تتجه دبي إلى لعب
دور حاسم في معركة أمريكا لخنق الاقتصاد
الإيراني، بعدما أعلنت الامارات تعليق
المعاملات المالية والاقتصادية مع طهران، في خطوة قد تضيق أحد أهم منافذ إيران إلى
الواردات والعملات الأجنبية وشبكات التجارة العالمية.
أكدت صحيفة "
وول
ستريت جورنال" أن نجاح جهود الرئيس الأمريكي
دونالد ترامب الرامية إلى إخضاع إيران
عبر خنق اقتصادها يعتمد بدرجة كبيرة على قدرة واشنطن وحلفائها على تقييد أحد أهم الشرايين
الاقتصادية لطهران، وهو دبي.
وأشارت الصحيفة، في
تقرير أعده مراسلوها سمر سعيد وجورجي كانتشيف وروبي غرامر، إلى أن الامارات العربية
المتحدة أعلنت في وقت متأخر من يوم الثلاثاء تعليق المعاملات المالية والاقتصادية مع
إيران، في خطوة يمكن أن تهدد وصول طهران إلى مصدر رئيسي للواردات ومنفذ مالي إلى العالم.
وتابعت "وول ستريت
جورنال" أن الخطوة الاماراتية جاءت بعد أسابيع من الضغوط التي مارستها إدارة ترامب
على أبوظبي لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضد الشبكات المالية الإيرانية التي تعمل داخل
البلاد.
وبحسب أشخاص مطلعين
على الأمر، أوضح مسؤولون أمريكيون لنظرائهم الاماراتيين أن استهداف التدفقات المالية
المرتبطة بـ"الحرس الثوري الإسلامي" الإيراني يمكن أن يكون أكثر تأثيرًا
على طهران من الحصار البحري الأمريكي للموانئ الإيرانية.
كما حثت واشنطن الامارات،
خلال فترة التوتر الحالية، على تشديد الإجراءات ضد الكيانات الإيرانية الخاضعة للعقوبات
وشبكات أخرى تعمل بصورة سرية داخل البلاد، وفقًا للأشخاص المطلعين على الأمر.
وفي وقت متأخر من يوم
الأربعاء، قال ترامب عبر وسائل التواصل الاجتماعي: "أعلن اليوم أيضا أن أي دولة
تسمح لمؤسساتها المالية أو شركاتها أو مطاراتها أو هيئاتها الحكومية بتوفير أي نوع
من شريان الحياة لإيران، ستواجه هي نفسها عواقب اقتصادية هائلة".
وأضاف ترامب:
"تهريب النفط، واتفاقيات المقايضة، والتحويلات النقدية، وشركات الصرافة، وتسجيل
السفن، والشركات الوهمية؛ كل هذا يجب أن يتوقف الآن. أنتم تعرفون من أنتم".
وأشارت الصحيفة إلى
أن ترامب لم يحدد الدول التي كان يقصدها، لكنه قال إنه يريد من جميع حلفاء الولايات
المتحدة الوقوف إلى جانبه.
وفي حال تطبيق الإجراءات
على نطاق واسع، يمكن أن تؤدي الخطوة الاماراتية إلى تقييد كبير لقدرة طهران على الوصول
إلى العملات الأجنبية وشبكات التجارة العالمية، في وقت يعاني فيه الاقتصاد الإيراني
من التضخم المتصاعد والعقوبات والاضطرابات الناجمة عن الحرب.
وتابعت "وول ستريت
جورنال" أن إدارة ترامب تأمل في أن يؤدي ذلك إلى زيادة الضغوط على إيران ودفعها
إلى التوصل إلى اتفاق.
لكن الصحيفة أشارت
إلى أن قطع هذه الروابط لن يكون أمرًا سهلًا، لأن جزءًا كبيرًا من هذه الأنشطة يجري
عمدًا بعيدًا عن الأنظار.
وأظهرت قرارات العقوبات
الأمريكية الصادرة خلال السنوات الماضية أن عائدات النفط وتجارة العملات الأجنبية والمدفوعات
الخاصة بالكيانات الإيرانية طالما مرت عبر شركات وهمية ومكاتب صرافة في دبي، وغالبًا
من دون ظهور اسم إيراني في المعاملة المالية.
