ليلة شبيهة بصباح السابع من تشرين الأول/ أكتوبر عام 2023، حيث هبطت المقاومة خلف خطوط الاحتلال في "طوفان الأقصى" قبل نحو عامين.
أربعة وقفوا على حافة رحلة بلا عودة، عند تخوم الخط الفاصل بين عالمين، بين الحياة الهادئة الساكنة، وبين خيارين لا ثالث لهما، الشهادة أو الوقوع في الأسر، نقطة الوصول التي ستهبط فيها الطائرات الشراعية كانت اللامكان، فالرحلة لن تقلع من جديد وستهبط في مستقرها إلى حين.
بعد عملية "سلامة الجليل"، كما أطلق عليها الاحتلال، التي اجتاح على إثرها بيروت والجنوب اللبناني عام 1982، قال رئيس الحكومة الإسرائيلية آنذاك، مناحيم بيغن، مخاطبا سكان المستعمرات شمال
فلسطين المحتلة "آن الأوان كي تنعموا بالهدوء والأمن والاستقرار إلى الأبد، فلن يلحق بكم أي أذى بعد الآن"، لكنه لم يكن يتنبأ بأن "ليلة الطائرات الشراعية" ستكون ضربة موجعة وصادمة.
حملت عملية "الطائرات الشراعية" اسم "
عملية قبية" القرية الفلسطينية التي شن عليها جيش الاحتلال بقيادة أرئيل شارون في عام 1953 عدوانا وحشيا أوقع 51 شهيدا و15 جريحا كلهم من المدنيين، ثم قامت العصابات بنسف جميع منازل القرية ودمرتها كلية.
وقال الفصيل الفلسطيني المسؤول عن العملية بأنه شنها "في سبيل تحرير الأرض والإنسانية، وتصعيد النضال الفلسطيني ضد العدو الصهيوني، ومواجهة الانحراف في الساحتين الفلسطينية والعربية".
اظهار أخبار متعلقة
في الخامس والعشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر من عام 1987، وقف أربعة شبان إلى جوار طائراتهم الشراعية فوق أحد تلال وادي البقاع اللبناني، وهما فلسطينيان (لا يزال اسميهما طي السرية) والتونسي ميلود بن نجاح (مواليد 1955 بسيدي مخلوف بولاية مدنين)، والسوري خالد محمد أكر (ولد عام 1967 في مدينة حلب بسوريا).
كان الأربعة يدركون تمام الإدراك أنهم مقدمون على عملية لا عودة فيها وللوصول إلى الهدف كان على الطائرات الشراعية الأربع قطع مسافة 80 كيلو مترا باتجاه فلسطين المحتلة.
في الساعة الثامنة والنصف مساء أدى الطيارون التحية العسكرية لقادتهم في "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - القيادة العامة" قبل أن يحلقوا بطائراتهم الشراعية الضخمة على شكل طائرة ورقية، ومزودة بمحرك بحجم جزازة العشب.
لكن ونتيجة لصعوبات فنية فقد اضطرت طائرتان للهبوط داخل الحدود اللبنانية، بينما تحطمت الطائرة الشراعية التي كان يقودها التونسي ميلود في المنطقة "العازلة" التي تسيطر عليها قوات "جيش لبنان الجنوبي" المتعاون مع الاحتلال، أما أكر فقد استطاع السيطرة بإحكام على طائرته وحافظ على تحليقه فوق منطقة الأحراش ليتفادى الرادارات الإسرائيلية ونقاط مراقباتهم، واستطاع أن يصل إلى منطقة الهدف "معسكر غيبور" التابع للواء "ناحال" والذي كان يضم صفوة من القوات الخاصة الإسرائيلية، ومقر قيادة لواء غولاني.
هبط بهدوء، حاملا معه الكلاشنكوف ومسدسا كاتم للصوت وقنابل، في حقل من الأعشاب والأشواك يصل ارتفاعه إلى الركبة بجوار مهبط عسكري قصير تستخدمه المروحيات لقاعدة غيبور. سار المقاتل حوالي 50 مترا عبر صف من الأشجار إلى طريق رئيسي خارج القاعدة مباشرة.
