منذ نشأة الحركة الصهيونية في أواخر القرن التاسع عشر، رافقتها مجموعة من السرديات والحجج التي وفّرت لها غطاءً أخلاقيا وسياسيا لمشروع
الاستيطان في فلسطين، وتُرجمت على مدى أكثر من قرن إلى أدوات قانونية وإدارية وميدانية ملموسة، تمثلت في قوانين مصادرة الأراضي والتشجير وشق الطرق وغيرها.
ويُعد ما تشهده بلدة
قصرة جنوب نابلس اليوم من حصار يفرضه المستوطنون على المنازل الفلسطينية، واقتحامات متكررة من جيش
الاحتلال، امتدادا لهذا المشروع القديم وسردياته.
"أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"
تُعد هذه العبارة من أقدم الشعارات المرتبطة بالمشروع الصهيوني، وقد استُخدمت لتصوير فلسطين كأرض شبه خالية من السكان يحق "لشعب بلا أرض أن يعود إليها"، غير أن الأبحاث التاريخية تشير إلى أن أصل العبارة أقدم من الحركة الصهيونية نفسها.
وبحسب الباحثة ديانا موير، استخدم هذه العبارة سابقا مسيحيون صهاينة بريطانيون منذ عشرينيات القرن التاسع عشر، أي قبل عقود من انطلاق الصهيونية السياسية، وكانت تعني تحديداً غياب "شعب" فلسطيني ذي هوية سياسية موحّدة آنذاك، لا خلوّ الأرض من السكان فعلياً، بحسب مجلة "
ميدل إيست كوارترلي".
بالمقابل، يؤكد مؤرخون ومفكرون فلسطينيون، أبرزهم إدوارد سعيد ورشيد الخالدي، أن العبارة أصبحت لاحقاً شعاراً صهيونياً متداولاً لتبرير محو الوجود الفلسطيني ومَحقه من الرواية الرسمية، بصرف النظر عن أصلها التاريخي الدقيق.
واعترض بعض القادة الصهاينة أنفسهم على مضمون العبارة، فقد كتب روبرت فيلتش، رئيس تحرير صحيفة صهيونية ألمانية بارزة، عام 1925 أن فلسطين "لديها سكان قائمون يبلغون 700 ألف نسمة"، بينما يقدَّر عدد الفلسطينيين الذين طُردوا أو نزحوا عن ديارهم خلال حرب 1948 بنحو 750 إلى 800 ألف نسمة، بحسب مصادر تاريخية متعددة.
"الحق التاريخي"
يعتمد جزء من الخطاب الاستيطاني على مرجعية دينية وتاريخية، أبرز تجلياتها استخدام اسمي "يهودا والسامرة" بدلاً من "الضفة الغربية" في الاستخدامات الرسمية
الإسرائيلية.
ويعد هذا الخيار اللغوي محل جدل سياسي وقانوني حاد؛ فرئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وصف، في تعليقه على رأي محكمة العدل الدولية الاستشاري الصادر في تموز/ يوليو 2024، الفلسطينيين المستوطَن على أرضهم بأن اليهود "ليسوا محتلين في أرضهم"، في إشارة إلى القدس و"يهودا والسامرة"، ووصف قرار المحكمة بأنه "باطل".
في المقابل، خلصت محكمة العدل الدولية، في رأيها الاستشاري الصادر في 19 تموز/ يوليو 2024 بطلب من الجمعية العامة للأمم المتحدة، إلى أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانوني، وأن على "إسرائيل" وقف جميع أنشطة الاستيطان الجديدة وإخلاء المستوطنين وتقديم تعويضات.
ورفضت منظمات يهودية أمريكية بارزة، مثل اللجنة اليهودية الأمريكية (AJC)، هذا الرأي، معتبرة أنه "متحيّز من الناحية الواقعية والقانونية" ويتجاهل "الظروف التاريخية" التي أدت لاحتلال "إسرائيل" الضفة الغربية وشرق القدس عام 1967 في سياق ما وصفته بـ"الدفاع عن النفس".
"القفر يخضر"
تقدّم هذه السردية الاستيطان اليهودي بوصفه "مشروعا حضاريا وتنمويا استصلح أرضا قاحلة أهملها سكانها الأصليون"، غير أن دراسات أكاديمية حديثة تشكك في دقة هذه الصورة.
وفي
رسالة ماجستير أعدّها الباحث وليام دوسيت بالاستناد إلى أرشيفات بريطانية رسمية ووثائق من الجانبين العربي واليهودي خلصت إلى أن سردية "جعل القفر يخضر" غير مكتملة على أفضل تقدير، وأن الارتباط بين الهجرة اليهودية ونمو الإنتاج الزراعي اقتصر عمليا على محصول البرتقال، بينما تعزى زيادات محاصيل أخرى إلى برامج وإصلاحات حكومية بريطانية أكثر منها إلى الاستيطان اليهودي.