كما أن قطع العلاقات
مع إيران سيتطلب من السلطات الاماراتية اتخاذ إجراءات شديدة الصرامة ضد الأنشطة المالية
والتجارية غير الشفافة، وهو ما قد يضر بدور دبي كمركز عالمي مفتوح وحيوي للتجارة ورؤوس
الأموال وإعادة التصدير.
وفي هذا السياق، قال
ماكس ميزليش، المسؤول الأمريكي السابق المعني بملف العقوبات والباحث حاليًا في
"مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات": "عند النظر إلى مسألة التهرب من العقوبات
الإيرانية وقدرة إيران على جني الأموال من مبيعات النفط غير المشروعة، نجد أن دبي تعد
مركزا رئيسيا للتدفقات المالية غير المشروعة".
وأضاف: "إن اتخاذ
الإمارات إجراءات ضد الأنشطة التجارية والمالية المباشرة أمر مهم، لكن الواقع يشير
إلى أن قدرا كبيرا من الأنشطة غير المباشرة يمر عبر بنوك في دبي، مما يدعم عمليات صرافة
الظل والتمويل غير المشروع التي تمارسها إيران".
وأشارت الصحيفة إلى
أن التحركات الاماراتية جاءت بعد أسابيع من تصاعد التوترات، من بينها ما وصفه مسؤولون
اماراتيون بأنه هجمات إيرانية استهدفت سبعًا من سفنها خلال الشهر الجاري وحده.
وأطلقت إيران يوم الثلاثاء
صاروخين باليستيين باتجاه الامارات، ما أدى إلى تفعيل أنظمة الدفاع الجوي في البلاد،
فيما قالت وزارة الدفاع الاماراتية إن الصاروخين كانا يستهدفان الملاحة البحرية وسقطا
في البحر.
وتابعت "وول ستريت
جورنال" أن تحركات الامارات للحد من التعاملات مع إيران كانت قد جرى التخطيط لها
كجزء من جهود تهدف إلى ردع هجمات الحرس الثوري الإيراني التي تستهدف سفنها.
وبحسب مصادر مطلعة،
ينظر المسؤولون الاماراتيون إلى الإجراءات الأخيرة باعتبارها جزءًا من تصعيد تدريجي،
وليس قطيعة شاملة مع طهران.
ومن المتوقع أن تتحرك
الامارات خطوة بخطوة، بدءًا بفرض قيود جديدة على الشحن، مع احتمال توسيع الإجراءات
لتشمل حملة أوسع ضد الكيانات المرتبطة بإيران إذا واصل الحرس الثوري شن هجماته.
وأشارت المصادر إلى
أن هذا النهج يعكس تفضيل الامارات لاختبار الإجراءات الفعالة مع الحفاظ على هامش للمناورة
وإمكانية تعديل المسار.
كما أشاروا إلى مخاوف
صناع القرار في الامارات من أن استراتيجية واشنطن الرامية إلى إلحاق ضرر اقتصادي أعمق
بإيران قد تضر بقطاعات في اقتصادات دول الخليج تعتمد على السياحة والتجارة بدلًا من
النفط، وقد تؤدي في نهاية المطاف إلى إثارة المزيد من الردود العسكرية الإيرانية.
ويرغب المسؤولون الاماراتيون
كذلك في إبقاء بعض قنوات التواصل مفتوحة مع طهران، للحفاظ على خيار دبلوماسي متاح في
حال فشل حملة الضغوط التي تنفذها إدارة ترامب.
ولم ترد الامارات على
طلب للتعليق، بينما قال مسؤول في الإدارة الأمريكية إن العقوبات والحصار الأمريكيين
أجبرا الاقتصاد الإيراني على تحمل أضرار جسيمة، وإن ترامب لا يزال يمتلك المزيد من
أدوات الضغط.
وتابعت الصحيفة أنه
في مرحلة سابقة من الحرب، علقت الامارات عمليات الشحن المباشر للبضائع مع إيران وبدأت
حملة أوسع للحد من الأنشطة الإيرانية داخل أراضيها، شملت إلغاء تأشيرات الدخول وإغلاق
مدارس ونوادٍ.
