133 دولة في مسابقة القرآن السعودية.. حين تتحول التلاوة إلى قوة ناعمة

لا تقتصر أهمية المسابقة على قيمة جوائزها، بل تكمن أيضا في اتساع نطاق المشاركة الدولية وتنوع مستويات المنافسة.. فيسبوك
ظلّ القرآن الكريم يحتل مكانة مركزية في الوعي الديني والثقافي السعودي والعربي والإسلامي، بوصفه نصا مؤسسا للهوية الروحية والحضارية، ومرجعا تتوارث الأجيال حفظه وتلاوته وتدبره.

وعلى امتداد عقود، حافظت المسابقات القرآنية على حضورها في صدارة المشهد الثقافي والديني، رغم التحولات العميقة التي شهدتها المجتمعات العربية والإسلامية وتبدّل أنماط الاهتمام والمعرفة وتنامي حضور الوسائط الرقمية.

ولم تعد هذه المسابقات مجرد منافسات في الحفظ والأداء، بل تحولت إلى فضاءات عالمية تلتقي فيها مدارس متعددة في التلاوة والتجويد والقراءات، وتُبرز جيلا جديدا من الحفظة والحافظات من بلدان وثقافات مختلفة.

وفي هذا السياق، تأتي الدورة السادسة والأربعون من مسابقة الملك عبدالعزيز الدولية لحفظ القرآن الكريم وتلاوته وتفسيره، بمشاركة 334 متسابقا ومتسابقة يمثلون 133 دولة، لتؤكد استمرار هذا الحضور واتساعه خارج الحدود السعودية والعربية إلى فضاء إسلامي وعالمي أكثر تنوعا.

فقد اعتمد وزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد السعودي، الشيخ عبداللطيف بن عبدالعزيز آل الشيخ، أسماء الفائزين والفائزات في الدورة السادسة والأربعين من مسابقة الملك عبدالعزيز الدولية لحفظ القرآن الكريم وتلاوته وتفسيره، التي شهدت مشاركة 334 متسابقا ومتسابقة يمثلون 133 دولة، فيما تجاوز إجمالي جوائزها 10 ملايين ريال سعودي.

وتوزعت المنافسات على خمسة فروع للذكور ومثلها للإناث، تراوحت بين حفظ القرآن الكريم كاملا وإتقانه بالقراءات السبع، وحفظه مع تفسير مفرداته، وصولا إلى حفظ خمسة عشر جزءا أو خمسة أجزاء متتالية، مع اشتراط حسن الأداء والتجويد في الفروع المختلفة.

منافسة دولية على خمسة فروع


وشهد الفرع الأول، وهو الأعلى من حيث مستوى المتطلبات العلمية والأداء، منافسة في حفظ القرآن الكريم كاملا مع حسن الأداء والتجويد بالقراءات السبع المتواترة من طريق الشاطبية، رواية ودراية.

وفي قسم البنين، انتزع السعودي عبدالرحمن بن مختار بن أحمد محمد المركز الأول وجائزة قدرها 500 ألف ريال، متقدما على السوري عبدالكريم رجب آغا الذي حل ثانيا وحصل على 450 ألف ريال، فيما جاء القيرغيزستاني قاصييف رسول تالانت بيكوفيتش ثالثا بجائزة 400 ألف ريال.

إذا كانت السعودية قد رسخت تقليدا مؤسسيا بارزا في رعاية المسابقات القرآنية وتنظيمها على المستوى الدولي، فإن اتساع خريطة المشاركين يؤكد أن حفظ القرآن أصبح ظاهرة عالمية متعددة المراكز، تتولاها مدارس ومؤسسات ومبادرات في دول عديدة، وتجد فيها أجيال جديدة وسيلة لصون النص القرآني ونقله من جيل إلى آخر، مع الحفاظ في الوقت نفسه على تقاليد التلاوة والتجويد والقراءات التي تشكل جزءا أصيلا من التراث الإسلامي.
وحل السعودي عبدالله بن أحمد بن عبدالرزاق المطوع رابعا بجائزة 350 ألف ريال، بينما جاء عمر فاروق من الكاميرون في المركز الخامس وحصل على 325 ألف ريال.