وتشير دراسة نُشرت في مجلة "
الدراسات الفلسطينية" إلى أن مساحة الأراضي التي كان يزرعها الفلسطينيون عشية حرب 1948 قُدّرت بنحو 2.99 مليون دونم، وهي مساحة أكبر من مجمل الأراضي المزروعة في "إسرائيل" بعد ثلاثة عقود من قيامها، وأن جزءاً كبيراً من "التوسع" الزراعي الإسرائيلي اللاحق تحقق فعلياً عبر استصلاح أراضٍ كانت مملوكة للاجئين الفلسطينيين.
"الدفاع والأمن القومي"
يربط الخطاب الرسمي الإسرائيلي التوسع الاستيطاني، بشكل شبه دائم، بضرورات أمنية، وهو ما يؤكده تعليق وزير الحرب ورئيس أركان جيش الاحتلال الأسبق بيني غانتس (سياسي حاليا) على رأي محكمة العدل الدولية لعام 2024، إذ اعتبر أن القرار "يضر بالأمن والاستقرار في المنطقة وأن إسرائيل ستواصل الدفاع عن نفسها ضد من يسعون لتدميرها".
واعتبرت محكمة العدل الدولية أن الاحتلال وضع مؤقت يُفترض أن يكون استجابة لضرورة عسكرية، ولا يمكن أن ينقل السيادة على الأرض إلى الدولة المحتلة، وأن استمراره المطوّل لا يغيّر طابعه القانوني، لكنه قد يصبح غير مشروع من زوايا قانونية أخرى.
ورحّبت الجمعية العامة للأمم المتحدة بالرأي الاستشاري بأغلبية 124 دولة في أيلول/ سبتمبر 2024، بينما رفضته الحكومة الإسرائيلية والولايات المتحدة.
الاستيطان البيئي
يُعد التشجير الذي ينفذه الصندوق القومي اليهودي (JNF-KKL) أحد أكثر أدوات السيطرة على الأرض توثيقا، بحسب معهد الدراسات الفلسطينية، تقع أنقاض 182 قرية فلسطينية مدمَّرة (قرابة نصف عدد القرى التي هُجّر سكانها عام 1948) اليوم ضمن حدود محميات ومتنزهات وطنية إسرائيلية، أبرزها غابات الصندوق القومي اليهودي.
ويشير معهد الشرق الأوسط لفهم السياسات، بالاستناد إلى تقرير رفعته "لجنة النقل" الإسرائيلية غير الرسمية إلى رئيس الوزراء دافيد بن غوريون في حزيران/ يونيو 1948، إلى أن هذه اللجنة، التي كان أحد أعضائها مسؤولاً في الصندوق القومي اليهودي، دعت إلى "تدمير القرى قدر الإمكان" أثناء العمليات العسكرية، وأن الصندوق زرع لاحقاً غابات فوق أنقاض هذه القرى لإخفاء آثارها.
وأكد المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه أن غابة "بيرية" في الشمال، وهي أكبر غابة اصطناعية في "إسرائيل" زُرعت استراتيجياً فوق أنقاض ست قرى فلسطينية مختلفة، بحسب ما نقلت مؤسسة "
سلو فاكتوري".
ووثّقت مجلة "
أماكن" الأكاديمية عدة أمثلة إضافية، منها "غابة الشهداء" التي زُرعت فيها ستة ملايين شجرة إحياءً لذكرى ضحايا المحرقة، وتغطي أنقاض خمس قرى فلسطينية مدمَّرة، فضلاً عن اعتراف موظفين سابقين في الصندوق بأن التشجير الاستراتيجي استُخدم "لإخفاء آثار الحياة الفلسطينية عن العين الإسرائيلية اليهودية".
"أملاك الغائبين"
أُقرّ "قانون أملاك الغائبين" الإسرائيلي عام 1950، وطُبّق بأثر رجعي اعتباراً من 29 تشرين الثاني/ نوفمبر 1947. وبحسب منظمة "عدالة" الحقوقية الفلسطينية في "إسرائيل"، كان هذا القانون الأداة القانونية الرئيسية التي استخدمت للسيطرة على أراضي وممتلكات اللاجئين والنازحين الفلسطينيين داخلياً، إذ يضع تعريفاً واسعاً لصفة "الغائب" يشمل كل من غادر مكان إقامته الاعتيادي داخل فلسطين قبل 1 أيلول/ سبتمبر 1948.
ونُقلت هذه الأملاك إلى "حارس أملاك الغائبين"، ثم إلى "سلطة التطوير" التي بِيع جزء كبير منها لاحقاً إلى الصندوق القومي اليهودي.
ويُطبق هذا القانون حصريا على الفلسطينيين، ولم تلتزم السلطات الإسرائيلية حتى بالإطار الزمني الذي حدّدته المادة نفسها، إذ استمر تطبيقه في شرق القدس والضفة الغربية بعد عام 1967، بحسب موقع "
ميدل إيست أي".
