المقاولاتية "nasda" ومرافقتها
لمشاريع الشبان ذات الصحة المالية اعتمادا على التمويل الذاتي لأصحابها أو بتقاسم
الدعم بينها وبين المقاول أو بإدخال البنك طرفا ثالثا معهما، صيغ كلها لا تفيد
الذين لا مال لهم وهم الأغلبية، ناهيكم عما يعلمه المسؤولون من استنكاف الشعب
الجزائري عن أخذ مال بطريق ربوي محرم، مال هو في الأساس ملك للجزائريين جميعا
وبالسوية.
وفي هذه الدائرة المظلمة تختفي الحلقة
السحرية، والتي هي ضالة الشباب الراغب في الحياة والرفاهية، كما هي سر يتمسك به
أصحاب القرار السيادي بيد ساحرة حديدية، يعلمون في قرارة أنفسهم بأنها المفتاح
الذهبي الذي يبقي الشعب جائعا ليسهل قياده، ولكن إلى متى ستظل هذه الحيل الفرعونية
مجدية؟
لا نستعجل تبرئة هذا القرض من الربا المحرم
لمن يدفع به لإنجاح هذه الوكالة، لأن وزارة الفلاحة اعتادت على أن تدفع الفائدة عن
الفلاح لوزارة المالية في إصرار مسرحي على تمرير المشاريع وفق المعاملة المصرفية
التقليدية التي لا تحبذ تسمية الفائدة بالربا، كما هو الشأن في قرض غرف التبريد
مؤخرا الموجه للفلاحين؛ فوزير الفلاحة حدد سداده بعشر سنوات بلا فائدة مترتبة عنه،
ولم يتحدث عن حالة من سيتأخر عن السداد بعد هذا الأجل، وكما هو معلوم في قرض
"الرفيق" وقرض "التحدي"، فإن البنك المقرض أوجب الزيادة الربوية
على المقترض المتأخر عن الدفع بعد نفاد الأجل الممنوح له، الأمر الذي أفسد العقد
كله بهذا الشرط؛ لذلك فإن في قرض "التبريد" غموضا لا بد من توضيحه قبل
الحكم على سلامته الشرعية. هذا، وقد عودتنا السلطة الحاكمة في البلاد على تجاوزها
حدود الشريعة السمحة في كل مناسبة، وبنائها الاقتصاد على الاستثمار الربوي بغية
النهوض بالفلاحة، وذلك في حقيقة الأمر حرب على الله عز وجل وعلى رسوله الكريم.
إنه من اليسير جدا الحديث الحالم في المكاتب
وعلى الورق عن السد الأخضر، لكن الواقع على الأرض بخلافه تماما. لقد وزعت في ولاية
الجلفة على الفلاحين شتلات ميتة وقلة قليلة كانت صالحة للنمو، وسرق من دفتر الشروط
السقي الأولي للشتلات الذي كان على المتعهد القيام به وألقي على الفلاحين من دون
علمهم، ثم سلم إليهم تحايلا محضر ليوقعوا عليه وفيه شهادة بأن التخطيط والحفر
والغرس والسقي مراحل مضت على أحسن ما يرام، ولكن الحقيقة أنها مراحل أنجزت على
أسوأ ما كان، كان الفلاحون إبانها رهينة مافيا إدارية تقاسمت بعضا من أموال السد
لمنفعتها الخاصة، والضحية فيها كان الفلاح والسد الأخضر، فإلى أين المفر؟
الامتحانات الرسمية
يتداول المجتمع الجزائري نتائج اختبارات
شهادة الثانوية العامة (الباكالوريا) والأخبار التي تشير إلى تصدر ولاية تيزي وزو
أعلى نسبة نجاح فيها وطنيا، ولم يسع المسؤولون على قطاع التربية إلى مقاربة ظاهرة
النبوغ هذه لدى سكان القبائل التي تتكرر كل عام تقريبا ولم يحاولوا تفسيرها للناس
ولو لمرة واحدة، على الأقل كي يخلصوا إلى توصيات يعممونها بعد ذلك على سائر
الولايات ليستفيد أهلها من هذه الميزة الفارقة، إذا كانت هنالك ميزة فعلا. ولقد
عشت عقدا من عمري بين القبائل مدرسا في جامعة بجاية، وطرحت على طلابها تفسيرهم
لهذه الظاهرة الثقافية، رغم لحاظي ضعفهم البين في مستوى اللغة العربية التي بها
يدرسون في سائر الأطوار التعليمية الثلاث قبل الجامعة، فأخبرني أكثرهم بأن
المشرفين على مراكز المراقبة يسمحون أثناء الامتحانات للأساتذة بحل المسابقات على
اللوح ليستنسخها التلاميذ بعد ذلك على أوراق الإجابة، هكذا يتكرر هذا الفعل الشنيع
في كل عام وفي أكثر المراكز التي تنتظم فيها هذه المسابقة الرسمية.
