يتصاعد الخلاف بين رئيس الوزراء
العراقي علي
الزيدي والفصائل المسلحة الموالية لإيران، متجاوزا المناورة السياسية وتبادل الأدوار،
مع اقترابه أكثر من مرة من مواجهة مسلحة، قبل أن تتدخل طهران لمنع انزلاقه إلى صدام
شيعي شيعي مفتوح.
تأتي هذه التطورات في ظل الضغوط المتزايدة التي
يواجهها الزيدي، مع اقتراب الموعد الذي قطعه على نفسه أمام الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب، خلال لقائهما في واشنطن الشهر الماضي، لحصر السلاح بيد الدولة بالتزامن مع الانسحاب
الأمريكي في 30 أيلول المقبل.
"تكسير عظام"
وبحسب مصدر عراقي مطلع تحدث لـ"عربي21"،
فإن اعتقال القيادي في حركة النجباء عباس حسين اليعقوبي من قبل قوات مكافحة الإرهاب
كاد يشعل مواجهة مسلحة بين
الفصائل الرافضة لنزع سلاحها والمنضوية ضمن ما يعرف بـ"المقاومة
الإسلامية" في العراق.
وأوضح المصدر، الذي طلب عدم الكشف عن هويته،
أن الزيدي تعرض لضغوط من قوى داخل الإطار التنسيقي أجبرته على تسليم اليعقوبي إلى هيئة
الحشد الشعبي، التي يشغل فيها الأخير منصب مسؤول الاستخبارات في جنوب بغداد، وذلك تمهيدا
لإطلاق سراحه.
وبعد اعتقال دام يومين، أفرجت محكمة الجنايات
في بغداد عن اليعقوبي، الأربعاء، بعد تبرئته من التهم الموجهة إليه، وعلى رأسها التورط
في اغتيال العقيد نبراس فرمان شعبان الفيلي، مدير مكتب جهاز المخابرات الوطني العراقي،
الذي قتل في هجوم مسلح عام 2021.
ورأى المصدر أن حادثة اليعقوبي كشفت حجم التوتر
بين الحكومة وبعض الفصائل المسلحة، مؤكدا أن العراق بات "على شفا حفرة من النزاع
الشيعي الشيعي"، وسط تصاعد الخلاف إلى "كسر عظم" بين الرافضين لنزع
السلاح والداعين إلى تسليمه حفاظا على الحكم الشيعي.
وفي محاولة لمنع تفاقم الخلافات، قال المصدر
إن زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، وأمين عام منظمة بدر هادي العامري، يؤديان
دور الوسيط بين الفصائل المسلحة ورئيس الوزراء الزيدي، بهدف التوصل إلى صيغة للتهدئة
ومنع الانزلاق إلى اقتتال شيعي شيعي.
وأشار المصدر إلى أن زيارة قائد فيلق القدس الإيراني
إسماعيل قاآني إلى بغداد قبل نحو أسبوع، والتي استمرت خمسة أيام، جاءت في هذا السياق،
موضحا أنه التقى خلالها قوى سياسية وفصائل مسلحة، ودفع باتجاه منع الصدام مع الحكومة
واحتواء الخلافات.
وبحسب المصدر، فإن التدخل الإيراني أسهم حتى
الآن في منع انتقال التصعيد السياسي إلى مواجهة مسلحة، رغم وصول الخلافات في بعض المراحل
إلى مستويات خطيرة.
الزيدي أمام خيارين
ولا يستبعد المصدر أن تنتهي الأزمة باستقالة
الزيدي أو إقالته قبل حلول موعد 30 سبتمبر/أيلول، في ظل صعوبة موقفه السياسي وتزايد
الضغوط عليه من القوى الرافضة لمسار نزع السلاح.
ورأى أن رئيس الوزراء وضع القوى الشيعية أمام
خيارين صعبين: إما المضي في حصر السلاح بيد الدولة، أو التخلي عن المنصب، في محاولة
لدفع القوى السياسية إلى تحمل مسؤولية القرار، في حين تتمسك أطراف داخل الإطار التنسيقي
ببقائه وترفض خروجه من رئاسة الحكومة.
وفي المقابل، تحدث المصدر عن وجود تحركات سياسية
يرى أنها تستهدف تغيير اتجاه النظام السياسي في العراق لمصلحة الولايات المتحدة، برعاية
المبعوث الأمريكي توم باراك، وبالتعاون مع شخصية شيعية عراقية نافذة تشغل منصبا رفيعا
في الدولة، وفق تعبيره.
سيناريوهات محتملة
تعليقا على ما يجري من تصعيد في العراق، قال
الباحث في الشأن السياسي العراقي سعدون التكريتي لـ"عربي21" إن العملية السياسية
في البلاد تمر في أصعب حالاتها، ولاسيما "الحاكمية الشيعية"، لأن السلاح
بات بالنسبة لهم يشكل التحدي الأكبر للحفاظ على الحكم أو فقدانه.
وبحسب التكريتي، فإن زيارة قاآني إلى بغداد جرى
خلالها الاتفاق مع الفصائل على تسليم "السلاح غير الفعال" فقط إلى الحكومة.
لكن الباحث أكد صعوبة تطبيق هذا السيناريو، لأن العراق سيبقى تحت المجهر الأمريكي،
فيما إذا توقفت الطائرات المسيرة على إقليم كردستان وغيرها.
ولفت الباحث إلى أن حادثة اليعقوبي كانت بمثابة
جس نبض لصدام محتمل بين الفصائل المسلحة والحكومة العراقية، وأن الأخيرة قادرة على
اعتقال أي شخصية مهما كان عنوانها داخل الجماعات المسلحة، في حال لم تخضع لأوامر تسليم
السلاح بعد 30 أيلول المقبل.
ورأى أن التهديدات التي أطلقتها "كتائب
حزب الله" ضد الزيدي بعد اعتقال اليعقوبي، تضع هذه الجماعات المسلحة في الزاوية،
وتزيد من التأييد المحلي والخارجي لنزع سلاح الفصائل وتفكيكها، وليس العكس.
وتوقع الباحث أن تستعين حكومة الزيدي بالولايات
المتحدة في حربها ضد المليشيات العراقية، كما فعل رئيس الوزراء نوري المالكي عندما
طلب منها مساندته لإنهاء تمرد "جيش المهدي" بزعامة مقتدى الصدر، في عمليات
"صولة الفرسان" عام 2008.
وعلى خلفية اعتقال اليعقوبي، أصدرت "كتائب
حزب الله" العراقية بيانا، الاثنين، اعتبرت فيه أن أفعال رئيس الحكومة
علي الزيدي
"استفزازية" و"غير مسؤولة"، وهددت بالرد وفق مبدأ "العين
بالعين والبادئ أظلم"، داعية القادة السياسيين إلى "تصحيح الاعوجاج الأمني
الذي تسبب فيه" الزيدي.