أما في منافسات الإناث، فحققت الجزائرية جمانة شرايطية المركز الأول، وحصلت على الجائزة الكبرى البالغة 500 ألف ريال، فيما جاءت السعودية رغد بنت حسين بن علي آل فرحان في المركز الثاني، والسعودية هبة بنت ماجد بن رشدي الصفدي في المركز الثالث.

وحلت المصرية إيمان جمال فاروق حسن رابعة، فيما جاءت السورية صبيحة برغوث في المركز الخامس، وحصلت صاحبات المراكز الخمسة على جوائز تراوحت بين 325 ألفا و500 ألف ريال.

الجزائر تحضر بقوة في المنافسات


وتبرز المشاركة الجزائرية في النتائج النهائية، إذ تمكنت جمانة شرايطية من حصد المركز الأول في الفرع الأعلى مستوى في منافسات الإناث، كما حققت صفاء إيمان بن يحي المركز الأول في الفرع الثالث.

وفي الفرع الثاني للإناث، الذي يشترط حفظ القرآن الكريم كاملا مع حسن الأداء والتجويد وتفسير مفردات القرآن الكريم كاملا، فازت النيجيرية مريم طن أزمي إبراهيم بالمركز الأول وجائزة قدرها 300 ألف ريال، فيما حلت البحرينية أمة الرحمن بديع مطهر كليب ثانية بجائزة 275 ألف ريال.

وجاءت السعودية أماني بنت شايع بن عوض الحسيكي الحارثي ثالثة، تلتها السعودية زينب بنت إبراهيم بن عبدالسلام إدريس، فيما جاءت السعودية شموخ بنت فائز بن حمدان الزنبقي في المركز الخامس.

وفي منافسات البنين في الفرع نفسه، جاء السعودي عمر بن عبدالله بن حمد الصبيح في المركز الأول، وحصل على 300 ألف ريال، بينما حل الجزائري فتال زكرياء ثانيا بجائزة 275 ألف ريال، وجاء البحريني بدر سائد حامد يوسف مشعل ثالثا.

وحل السعودي أحمد بن حامد بن راشد السهلي رابعا، والنيجيري محمد مرافا عبدالله خامسا.

حضور عربي وإسلامي واسع


وتكشف قوائم الفائزين عن تنوع جغرافي واسع، يعكس طبيعة المسابقة بوصفها فعالية دولية تجمع مشاركين من مناطق مختلفة من العالم، من الدول العربية والإسلامية إلى دول في آسيا وأفريقيا وأوروبا والأمريكتين.

وفي الفرع الثالث للبنين، المخصص لحفظ القرآن الكريم كاملا مع حسن الأداء والتجويد، حقق الليبي ناجي عطية ناجي بن سليمان المركز الأول وجائزة 200 ألف ريال، وجاء التونسي محمد الهادي الغربي ثانيا بجائزة 190 ألف ريال، فيما حل البنغلاديشي شيخ محمد محمود الحسن ثالثا.

وجاء البريطاني عبيد حسين رابعا، بينما حل الإندونيسي محمد حسبي الصديق خامسا.

وفي القسم النسائي، حققت الجزائرية صفاء إيمان بن يحي المركز الأول في الفرع نفسه، تلتها الغانية زينب عبدالرحمن، ثم البنغلاديشية مسفرة بنت محمود، فيما جاءت فاطمة شايا زاهر من جزر المالديف رابعة، والكينية فتحية حسن رشيد خامسة.

من حفظ القرآن كاملا إلى خمسة أجزاء


وتتدرج المسابقة في فروعها من المستويات الأعلى المرتبطة بالحفظ الكامل والقراءات والتفسير، إلى مستويات تتيح المشاركة في حفظ أجزاء محددة من القرآن.

وفي الفرع الرابع، المخصص لحفظ 15 جزءا متتاليا مع حسن الأداء والتجويد، فاز البنغلاديشي محمد زكريا بالمركز الأول في منافسات البنين، تلاه الليبي همام مصطفى العبيد زريقان، ثم القيرغيزستاني ميربيكوف موسى.

وحل السوري عبدالهادي عبدالحليم شيخ دية رابعا، فيما جاء شاين هتيت من ميانمار خامسا.

أما في منافسات الإناث، فحققت ثين جي مون من ميانمار المركز الأول، وجاءت الفلسطينية ربى شاهر يوسف يونس ثانية، ثم البنغلاديشية رابطة بنت رمضان ثالثة.