عندما تتحول الوسائل إلى غايات يتلاشى الإخلاص رويدا رويدا. الحركة الإسلامية في الجزائر جماعات شبابية وشخصيات أدت عملا ما في مرحلة طغى فيها العدوان على الإسلام بجرأة من الشيوعية المتحالفة والسلطة المستبدة، ثم آل أمر هذه الجماعات وأمر أمرائها إلى الهلاك أو إلى الضمور.
وإذا عرفنا سطوة الأحزاب المؤدلجة على عمل
الإدارة في هذا المنطقة من الجزائر، وقودها المجتمع لانتهاك القوانين في كل
استحقاق تقريبا رغبة منها في التسلل إلى مراكز القرار في الإدارات الجزائرية كافة_
أدركنا الغاية من تنجيح أكبر قدر ممكن من المترشحين للباكالوريا في هذه المنطقة؛
علما بأن السلطات المحلية والمركزية تدرك هذه الوقائع وتعمي عنها قصدا، في تناغم
ملحوظ لا يبعد عن غايات سياسية تريدها السلطة الفعلية للبلاد من هذا البطن البربري.
وكان لزاما أن يتردد صدى هذه الظاهرة في
ولايات بعيدة أخر، ليس رغبة في المنافسة الشريفة على تصدر نتائج المسابقات وطنيا،
بل بدوافع تكسر قيود النزاهة وتأخذ بالتفوق من أسوأ سبيل. ولقد ذكر لي بعض من
يتولى المراقبة في مسابقات التلاميذ الأحرار، أنه بمركز معروف في وسط البلاد
وبمجرد أن فضت أظرفة الأسئلة أمام الطلاب ووقع عليها أحدهم كشاهد على سلامة
الإغلاق حتى هب جميع التلاميذ عن بكرة أبيهم إلى الخروج من قاعات الامتحان وقفزوا
على سور الثانوية العالي، ليجتمعوا بمن سيتولى الإجابة عنهم، ثم عادوا أدراجهم من
حيث خرجوا إلى قاعاتهم ليسلموا الإجابات جاهزة. ومن العجيب أن يسخّر فرد من الدرك
الوطني كان يعمل حينها بعيدا عن مقر سكناه أخا له كي ينوب عنه في إدراج ورقة
الإجابة المزورة بين الأوراق، في مشهد لم يملك معه الأساتذة الموكل إليهم مراقبة
سير العملية غير التجمع في الساحة والنظر بدهشة واستغراب لما يحدث، لا يكاد أحدهم
يجرؤ على استنكار ذلك علانية أو رسميا البتة.
نرجسية تاريخية
سبحان الله! عندما تتحول الوسائل إلى غايات
يتلاشى الإخلاص رويدا رويدا. الحركة الإسلامية في الجزائر جماعات شبابية وشخصيات
أدت عملا ما في مرحلة طغى فيها العدوان على الإسلام بجرأة من الشيوعية المتحالفة
والسلطة المستبدة، ثم آل أمر هذه الجماعات وأمر أمرائها إلى الهلاك أو إلى الضمور.