ثم تحرك نحو بوابة المعسكر فهاجم عربة عسكرية إسرائيلية فقتل السائق وأصاب مجندة كانت ترافقه، ثم اقتحم بوابة معسكر "غيبور" للواء المشاة الآلي في قوات النخبة "ناحال" وألقى قنبلة يدوية وأطلق النار من بندقيته، وتمكن من قتل 6 جنود إسرائيليين وإصابة 8 آخرين بجروح متفاوتة قبل أن يستشهد تحت وابل من الرصاص الإسرائيلي.
وفي خط مواز كانت اتصالات عاجلة بين نقاط المراقبة الإسرائيلية قد تمت فقامت دوريات الاحتلال بمسح للحدود، كما قامت بمسح شامل آخر في مناطق مجاورة بمساعدة "جيش لبنان الجنوبي" لتعثر على طائرة ميلود المحطمة، وتمكنت من العثور عليه مختبئا على مقربة من مكان تحطم الطائرة الشراعية بعد أن التوى كاحله جراء هبوطه العنيف. ولم يستسلم ميلود، إذ قاتل كما يجب أن يقاتل، وتمكن من قتل 5 جنود قبل أن يستشهد.
وبعد وقت قصير من إعلان تفاصيل العملية حمل رئيس وزراء الاحتلال إسحاق شامير الحكومة السورية المسؤولية النهائية عن الهجوم. وقال شامير للصحفيين أثناء جولته في شمال فلسطين المحتلة: "من الواضح أنهم ما كانوا ليفعلوا ذلك لولا رعاية ومساعدة السوريين".
اظهار أخبار متعلقة
ردود الفعل في فلسطين والوطن العربي على هذه العملية الجريئة والنوعية كانت كاسحة وواسعة جدا، واعتبر محللون سياسيون وصحفيون بأن العملية أعطت دفعة قوية للحركة الوطنية الفلسطينية، في الوقت الذي بدت فيه وكأنها قد انطفأت بفعل الخروج من لبنان وتأثير الحرب الإيرانية العراقية عليها بشكل شبه كامل.
حتى الجنود الإسرائيليين في موقع الهجوم كانوا يتحدثون عن شجاعة والتزام المنفذين، ووصف رئيس أركان "الجيش الإسرائيلي"، الفريق دان شمرون، ما جرى بأنه "عملية انتحارية".
لم يخف شومرون غضبه من قدرة مقاتل واحد على إلحاق هذا الكم الهائل من الدمار بقاعدة عسكرية إسرائيلية يفترض أنها شديدة التحصين وهي عبارة عن مجمع مترامي الأطراف من الخيام والثكنات العسكرية، محاط بسياج من الأسلاك الشائكة.
أحدثت العملية صدمة نفسية وأمنية عميقة في المجتمع الإسرائيلي تماما كما هو الحال الآن بعد "الطوفان"، وبدت هذه الحادثة وكأنها "فجرت فقاعة من الثقة بالنفس والأمن سادت "إسرائيل" في السنوات الأخيرة"، كما كتب الصحفي الأمريكي توماس فريدمان في "نيويورك تايمز"، وقال في مقال نشره بعد العملية مباشرة "نتيجة شعور بأن التهديد العسكري الفلسطيني الخارجي ربما يكون قد تم تحييده. اليوم، صدم الإسرائيليون بمقتل جنود في قلب قاعدة عسكرية، واستيقظت فجأة مخاوف قديمة".
عملية الطائرات الشراعية، و "طوفان الأقصى" أحدثا تأثيرا نفسيا مشابها في المجتمع الإسرائيلي وهو أن قوة الردع الإسرائيلية سقطت، كما أنهما نجحتا، مع فارق كبير بالمقاربة، في إعادة الزخم للقضية الفلسطينية التي كادت أن تختفي بعد حصار بيروت والحرب العراقية الإيرانية، ولاحقا بعد توقيع "اتفاقيات إبراهيم".
مرور 38 عاما على هذه العملية لم يطفئ بريق الشجاعة والعبقرية في التخطيط لها وتنفيذها، كما أن "طوفان الأقصى " سيبقى جرحا غائرا في قلب السردية والرواية الإسرائيلية.