وحلت العمانية ميسم بنت أحمد بن محمد بن سرحان الحبسية في المركز الرابع، فيما جاءت الإندونيسية فاهمة نجاحة الشريفة خامسة.

وفي الفرع الخامس، الذي يركز على حفظ خمسة أجزاء متتالية مع حسن الأداء والتجويد، تصدر الميانماري ثوريا ناونغ منافسات البنين، تلاه التايلاندي شاكر سيخ فأسوب، ثم السريلانكي محمد إمداد إياس محمد.

وجاء ناصر شاني خان من مدغشقر رابعا، والبرازيلي براء الزعيم خامسا.

لا تقتصر أهمية المسابقة على قيمة جوائزها، بل تكمن أيضا في اتساع نطاق المشاركة الدولية وتنوع مستويات المنافسة، خصوصا أن بعض فروعها تتطلب الجمع بين الحفظ والإتقان والتجويد، فيما يضيف الفرع الأول تحديا علميا يتمثل في الأداء بالقراءات السبع المتواترة من طريق الشاطبية، رواية ودراية.
وفي منافسات الإناث، فازت فانوميزانتسوا فريدة رازاناجاكا من مدغشقر بالمركز الأول، تلتها ماريا ماماده من باربادوس، ثم كلتوما كابارو من جمهورية أفريقيا الوسطى.

وحلت الموريشيوسية هبة بنت زوفار حنسه رابعة، فيما جاءت ليلى باتوريتش من البوسنة والهرسك في المركز الخامس.

جوائز تتجاوز 10 ملايين ريال


وتبلغ القيمة الإجمالية لجوائز الدورة السادسة والأربعين أكثر من 10 ملايين ريال سعودي، فيما تراوحت الجوائز بحسب الفروع والمراكز، إذ يحصل الفائز بالمركز الأول في الفرع الأول للذكور والإناث على 500 ألف ريال، بينما تصل جائزة المركز الأول في الفرع الخامس إلى 65 ألف ريال.

ولا تقتصر أهمية المسابقة على قيمة جوائزها، بل تكمن أيضا في اتساع نطاق المشاركة الدولية وتنوع مستويات المنافسة، خصوصا أن بعض فروعها تتطلب الجمع بين الحفظ والإتقان والتجويد، فيما يضيف الفرع الأول تحديا علميا يتمثل في الأداء بالقراءات السبع المتواترة من طريق الشاطبية، رواية ودراية.

وتشير طبيعة الفروع والنتائج إلى أن المسابقة لا تتعامل مع حفظ القرآن باعتباره اختبارا للذاكرة فحسب، وإنما تضعه ضمن منظومة تجمع الحفظ والتلاوة والتجويد والتفسير والمعرفة بالقراءات، مع الانتقال تدريجيا بين مستويات مختلفة من المشاركة.

مسابقة تتجاوز البعد التنافسي


وتأتي الدورة السادسة والأربعون في سياق حضور متواصل للمسابقة على الساحة القرآنية الدولية، باعتبارها واحدة من أبرز المسابقات التي تجمع حفظة القرآن من بلدان متعددة، وتمنح التنافس القرآني بعدا دوليا يتجاوز الحدود الجغرافية.

ويعكس وصول عدد المشاركين إلى 334 متسابقا ومتسابقة من 133 دولة اتساع دائرة المشاركة، كما أن حضور دول مثل الكاميرون ونيجيريا وغانا وكينيا ومدغشقر والبرازيل وباربادوس وموريشيوس وميانمار والبوسنة والهرسك، إلى جانب الدول العربية والإسلامية، يكشف عن انتشار برامج حفظ القرآن وتعليمه في بيئات ثقافية وجغرافية شديدة التنوع.

كما تمنح مشاركة النساء في الفروع الخمسة، إلى جانب حجم الجوائز المخصصة لهن، المسابقة بعدا آخر يتمثل في إبراز حضور الحافظات في المنافسات الدولية، وليس الاقتصار على منافسات الذكور.

وبإعلان النتائج، أسدلت الدورة السادسة والأربعون الستار على منافسات جمعت مئات المشاركين من مختلف أنحاء العالم، لتنتهي المنافسة بتتويج أسماء توزعت مراكزها الأولى بين السعودية والجزائر وليبيا وتونس وسوريا ونيجيريا وبنغلاديش وميانمار ومدغشقر وغيرها من الدول، في مشهد يعكس اتساع الخريطة الدولية للمشاركة في مسابقات حفظ القرآن وتلاوته وتجويده.