واستُخدم إعلان مناطق واسعة في الضفة الغربية والقدس كـ"محميات طبيعية" أو "متنزهات وطنية" أداة لتقييد وصول الفلسطينيين إلى أراضيهم بذريعة الحفاظ البيئي، مع ما يرافق ذلك من قيود على الرعي والبناء والزراعة، بحسب توثيق معهد الدراسات الفلسطينية.
البؤر الاستيطانية
يوثّق تقرير لمنظمة "السلام الآن" الإسرائيلية الحقوقية أن ما يُعرف بـ"شباب التلال" أقاموا نحو 170 بؤرة استيطانية عشوائية بحلول نهاية عام 2020، وتعود جذور هذه الظاهرة إلى خطاب ألقاه رئيس الوزراء الأسبق أرييل شارون عام 1998، دعا فيه المستوطنين إلى "الاستيلاء على المزيد من التلال".
وتُقام هذه البؤر عادة دون تصريح رسمي مسبق، ثم تحصل تدريجياً على حماية الجيش وخدمات البنية التحتية، تمهيداً لـ"تسويتها" قانونياً. وفي عام 2012، صادقت الحكومة الإسرائيلية برئاسة نتنياهو بأثر رجعي على عدد من هذه البؤر، وهو ما وصفته فرنسا في بيان رسمي حينها بأنه "إشارة سلبية للغاية" تتعارض مع "التزامات إسرائيل بموجب خارطة الطريق".
وفي عام 2013، أعلنت الحكومة الإسرائيلية نيتها تقنين أربع بؤر استيطانية إضافية بأثر رجعي، وهو ما اعتبرته منظمة "السلام الآن" آنذاك "صفعة" لجهود وزير الخارجية الأمريكي حينها جون كيري لإحياء المفاوضات.
وكشفت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية عام 2023 أن الصندوق القومي اليهودي قدّم مليون دولار لمنظمات تقدم خدمات دعم وتدريب مهني لـ"شباب التلال" المقيمين في بؤر غير قانونية بموجب القانون الإسرائيلي نفسه.
الطرق الالتفافية والجغرافيا
وثّقت منظمة "بتسيلم" الإسرائيلية الحقوقية أن الفلسطينيين ممنوعون أو مقيّدون من استخدام 41 طريقاً في الضفة الغربية بطول إجمالي يبلغ نحو 732 كيلومتراً، من بينها 17 طريقاً بطول 124 كيلومتراً محظورة عليهم بالكامل.
ويقوم نظام "الطرق الممنوعة" على فرضية عنصرية مفادها أن كل الفلسطينيين يشكّلون "خطرا أمنيا"، وهو ما يخالف حقوقهم الإنسانية والقانون الدولي.
ووثّق تقرير للمجلس النرويجي للاجئين أن السلطات الإسرائيلية تسمّي الطرق التي تحوّل حركة الفلسطينيين بعيداً عن المستوطنين بـ"طرق نسيج الحياة"، بينما تُطلق على الطرق التي تُبعد المستوطنين عن التجمعات الفلسطينية اسم "الطرق الالتفافية"، وأن أحد هذه الطرق، الذي يفصله جدار خرساني في الوسط، بات يُعرف محلياً بـ"طريق الفصل العنصري".
وبحسب "بتسيلم"، يستدعي شق كل 100 كيلومتر من الطرق الالتفافية مصادرة آلاف الدونمات من أراضي الضفة الغربية.
"الآثار"
يشكّل موقع "مدينة داوود" في حي وادي حلوة بسلوان، جنوب المسجد الأقصى، أحد أبرز الأمثلة على تسييس علم الآثار، وتدير هذا الموقع جمعية استيطانية تُدعى "إلعاد"، وقد وثّقت منظمة "إمك شافيه" الإسرائيلية، التي تضم علماء آثار إسرائيليين، أن عدداً من الأنفاق التي حُفرت تحت سلوان نُفّذ بطريقة تخالف، بحسب المنظمة، المعايير الأثرية المتعارف عليها، عبر الحفر الأفقي بدلاً من الرأسي، بما أضرّ بسلامة المباني السكنية فوقها، بحسب مجلة "
972" الإسرائيلية.
وبحسب تقرير لمعهد الدراسات الفلسطينية استند إلى تقرير صادر عن منظمة "إمك شافيه" الإسرائيلية، تضررت نحو 38 وحدة سكنية في وادي حلوة جراء الحفريات، من بينها عشر وحدات أصبحت غير صالحة للسكن.
ويرى الباحث الفلسطيني محمود هواري، أن الدافع الأساسي للحفريات في سلوان ليس "بحثاً علمياً موضوعياً" بل رغبة في "تثبيت رواية توراتية يهودية".
وتؤكد "إمك شافيه" نفسها، على أنها لا تنكر أن الموقع يمثل "النواة الاستيطانية الأصلية" لمدينة القدس القديمة تاريخياً، لكنها تنتقد تحديداً احتكار جهة واحدة ذات أجندة سياسية لإدارة الموقع وتغييب الطبقات التاريخية الأخرى الكنعانية والإسلامية والمسيحية من السردية المقدَّمة للزوار.