هذا الموقع يستخدم ملف تعريف الارتباط Cookie
يعتبر الباحث أن قرنين من الزمن، ومن الفعالية الحضارية، أو من التأسيس المركب للنهضة، ساعد في تشكيل رصيد وتراكم سياسي ومؤسسي وأخلاقي مكن اليابان من صناعة تجربتها في النهوض الحضاري السريع، وأن ما تمثل من نهضة حضارية مع بداية العهد الميجي، هو في الواقع ثمرة للتراكم الذي حصل قبل ذلك وامتداد له. فمفتاح النهضة في الحالة اليابانية كما تستكشفه أطروحة سلمان بونعمان، هو الدولة التوكوغاوية، التي امتدت لقرنين من الزمن، ولم توفر فقط الاستقرار السياسي، بل أسست لمفهوم الدولة المركبة، التي تجمع في صيغة الحكم بين الشرعية الرمزية والسلطة التنفيذية، وبين المركزية السياسية واللامركزية، وبين البنية الإقطاعية والجهاز البيروقراطي، وكذلك بين حضور الطقوس الرمزية وآليات الضبط المادي، أي تجمع في المحصلة بين الأفكار الباعثة على النهضة والآليات والمؤسسات التي تقود الفعل النهضوي وترصد نتائجه.
اختتمت مدينة سمرقند الأوزبكية أعمال المؤتمر الدولي العلمي "الجامع المسند الصحيح للإمام البخاري: كتاب أمة" بإصدار "إعلان سمرقند" الذي حمل رؤية علمية ومجموعة من المبادرات لإحياء تراث أحد أبرز أئمة الحديث في التاريخ الإسلامي، وفي مقدمتها تأسيس رابطة دولية تعنى بخدمة إرث الإمام البخاري وتطوير الدراسات المتخصصة حول منهجه وإسهاماته. واكتسب اختيار سمرقند لاستضافة هذا الحدث دلالة رمزية وحضارية، باعتبارها جزءاً من المجال التاريخي الذي نشأ فيه الإمام البخاري، فيما عكس اختيار موضوع المؤتمر اهتماماً بإعادة قراءة مكانة السنة النبوية وعلوم الحديث في ظل نقاشات معاصرة حول مناهج التوثيق والفهم والتجديد، وتحويل التراث الحديثي من مادة للاحتفاء إلى مشروع معرفي عالمي.
افتتحت حركة التوحيد والإصلاح بإقليم طنجة مكتبتها الجديدة، بالتزامن مع تنظيم ندوة فكرية ناقشت دور الكتب والمكتبات في مسار الإصلاح الحضاري. وجاء اللقاء، الذي جمع عدداً من العلماء والمفكرين والباحثين والفاعلين الجمعويين، في وقت تتراجع فيه علاقة الأجيال الجديدة بالكتاب الورقي تحت تأثير التحولات الرقمية، ليعيد طرح سؤال موقع المعرفة والقراءة في بناء الإنسان والمجتمع، مستحضراً التجربة التاريخية للمكتبات الإسلامية والخزانات العلمية المغربية، ودورها في حفظ الذاكرة الثقافية وصناعة النخب العلمية.
صحيح أن الحرب على قطاع غزة توقفت بشكل علني في 10/10/2025م، لكن هذا الاتفاق لم يلزم دولة الاحتلال بوقف انتهاكاتها الجسيمة بحق الشعب الفلسطيني، فقد استخدمت الاتفاق لاستمرار هجماتها وواصلت حرب الإبادة على القطاع، وإن كانت بوتيرة أدنى من التي سادت منذ اندلاع حرب أكتوبر عام 2023م، واستمرت إسرائيل في عدوانها على لبنان، مستهدفة جسم المقاومة بالتحديد، ضاربة بعرض الحائط باتفاق وقف إطلاق النار.
غياب الفيلسوف لا يعني فقط قلة عدد المتخصصين في أقسام الفلسفة بالجامعات، وإنما يشير إلى تراجع دور العقل النقدي في المجال العام؛ إلى اختفاء ذلك النوع من المثقفين الذين كانوا ينظرون إلى المجتمع من مسافة نقدية، ويعيدون مساءلة مفاهيمه عن الدين والسياسة والهوية والتاريخ والحداثة.
بعد مئة عام على افتتاحه، يعود مسجد باريس الكبير إلى واجهة النقاش بوصفه أكثر من مجرد أقدم مسجد في فرنسا الحديثة؛ فهو مؤسسة دينية حملت منذ نشأتها أبعادًا تاريخية وسياسية وثقافية جعلتها تتجاوز وظيفة العبادة إلى فضاء يتقاطع فيه إرث الاستعمار الفرنسي، والذاكرة الجزائرية، وسياسات تنظيم الإسلام في أوروبا، وأدوات القوة الناعمة للدول. وفي الذكرى المئوية لتأسيسه، التي تزامنت مع إرسال الجزائر نسخًا فاخرة من المصحف الشريف إلى المسجد، تتجدد الأسئلة حول دوره في تمثيل مسلمي فرنسا، وحدود ارتباطه بالجزائر، ومستقبل المؤسسات الإسلامية في ظل تشديد السلطات الفرنسية رقابتها على الجمعيات والمساجد، وسط جدل متواصل حول بناء "إسلام فرنسي" مستقل عن التأثيرات الخارجية.