وتكشف النتائج النهائية للدورة السادسة والأربعين أن حفظ القرآن الكريم لم يعد، من حيث المبادرات والمسابقات والمؤسسات الراعية، فعلا سعوديا أو عربيا محدود النطاق، وإنما أصبح مشروعا تتقاطع فيه جهود دول عربية وإسلامية، بل ومؤسسات ومبادرات في بلدان بعيدة جغرافيا عن العالم الإسلامي. فمن ميانمار وبنغلاديش وإندونيسيا ونيجيريا وغانا وكينيا ومدغشقر، إلى البرازيل وباربادوس والبوسنة والهرسك وغيرها، تقدم قوائم المشاركين والفائزين صورة عن انتشار ثقافة الحفظ والتجويد والتلاوة في بيئات شديدة التنوع.

وإذا كانت السعودية قد رسخت تقليدا مؤسسيا بارزا في رعاية المسابقات القرآنية وتنظيمها على المستوى الدولي، فإن اتساع خريطة المشاركين يؤكد أن حفظ القرآن أصبح ظاهرة عالمية متعددة المراكز، تتولاها مدارس ومؤسسات ومبادرات في دول عديدة، وتجد فيها أجيال جديدة وسيلة لصون النص القرآني ونقله من جيل إلى آخر، مع الحفاظ في الوقت نفسه على تقاليد التلاوة والتجويد والقراءات التي تشكل جزءا أصيلا من التراث الإسلامي.

حين تلتقي الرسالة الدينية بالقوة الناعمة


ولا يمكن قراءة مسابقة الملك عبدالعزيز الدولية لحفظ القرآن الكريم بمعزل عن بعدها المؤسسي والسياسي، فالمسابقات القرآنية في السعودية لا تؤدي وظيفة دينية وتعليمية فحسب، وإنما تمثل أيضا إحدى أدوات القوة الناعمة التي تتيح للمملكة بناء حضور ثقافي وروحي يتجاوز حدودها الجغرافية. فاختيار اسم الملك عبدالعزيز للمسابقة، وتنظيمها تحت إشراف وزارة الشؤون الإسلامية، وحجم الجوائز المرصودة لها، فضلا عن استقطاب مئات المشاركين من عشرات الدول، كلها عناصر تمنح الحدث بعدا يتجاوز لحظة التنافس على الحفظ والتجويد.

ويظهر هذا البعد بصورة أوضح في طبيعة الخريطة الدولية للمشاركين؛ فحين تستقبل الرياض حفظة القرآن من أكثر من مئة دولة، فإنها لا تستضيف متنافسين فحسب، وإنما تفتح فضاء للتواصل مع شبكات واسعة من المؤسسات القرآنية والمدارس الدينية والحفاظ والقراء في آسيا وأفريقيا وأوروبا والأمريكتين. ومن ثم، تتحول المسابقة إلى منصة لتعزيز صورة السعودية باعتبارها مركزا من مراكز العناية بالقرآن وخدمة الحرمين والتراث الإسلامي، وهي صورة تحمل بطبيعتها دلالة رمزية وثقافية وسياسية.

ولا يعني ذلك اختزال المسابقة في بعدها السياسي أو التشكيك في القيمة الدينية والعلمية لمنافساتها؛ فالمشاركون واللجان والنتائج والجوائز تعكس في المقام الأول فعالية قرآنية حقيقية. لكن حضور الدولة في تنظيم هذا النوع من الفعاليات ورعايتها وتمويلها يجعل من الصعب فصل البعد الديني عن توظيفه في بناء صورة الدولة وعلاقاتها الثقافية مع العالم الإسلامي. وهنا تلتقي الدبلوماسية الدينية بالقوة الناعمة: فالمسابقة تقدم المملكة بوصفها راعية للحفظ والتلاوة والقراءات، وفي الوقت نفسه تتيح لها إقامة علاقات رمزية مع مجتمعات إسلامية متعددة.

