ترامب يراهن في إيران على "الألم الاقتصادي".. فهل تتحقق توقعاته؟

ارتفع تضخم أسعار المواد الغذائية في إيران بنحو 130 بالمئة خلال 12 شهرا- جيتي
نشرت شبكة "سي إن إن" تقريرا تناول تفاقم الأزمة الاقتصادية في إيران، في ظل ارتفاع الفقر وديون الأسر، وتفشي التضخم، والبطالة المستترة، وهي أزمة تتكشف على جبهات متعددة إلى حد أن وسائل إعلام رسمية إيرانية باتت تقر بها علنا.

ويبدو أن هذا الواقع الاقتصادي يعزز استراتيجية واشنطن القائمة على ممارسة الضغط الاقتصادي على طهران، إذ أوضح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الأحد، أن إلحاق الألم الاقتصادي بإيران يمثل جزءا من استراتيجية بلاده، قائلا: "نحن لا نجري سوى مفاوضات جزئية مع إيران نحن نكتفي بمراقبة إيران في ظل التضخم الهائل وحقيقة أنها لا تملك المال".

وتشير المؤشرات الاقتصادية الإيرانية إلى أن هذا التقييم يستند إلى واقع شديد الصعوبة، إذ قال أستاذ الاقتصاد بجامعة طهران ألبرت باغزيان إن "اقتصادنا اليوم يشبه مريضاً يعاني من نزيف حاد". وأضاف في تصريحات لوكالة أنباء العمال الإيرانية "إيلنا": "إن إحداث صدمة في أسعار الوقود بمثابة توجيه ضربة قاتلة لمصادر الرزق".

وتأتي هذه التحذيرات في وقت يتراجع فيه دخل الإيرانيين أمام معدلات التضخم، فبحسب الإحصاءات الحكومية، ارتفع معدل تضخم أسعار المواد الغذائية بنحو 130 بالمئة خلال الأشهر الاثني عشر الماضية، بينما لم تتجاوز زيادة أجور العمال ذوي الدخل المنخفض نصف هذه النسبة.

كما حذرت الحكومة مؤخرا من أنها قد تزيد حدة المعاناة من خلال خفض دعم الوقود، في خطوة من شأنها إشعال موجة جديدة من التضخم وربما رفع معدلات البطالة، علماً بأن رفع أسعار الوقود في الماضي أدى إلى اندلاع احتجاجات.

تحذيرات من تجدد الاضطرابات الاجتماعية

ولم تقتصر التداعيات على المؤشرات الاقتصادية، بل امتدت إلى الوضع الاجتماعي، إذ حذر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان مرارا من تبعات انهيار الاقتصاد الإيراني.

وحتى وسائل الإعلام الرسمية أقرت بخطر تجدد الاضطرابات الاجتماعية، حيث ذكرت وكالة الأنباء الرسمية "إرنا" الشهر الماضي أنه طالما استمر التضخم والبطالة وتراجع القوة الشرائية والشعور بعدم المساواة، فإن "الاستياء الاجتماعي سيستمر في إعادة إنتاج نفسه".

وفي ظل هذه الظروف، باتت الديون جزءاً متزايداً من الحياة اليومية للعمال. ووفقاً لوكالة أنباء العمال الإيرانية "إيلنا"، فإن "العمال مثقلون باستمرار بالديون تجاه الجميع وكل شيء". ونقلت الوكالة عن حسين، وهو رجل يبلغ من العمر 35 عاماً ويعيش مع عائلته في طهران، أنه بات يستخدم تطبيقات الائتمان لتغطية تكاليف تنقلاته اليومية أو شراء وجبة صغيرة.

الاقتراض لشراء الغذاء والدواء

وتوضح شهادات العمال حجم الضغوط التي يواجهونها، إذ ذكر عمال آخرون للوكالة أن 40 بالمئة من أجورهم تذهب لسداد الإيجار، بينما تذهب نسبة 40 بالمئة أخرى لسداد أقساط القروض.

كما أفادت الوكالة هذا الشهر بأن "شراء الغذاء والدواء بنظام التقسيط لم يعد دليلاً على الرفاهية، بل أصبح ناقوس خطر ينذر بأزمة حادة"، وفي جوهر الأمر، يلجأ الناس إلى تأجيل مواجهة مشاكلهم المالية إلى وقت لاحق.

ومن بين هؤلاء، قال محرر يعمل بدوام جزئي في طهران ويبلغ من العمر 29 عاما للوكالة إنه يستخدم عشرات التطبيقات الخاصة بالقروض الصغيرة "لأنه لا يملك القدرة المالية على الدفع دفعة واحدة".

وأشارت الوكالة كذلك إلى أن استخدام تطبيقات الائتمان يتزايد بين الطلاب الذين يواجهون "آفاقا وظيفية غير واضحة ودخلا غير مستقر".


ولا يخلو هذا النمط من الاقتراض من أعباء إضافية، إذ يواجه مستخدمو هذه التطبيقات غرامات ورسومًا إضافية في حال عدم الالتزام بمواعيد السداد.

وتتراكم هذه الأعباء بصورة تزيد القلق لدى المقترضين، إذ قال حسين للوكالة: "تتراكم هذه الغرامات باستمرار؛ فالخوف من نفاد المال والتخلف عن سداد الأقساط يمثل عذاباً حقيقياً للإنسان".

