دعوات التمديد للرئيس الموريتاني تثير جدلا والمعارضة تدعو لحماية الدستور

المعارضة رفضت فكرة تمديد ولاية الرئيس- عربي21
تشهد الساحة السياسية في موريتانيا منذ أيام نقاشا محتدما، إثر تعالي أصوات من داخل الأغلبية الحاكمة تطالب بتعديل الدستور لفتح الباب أمام الرئيس الحالي محمد ولد الشيخ الغزواني، للترشح لولاية رئاسية ثالثة.

وفي حين يرى مؤيدو هذه الدعوات أنها خطوة ضرورية لـ"استكمال مسيرة التنمية"، تعتبرها المعارضة "انتكاسة ديمقراطية" وتهديدا صريحا لاستقرار البلاد ومبدأ التداول السلمي على السلطة.


الدعوات المتزايدة من السياسيين الموالين للنظام بتعديل الدستور، أدخلت الساحة السياسية الموريتانية في مرحلة من الاستقطاب الحاد.

وانتخب الرئيس الموريتاني الحالي محمد ولد الشيخ الغزواني في 2019 رئيسا للبلاد، ثم أُعيد انتخابه لولاية ثانية في 2024، ويحظر الدستور الموريتاني بشكل صريح الترشح لولاية رئاسية ثالثة.

حراك لضمان "استمرار المكتسبات"


بدأت شرارة الجدل تتسع مع تصريحات متتالية لمسؤولين حكوميين وقيادات حزبية موالية، دعت صراحة إلى منح الرئيس ولد الغزواني وقتا أطول في السلطة لتنفيذ مشاريعه التنموية.

فقد دعا رئيس جهة ولاية لعصابه (جنوب البلاد) محمد محمود ولد حبيب إلى استمرار الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني في السلطة سواء عبر تعديل الدستور الحالي أو كتابة دستور جديد.

من جهتها دعت رئيسة حزب "حوار" (موالاة) فالة ميني، الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني إلى الترشح لولاية رئاسية ثالثة، مضيفة أن حزبها بجميع هيئاته ونوابه وعمده ومستشاريه يطالب الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني بالترشح لولاية ثالثة.

وأضافت رئيسة الحزب أن المطالبة بالولاية الثالثة "هي خيار الشعب، وحزب حوار لا يوكل أي طرف من أحزاب الأغلبية للتنازل عنها".

وفي ذات السياق دعت وزيرة التجارة والسياحة، زينب بنت أحمدناه، خلال نشاط لتيارها السياسي بنواكشوط بحضور قيادات من حزب "الإنصاف" الحاكم، إلى حراك شعبي جامع يهدف إلى "منح الرئيس وقتا إضافيا لترسيخ معالم الإنجازات التي تحققت خلال السنوات السبع الماضية، حرصا على تماسك البلد وأمنه".

من جهته شدد المنسق الجهوي لحزب "الإنصاف" الحاكم في ولاية لعصابه جنوب البلاد، سيدي محمد ولد بونه، على ضرورة المحافظة على المكتسبات وتعزيز التماسك الحزبي والوحدة الوطنية استعدادا للمرحلة المقبلة.

تحذير من العبث بالقيود الدستورية 


ومع تزايد الدعوات في صفوف السياسيين المواليين للنظام، استنفرت المعارضة جهودها للتصدي لما سمته محاولات للعبث بدمقراطية البلد، حيث أصدرت بيانات متعاقبة ترفض المساس بالمواد المحصنة في الدستور والتي تحدد الولايات الرئاسية باثنتين.

وأكدت "مؤسسة المعارضة الديمقراطية" (وهي هيئة قانونية تمثل المعارضة بالبرلمان) أن احترام مدد الولاية الرئاسية يشكل الضمانة الأساسية للاستقرار السياسي وحق الأجيال القادمة، ودعت كبار المسؤولين في الدولة إلى النأي عن التصريحات التي قد تفتح باب الالتباس.

وشددت مؤسسة المعارضة على أن التداول السلمي على السلطة يمثل أحد المرتكزات الأساسية للنظام الديمقراطي، كما أن احترام المدد والحدود التي يقررها الدستور يشكل ضمانة لاستقرار الدولة واستمرار الثقة في مؤسساتها.

وأضافت أن الاختلاف السياسي، مهما اتسع ينبغي أن يظل في إطار احترام الدستور والمؤسسات، كما أن صيانة القواعد الدستورية ليست مسؤولية طرف سياسي دون آخر، بل هي مسؤولية وطنية مشتركة، وضمانة لحق الأجيال القادمة في دولة تحكمها القواعد والمؤسسات.

بدوره حذر قطب "ائتلاف المعارضة الديمقراطية" الذي يضم عدة أحزاب وتكتلات سياسية، من مغبة العبث بالقيود الدستورية، معتبرا أن إثارة هذا الموضوع هي محاولة لصرف الأنظار عن الأزمات المعيشية والاقتصادية كغلاء الأسعار وتفاقم البطالة.