لم تعد الحرب الإسرائيلية–الأميركية على إيران مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف إقليمية ودولية، بل تحولت إلى محطة مفصلية تعيد طرح أسئلة كبرى حول مستقبل النظام الإقليمي وموقع القضية الفلسطينية داخله. فبينما تسعى "إسرائيل" إلى استثمار المواجهة لتعزيز الردع وتوسيع نفوذها، تحاول إيران إعادة ترتيب أدواتها وحضورها في المنطقة، في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة اختبارًا لقدرتها على إدارة صراعات متعددة في آن واحد. وفي قلب هذه التحولات، تبرز القضية الفلسطينية باعتبارها أحد الملفات الأكثر تأثرًا بتغير موازين القوة، سواء على مستوى مسار المقاومة، أو الموقف العربي، أو طبيعة التحالفات التي قد تتشكل في مرحلة ما بعد الحرب. وتناقش حلقة مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات هذه التداعيات عبر مقاربات متعددة تبحث في مستقبل السلوك الإيراني والإسرائيلي والأميركي والعربي، وانعكاس ذلك على مسار الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي.
ليست الأحلام مجرد صور عابرة ينسجها العقل أثناء النوم، بل كثيرًا ما تحولت في الفكر الحديث إلى نافذة لفهم الإنسان ومجتمعه، بل وحتى الحضارة التي ينتمي إليها. ومن هذا المنطلق، تكتسب أنثولوجيا "أحلام في أوروبا" للكاتب الألماني فولفرام لوتس أهمية تتجاوز الأدب أو علم النفس، إذ تحاول أن تقرأ أوروبا من خلال آلاف الأحلام التي جمعها من منتديات إلكترونية بلغات متعددة. واستنادًا إلى تقرير نشرته صحيفة الغارديان البريطانية، لا تكشف هذه الأحلام عن خيال جامح أو كوابيس مروعة بقدر ما ترسم صورة لقارة تبدو، حتى في لاوعيها، وقد فقدت شغفها بالمغامرة الكبرى، لتتحول أكثر الأحداث غرابة إلى نهايات عادية تحكمها رتابة الحياة اليومية، بما يفتح الباب أمام أسئلة أعمق تتعلق بأزمة المعنى، ومستقبل الخيال، ومآلات الحضارة الغربية نفسها.
تشكل الانتخابات التشريعية في الأنظمة الديمقراطية إحدى أهم الآليات الدستورية لإعادة إنتاج السلطة وإعادة توزيع موازين القوة داخل النظام السياسي، إذ تسمح بتجديد النخب السياسية، وإعادة تشكيل الأغلبية البرلمانية، ومساءلة السلطة التنفيذية من خلال المؤسسات التمثيلية. غير أن هذه الوظيفة النظرية تفقد جزءا كبيرا من فعاليتها في الأنظمة التي لا تكون فيها المؤسسات المنتخبة هي المركز الحقيقي لصنع القرار.
كشفت دراسة استشرافية جديدة أصدرها مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات عن اتجاهات محتملة لمستقبل العلاقات بين إيران وباكستان و"إسرائيل"، في ظل التحولات المتسارعة التي تعيد تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط وجنوب آسيا. واعتمدت الدراسة، التي أعدها خبير الدراسات المستقبلية الأستاذ الدكتور وليد عبد الحي، على نموذج "كلينبيرغ" الكمي لتحليل مسارات التعاون والصراع بين الدول الثلاث، وخلصت إلى أن العلاقات الإيرانية ـ الباكستانية قد تتجه نحو مزيد من التقارب بفعل تقاطع المصالح مع الصين ومبادرة "الحزام والطريق"، في مقابل استمرار القطيعة بين باكستان و"إسرائيل" وتصاعد التنافس الاستراتيجي بين طهران وتل أبيب. وتأتي هذه القراءة في وقت تشهد فيه المنطقة إعادة ترتيب للتحالفات، مع تزايد أدوار القوى الدولية الكبرى وتنامي الصراع على النفوذ في الإقليم.