وبعد خوض مواجهات متقطعة
والتحذير من تصعيد كبير الشهر الماضي، تحول نهج ترامب نحو محاولة استنزاف إيران اقتصاديًا.
وكان وزير الخزانة
الأمريكي سكوت بيسنت قد أشار الأسبوع الماضي إلى أن واشنطن ستفرض قيودًا جديدة على
الاقتصاد الإيراني في الأيام المقبلة، فيما وصفه بأنه "ضربة مزدوجة" تضاف
إلى الحصار البحري الأمريكي للموانئ الإيرانية.
وأكدت "وول ستريت
جورنال" أن واشنطن تحتاج إلى انضمام الامارات لزيادة الضغط على إيران، إذ تقع
الدولة الخليجية في الجهة المقابلة لإيران عبر الخليج، وترتبط بجارتها الأكبر بعلاقات
تجارية وتاريخية وثقافية عميقة، رغم الخلافات المتكررة بين الحكومتين.
وقبل اندلاع الحرب،
كانت الامارات أكبر مصدر للواردات إلى إيران، متفوقة حتى على الصين، إذ وفرت أكثر من
30% من إجمالي واردات البلاد، بقيمة تقارب 21 مليار دولار في عام 2024، وفقًا لبيانات
منظمة التجارة العالمية.
كما ظلت الامارات لسنوات
مركزًا ماليًا رئيسيًا للشركات والأفراد الإيرانيين الساعين إلى الالتفاف على العقوبات
الغربية، وفقًا لمحللين يتابعون أنشطة طهران ووزارة الخزانة الأمريكية.
وقال هؤلاء إن شبكة
إيران للالتفاف على العقوبات ساعدت طهران على مواصلة بيع النفط في الخارج وتوجيه العائدات
إلى برامج التسلح والجماعات الإقليمية الحليفة.
وأشارت الصحيفة إلى
أن إيران أنشأت شركات واجهة في الامارات لتحصيل مدفوعات النفط وتسوية المعاملات المالية
وإخفاء مصدر الأموال، بحسب وزارة الخزانة ومحللين يراقبون أنشطة طهران.
وفي عام 2024، يبدو
أن مبلغ 9 مليارات دولار مر عبر حسابات مراسلة، وهي حسابات بنكية لمؤسسات مالية أخرى
لتسهيل دفع الأموال دوليًا، تديرها بنوك أمريكية، وكان مرتبطًا بأنشطة مالية إيرانية
سرية، وفقًا لوزارة الخزانة.
وذكرت الوزارة أن شركات
تتخذ من الامارات مقرًا لها، معظمها في دبي، وهي واحدة من الإمارات السبع، تلقت
62% من تلك الأموال.
كما اعتمدت إيران على
"أسطول ظل" من ناقلات النفط القديمة لنقل الخام الخاضع للعقوبات، مع إخفاء
تحركات السفن وهياكل ملكيتها.
وبحسب وزارة الخزانة،
فإن العديد من الناقلات المرتبطة بتجارة الظل الإيرانية مملوكة أو مدارة من قبل شركات
تتخذ من الامارات مقرًا لها.
وكانت الامارات قد
صرحت سابقًا بأنها تلتزم بالعقوبات ولديها التزام قوي بحماية سلامة النظام المالي العالمي.
ويرى محللون أنه حتى
مع الإجراءات التي أعلنت عنها الامارات مؤخرًا، فإن التصدي لشبكة التمويل الموازية
سيظل يمثل تحديًا.
وقال إريك ألتر، عميد
أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية في أبوظبي: "الأمر ممكن ولكن بحدود".
وأضاف أن الحكومة قادرة
على إغلاق القنوات المصرفية الرسمية وحركة الموانئ الكبرى، لكنها "لا تستطيع مراقبة
كل شريك محلي، أو كل منطقة حرة، أو كل حركة للسفن الصغيرة عبر سبع إمارات ذات ثقافات
تجارية مختلفة".