وعبر الائتلاف عن قلقه واستنكاره لتنامي الدعوات المطالبة بولاية رئاسية ثالثة، وخاصة ما صدر عن موظفين سامين، يفترض أنهم في طليعة المدافعين عن الدستور والقانون، لا أدوات للضغط من أجل الالتفاف عليهما خدمةً لما أسماه "أجندات شخصية أو بحثًا عن مكاسب مؤقتة".

واعتبر الائتلاف أن إثارة موضوع الولاية الرئاسية الثالثة في الظرف الراهن محاولة لصرف اهتمام الرأي العام عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة، ومعاناة المواطنين من ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية وتفاقم البطالة وضعف الخدمات.

وشدد الائتلاف على أن السلطة ليست امتيازا شخصيا بل مسؤولية مؤقتة تُمارس في إطار الدستور والقانون الذي هو صريح في تحديد المأموريات الرئاسية.

وأكد الائتلاف أن محاولة تغيير مدد الولاية الرئاسية أو الالتفاف عليها خروج على روح الدستور ونصوصه، وتهديد لمبدأ التداول السلمي على السلطة، وللاستقرار السياسي والمؤسسي في البلاد.

دعوة لتعبئة شعبية سلمية


وفي إطار السجال المحتدم بين الأغلبية الحاكمة والمعارضة، دعا النائب البرلماني المعارض خالي جالو إلى "تعبئة سياسية وشعبية، سلمية ومسؤولة وحازمة، من أجل فرض احترام الدستور والمحافظة على المكتسبات الدستورية".

ولفت البرلماني المعارض في بيان إلى أن الانتكاس الديمقراطية يبدأ غالبا بالاستهانة بما لا يمكن قبوله وبصمت من كان عليهم التصدي له" مضيفا أن على الشعب أن يسمع صوته ويذكر بوضوح بأن الدستور غير قابل للتفاوض، وأن الجمهورية لا يمكن أن تخضع للأطماع الشخصية".

وأوضح أن هذه الدعوات تشكل مؤشرا سياسيا مبعثا للقلق، إذ تعطي انطباعا بأن هناك من يسعى لتهيئة الرأي العام لإعادة النظر في الأحكام الدستورية التي تضبط ممارسة السلطة الرئاسية.

وقال إنه إذا ما تأكدت مثل هذه النية، فإنها ستشكل "انتهاكا جسيما لدولة القانون، وللالتزامات الدستورية لرئيس الجمهورية، وللمكتسبات الديمقراطية للبلد". 

"تصرف أهوج"


وفي تصريح خاص لـ"عربي21" عبرت النائبة البرلمانية عن حزب "التجمع الوطني للإصلاح والتنمية" (أكبر أحزاب المعارضة) أنيسا با، عن استنكارها للمطالبة بتعديل الدستور من أجل تمكين الرئيس الحالي من الترشح لولاية رئاسية ثالثة.

ورأت أن هذه الدعوات "ليست مجرد تعبير عن رغبة في استمرار مشروع سياسي، بل دعوة علنية إلى كسر قاعدة دستورية، يجب أن تكون فوق الأشخاص والأحزاب والسلطات".

ولفتت إلى أن التجارب السياسية الموريتانية "أثبتت أن العبث بحدود السلطة الدستورية لا يقود إلا إلى الانقلابات والسجون والمنافي" مضيفة أن إعادة التجربة اليوم، في ظل محيط إقليمي مضطرب ومشتعل، هو تصرف أهوج يهدد أمن البلد واستقراره.

اختبار توافقات ما قبل الحوار 


ويأتي هذا السجال بعد أن شهدت الفترة الماضية تقاربا ملحوظا بين مختلف أطياف المشهد السياسي، أفضى إلى توافق مبدئي بين أطراف الحوار الوطني المرتقب على إغلاق باب الجدل حول التعديلات الدستورية المتعلقة بالولايات الرئاسية، وهو ما مهد الطريق لانفراجة سياسية وبناء ثقة متبادلة بين السلطة والمعارضة.

وتعول القوى السياسية الموريتانية على الحوار المرتقب لمناقشة قضايا تتعلق بالإصلاحات السياسية والملفات الاقتصادية والاجتماعية.


ومع إعلان قرب بدء هذه الجلسات، يرى مراقبون أن عودة أصوات الموالاة للمطالبة بتعديل الدستور، قد تلقي بظلال كثيفة على طاولة النقاش، وتعيد خلط الأوراق من جديد، مما يضع التوافقات التي سبقت انطلاق الحوار أمام اختبار حقيقي لمدى تماسكها.

وكانت المعارضة الموريتانية شككت في نزاهة الانتخابات الرئاسية الأخيرة والتي فاز فيها الرئيس الحالي محمد ولد الشيخ الغزواني بولاية رئاسية ثانية، ما تسبب في اندلاع احتجاجات لأنصار المرشح الذي حل ثانيا حينها في الانتخابات الرئاسية بيرام الداه اعبيد.

ورغم عودة الهدوء للبلاد عقب الانتخابات، إلا أن المعارضة ظلت تطالب بحوار سياسي لبحث قضايا تتعلق بالمنظومة الانتخابية لضمان شفافية أي عملية انتخابية في المستقبل.