في الوقت الذي تتسارع فيه ثورة الذكاء الاصطناعي والأتمتة وتعيد تشكيل سوق العمل العالمي، يبرز سؤال يتجاوز حدود التكنولوجيا نفسها: هل ستظل للإنسان مكانة مركزية في عالم الإنتاج، أم سيتحول تدريجيًا إلى مجرد عنصر قابل للاستبدال داخل أنظمة أكثر كفاءة وأقل إنسانية؟ هذا السؤال يشكل محور كتاب الصحفية البريطانية سارة أوكونور "لسنا آلات: الصراع من أجل مستقبل العمل" (We Are Not Machines)، الذي تناولته صحيفة "الغارديان" في مراجعة للصحفية ميثيلي راو، بوصفه محاولة فكرية لفهم مستقبل العمل من زاوية كرامة العامل، لا من زاوية الإنتاجية وحدها. ويعيد الكتاب فتح النقاش حول علاقة الإنسان بالآلة، محذرًا من أن الخطر الحقيقي لا يكمن في التكنولوجيا بحد ذاتها، بل في الطريقة التي يمكن أن تُستخدم بها لإعادة تعريف الإنسان باعتباره مجرد رقم داخل منظومة اقتصادية تسعى إلى تعظيم الكفاءة على حساب الاستقلالية والمعنى والحقوق.
عندما يصدر حسن أوريد كتابًا جديدًا حول الشعبوية، فإن القراءة التي تكتفي بالتعامل مع النص بوصفه مساهمة في النقاش الدائر حول هذا المفهوم تبدو قراءة تفوت جانبًا مهمًا من دلالته. فالشعبوية لا تشكل في مشروعه الفكري موضوعًا مستقلًا بقدر ما تمثل مدخلًا جديدًا إلى الأسئلة نفسها التي ظلت ترافق كتاباته خلال السنوات الأخيرة: كيف تتشكل الشرعية السياسية في المجتمعات العربية؟ وما الذي يحدث عندما تفقد النخب قدرتها على إنتاج المعنى؟ وكيف تنتقل المجتمعات من التطلع إلى الحرية إلى البحث عن أشكال مختلفة من الحماية واليقين؟
إن الخامس من تموز / يوليو ذكرى وطنية عزيزة نستحضر فيها نعمة الاستقلال الوطني، واسترجاع السيادة على الأرض ودحر المحتلين الغاصبين، ولا شك أن رفع الأعلام وترديد الأناشيد وإلقاء الخطب وترديد الشعارات وسائل مفيدة للتعبير عن السرور بلقاء هذه الذكرى، غير أن هذا اليوم هو يوم للشكر والوفاء والتأمل كذلك. أما الشكر فهو شكر الله تعالى على نعمة دحر الاحتلال، تعبدا، ولكي يبارك لنا في عطائه، وفق قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ﴾ سورة إبراهيم، الآية 7، وقوله: ﴿ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾ سورة آل عمران، الآية 144، وكما أنه (( من لا يشكر الناس لا يشكر الله)) وفق ما جاء في الحديث الصحيح، فإن الشكر موصول إلى الشهداء والمجاهدين الذي حملوا على عاتقهم عبء الجهاد والتضحية بأنفسهم في سبيل الله من أجل إخراج المحتل.
في مراجعة نقدية نشرتها صحيفة الغارديان البريطانية، رأت الكاتبة والناقدة إيما بروكس أن الكاتب الأمريكي ديفيد سيداريس يواصل في كتابه الجديد "الأرض وسكانها" (The Land and Its People) مشروعه الأدبي القائم على تحويل التفاصيل اليومية إلى تأملات ساخرة في الطبيعة البشرية، غير أن العمل يكشف في الوقت نفسه عن مرحلة جديدة في مسيرته، يواجه فيها كاتب السيرة الذاتية سؤالًا وجوديًا متكررًا حول حدود التجربة الشخصية وما تبقى من الحكايات التي لم تُروَ بعد، في ظل تراكم طويل من الكتابة عن الذات وتفاصيلها الصغيرة.
يمثّل القاضي محمّد بن إسماعيل العمرانيّ واحداً من آخر كبار العلماء الذين حافظوا على المرجعيّة الدينيّة التقليديّة ذات الامتداد الاجتماعيّ الواسع في اليمن، وقد امتدّت حياته قرابة قرن من الزمن، شهدت الخلافة تحوّلات سياسيّة واجتماعيّة عميقة، من نظام الإمامة إلى الجمهوريّة، ومن الاستقرار النسبيّ إلى الصراعات المعاصرة، لكنّه ظلّ ثابتاً في موقعه العلميّ بوصفه مفتياً، وقاضياً ومربّباً، ومصدر ثقة لشرائح واسعة من المجتمع اليمنيّ.
لم يعد الإنسان في الفكر الغربي المعاصر ذلك الكائن الواثق من سيادته على مصيره، كما رسمته فلسفات عصر التنوير، ولا ذلك الفرد القادر على صناعة مستقبله بإرادة مستقلة كما بشرت به الليبرالية الحديثة وأدبيات التنمية الذاتية. فخلال السنوات الأخيرة، أخذت تتبلور موجة فكرية جديدة، تمتد من علم النفس إلى علم الأعصاب والفلسفة، تعيد النظر في أكثر المسلمات رسوخا في الثقافة الحديثة، وفي مقدمتها الاعتقاد بأن الإنسان يمتلك إرادة حرة كاملة، وأنه المسؤول الأول عن كل نجاحاته وإخفاقاته.