لم يتيسر لأكثر الصالحين عبر التاريخ أن جمعوا بين الدين والولوغ في السياسة بمفهومها النفعي. ومن يستمع إلى هذا الرجل وذاك منهم وهم يتحدثون عن إنجازات سيكتبها للجزائر تاريخ كانوا هم صناعه، سيستخلص أن ذلك كله كان توهما محضا، خاصة وأن طائفة منهم غدت متصالحة جدا مع النظام الحاكم،
ما تبقى هو الإسلام بمفهومه الخالص والأمة
بمفهومها العام. ثم أتت من بعد هؤلاء طوائف أخر لها كما لهم ما كسبت وعليها ما
اكتسبت... المهم في كل هذه المشهدية، افتقار العاملين في حقل الدعوة إلى الفقه
العميق في الإسلام، وإلى العلماء المتضلعين فيه بين صفوفهم، ناهيكم عن حاجة أكثر
العاملين منهم إلى إنكار الذات والتجرد فلا يريدون بسعيهم جاها ولا سلطانا. ولقد
تحطمت مراكب هؤلاء الدعاة على صخور الأهواء والتنافس والأثرة، وعادت مياه الحياة
الإسلامية الفطرية إلى مجاريها، تنتظر على رأس كل مئة عام من يجدد لها أمر دينها.
إنه لم يتيسر لأكثر الصالحين عبر التاريخ أن
جمعوا بين الدين والولوغ في
السياسة بمفهومها النفعي. ومن يستمع إلى هذا الرجل
وذاك منهم وهم يتحدثون عن إنجازات سيكتبها للجزائر تاريخ كانوا هم صناعه، سيستخلص
أن ذلك كله كان توهما محضا، خاصة وأن طائفة منهم غدت متصالحة جدا مع النظام
الحاكم، بل وتبيض صفحته خلال عشريتين شاركت وحزبها معه في إدارة البلاد من أعلى
المستويات، عشريتان وصفتهما السلطة الفعلية للبلاد بأن الجزائر إبانها كانت تتحكم
عصابة في زمامها، فمن سيصدقه الشعب من هؤلاء وأولائك يا ترى؟
حافلة وادي الحراش
القراءة الأولية لتقرير الادعاء العام في
قضية الحافلة المنكوبة في وادي الحراش والتي راح ضحيتها ثماني عشرة نفسا، تشير إلى
عيوب منهجية في مسار التحقيق وفي النتائج الأولية التي خلص إليها السادة الوكلاء،
كونهم ركزوا على السبب المباشر للحادثة وعلى من تسبب فيه من دون التعمق في تحليل
جذري لهذه الكارثة؛ بدءا بتجاهلهم السلطة الموكول إليها حماية المواطن وإخلالها
بواجباتها وعدم أخذها بالتدابير الوقائية، خاصة وأن التقرير ذكر وجود كاميرات قبل
الجسر كانت تعمل قبل يوم الفاجعة بمدة طويلة؛ ما يعني توفر المعطيات المستند إليها
في هذا التحقيق قبل يوم الواقعة بكثير لدى الجهات المختصة من دون أن تعتني بها كما
يلزم. إضافة إلى أنه تم تحميل السائق ومرافقيه المسؤولية الجنائية، من دون تتبع
خيوط المسؤولية الموصلة إلى مركز المراقبة التقنية الذي رخص للحافلة بالعمل وإلى
الوزارة الوصية عليه، ومن ثم إشراك باقي المنظومة الحكمية في المسؤولية.
كما أن التقرير لا يتساءل عن الدوافع
الحقيقية وراء حرص مالك الحافلة على تشغيلها رغم حالتها المزرية، وعن الأسباب التي
ألجات موظفا عموميا إلى العمل سائقا خارج الدوام، وعن المواطنين الذين رضوا عن
أنفسهم بأن يتكدسوا في مثل هذه المراكب المهترئة... علاوة على كل ذلك، لم يعرج
الوكلاء العامون بتاتا في تصريحهم على الخلفية التي جعلت الجزائريين مضطرين للعيش
بنمط حياة متردية، وهم- بما يملكون من خيرات- أولى بأن يعيشوا حياة مرفهة، كما هو
حال عيش من يتحكم بإدارة شؤونهم سواء بسواء. إن التقرير المحايد والنزيه يجب أن
يتوجه بالمسؤولية إلى القيادة الفعلية للبلاد، لا إلى أشخاص ضعفاء هم في الأساس
ضحايا آخرون كتبت لهم النجاة في هذه المأساة المفجعة.