من المنافسة القرآنية إلى الدبلوماسية الثقافية


وتكتسب هذه الوظيفة أهمية أكبر في ظل المنافسة الإقليمية على المرجعيات الدينية والثقافية في العالم الإسلامي. فالمملكة ليست الدولة الوحيدة التي تستثمر في المسابقات القرآنية؛ إذ تقيم دول عربية وإسلامية عديدة مسابقات دولية للحفظ والتجويد، وتدعم مؤسسات تعليم القرآن، وتستضيف القراء والحفاظ من مختلف أنحاء العالم. وبالتالي، فإن المسابقة السعودية تدخل ضمن مشهد أوسع من الدبلوماسية الدينية التي تستخدم الثقافة الإسلامية المشتركة لبناء الروابط وتعزيز الحضور الخارجي.

إذا كانت مسابقة الملك عبدالعزيز تكشف قدرة السعودية على تحويل العناية بالقرآن إلى حضور دولي وقوة ناعمة، فإنها تكشف في الوقت نفسه حدود أي محاولة لاحتكار هذا المجال رمزيا؛ فخريطة المشاركين تقول إن حفظ القرآن لم يعد شأنا سعوديا أو عربيا وحده، بل أصبح ظاهرة عالمية تتعدد مراكزها ومؤسساتها ومدارسها.
ومن هذه الزاوية، فإن الأرقام التي أعلنتها الدورة السادسة والأربعون ــ 334 متسابقا ومتسابقة من 133 دولة وأكثر من 10 ملايين ريال للجوائز ــ لا تعكس حجم المنافسة فقط، بل تكشف أيضا قدرة الدولة المنظمة على تحويل حدث ديني إلى مناسبة دولية واسعة الحضور. وكلما اتسعت المشاركة وتنوعت البلدان، ازدادت قيمة المسابقة باعتبارها منصة للتواصل الثقافي والديني، وهو ما يمنحها وزنا في صورة السعودية لدى قطاعات واسعة من المجتمعات الإسلامية.

لكن الوة الناعمة لا تلغي عالمية القرآن


ومع ذلك، فإن قراءة المسابقة من زاوية التوظيف السياسي وحدها ستكون اختزالا لظاهرة أكثر تعقيدا. فالعالمية التي تكشفها قوائم المشاركين والفائزين لا تصنعها السعودية وحدها؛ إذ يأتي كثير من هؤلاء الحفظة من مدارس ومؤسسات ومبادرات قرآنية قائمة في بلدانهم، وبعضها يمتلك تقاليد راسخة في تعليم القرآن تعود إلى عقود أو قرون. ولذلك يمكن القول إن الرياض تستضيف وتؤطر وتمنح هذا الحراك منصة دولية، لكنها لا تحتكر الظاهرة نفسها.

وهنا تكمن المفارقة الأكثر أهمية: فالمسابقة يمكن أن تخدم أهداف القوة الناعمة السعودية، وفي الوقت نفسه تؤكد أن القرآن الكريم تجاوز منذ زمن طويل حدود الدولة التي تستضيف المسابقة. فالحافظ الذي يأتي من نيجيريا أو ميانمار أو بنغلاديش أو مدغشقر أو البرازيل لا يمثل فقط إنجازا فرديا أو وطنيا، بل يمثل شبكة عالمية من التعليم والحفظ والتلقي. وبذلك يصبح الحدث مساحة تتقاطع فيها الديني والثقافي والوطني والسياسي، من دون أن ينفي أحد هذه المستويات الآخر.

وإذا كانت مسابقة الملك عبدالعزيز تكشف قدرة السعودية على تحويل العناية بالقرآن إلى حضور دولي وقوة ناعمة، فإنها تكشف في الوقت نفسه حدود أي محاولة لاحتكار هذا المجال رمزيا؛ فخريطة المشاركين تقول إن حفظ القرآن لم يعد شأنا سعوديا أو عربيا وحده، بل أصبح ظاهرة عالمية تتعدد مراكزها ومؤسساتها ومدارسها.

وبينما تستخدم الدول المسابقات القرآنية لتعزيز حضورها الديني والثقافي وبناء علاقاتها مع المجتمعات الإسلامية، يظل القرآن نفسه أوسع من هذه التوظيفات، إذ تنتقل تقاليد حفظه وتجويده بين أجيال وبلدان وثقافات مختلفة. وهنا تحديدا تكمن القوة الحقيقية للمسابقة: فهي تمنح الدولة المنظمة قوة ناعمة، لكنها في الوقت ذاته تكشف عن قوة ثقافية ودينية عابرة للدول لا تستطيع دولة واحدة امتلاكها.