عمال يركزون على "البقاء على قيد الحياة"

وفي الوقت نفسه، يعاني سوق العمل من ضعف هائل تزيد صعوبة الالتزام بسداد الديون، إذ يعمل العديد من الإيرانيين بموجب عقود مؤقتة أو يتنقلون بين فترات عمل وانقطاع عنه، مما يقلل من احتمالية قدرتهم على الالتزام بجدول السداد.

كما أن قلة منهم يتمتعون بتأمين صحي، ويمكن لأي مشكلة طبية أن تستنزف دخلهم بالكامل، وفقا لعمال تحدثوا إلى الوكالة.

ومع ارتفاع تكاليف السكن، اضطر آلاف الإيرانيين أيضاً إلى الانتقال للعيش في مناطق أرخص تقع عند أطراف المدن. وتضاعفت تكاليف البناء السكني خلال العام الماضي، وفقاً للبيانات الرسمية، وهو ما ينعكس بدوره على سوق الإيجارات. وحاولت بعض السلطات المحلية وضع سقف لزيادات الإيجارات، لتصل إلى 27% في محافظة طهران، إلا أن هذه القيود غالباً ما يتم تجاهلها أو تجاوزها.

وفي السياق ذاته، أفادت وكالة أنباء "إيسنا" شبه الرسمية بأن "الإيجارات تواصل الارتفاع، وتكاليف البناء شهدت قفزة كبيرة، والقدرة الشرائية تراجعت، بينما لا تزال حركة المعاملات العقارية تشهد ركودا".

وتنعكس الأزمة بصورة خاصة على العمال الذين يقولون إن الحكومة تناستهم في خضم الحرب. وقال حسن عزتي، رئيس نقابة عمال البناء في مدينة "بانه": "نُسي العمال الإيرانيون - وعمال البناء على وجه الخصوص - وتُركوا بلا حماية يواجهون القدر"، مضيفاً: "تتركز جهودهم على أمر واحد لا غير: البقاء على قيد الحياة".

وقدّر عزتي أن نصف القوى العاملة في قطاع البناء في مدينة "بانه" لم يكن لديهم تأمين صحي، مشيراً إلى أن اليأس بلغ ببعضهم حداً دفعهم للعمل كـ"كولبار" (حمالين عبر الحدود)، وهي مهنة تنطوي على التهريب عبر حدود إيران، وأحياناً عبر حقول ألغام خلفتها الحرب الإيرانية العراقية التي استمرت عقداً من الزمان في ثمانينيات القرن الماضي.

انكماش اقتصادي يهدد الثروة وسبل العيش

وعلى مستوى الاقتصاد الوطني، توقع صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد الإيراني بنسبة 6% هذا العام، ويعزى ذلك في المقام الأول إلى فقدان الإنتاج والأضرار المادية الناجمة عن الصراع.

ويمثل هذا الرقم، على مستوى الاقتصاد الوطني، دماراً هائلاً للثروة وسبل العيش، وحتى في حال التوصل إلى تسوية سريعة للصراع مع الولايات المتحدة، فإن الأمر سيستغرق أشهراً قبل أن ينعكس ذلك إيجاباً على المشهد الاقتصادي، وفقاً لتقديرات المحللين.


وفي المقابل، يمكن لطهران أن تحصل على "ما يصل إلى 20 مليار دولار من الأصول المجمدة، و8 مليارات دولار سنوياً من ترخيص أمريكي لبيع النفط، وما بين 5 إلى 10 مليارات دولار سنويا من رسوم المرور عبر مضيق هرمز"، بحسب مجموعة أوراسيا البحثية. إلا أن المجموعة أضافت أن "كل مصدر من مصادر الإيرادات هذه ينطوي على خطر جسيم يتمثل في إمكانية قيام واشنطن بقطعه، كما فعلت من قبل".

وتبدو هذه الموارد المالية المحتملة محدودة في قدرتها على معالجة الأزمة الأوسع، إذ خلصت مجموعة "أوراسيا" إلى أن "عائدات أي اتفاق قد تخفف الضغوط المالية، لكنها لن تعالج بشكل كامل المظالم الاقتصادية العميقة لدى عامة الشعب؛ وبالتالي، ستظل السيطرة السياسية معتمدة على القوة".

ترامب يراهن على الضغط الاقتصادي

وفي هذا الإطار، يبدو أن إدارة ترامب قد ترى في اليأس الاقتصادي أداة أكثر فاعلية لإجبار إيران على تقديم تنازلات مقارنة بالصواريخ والقنابل.

ومع استمرار المفاوضات بشأن مضيق هرمز لفترة طويلة، يبدو أن البيت الأبيض يعتقد أن الوقت، إلى جانب تدهور الاقتصاد الإيراني، يصبان في مصلحته.

وقد قال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت الأسبوع الماضي إن نفوذ إيران في مضيق هرمز سيتآكل بمرور الوقت، مع قيام دول أخرى بإنشاء خطوط أنابيب لتجنب هذا الممر الحيوي الضيق، كما يقول وزير المالية الإسرائيلي اليميني المتشدد، بتسلئيل سموتريتش، إن تدمير الاقتصاد الإيراني يمثل "السبيل الأكثر فاعلية للإطاحة بالنظام".

وتتمتع الولايات المتحدة بنفوذ اقتصادي هائل على إيران من خلال العقوبات والقدرة على منع أو تقييد الإفراج عن أصولها المجمدة في الخارج.

وتظهر الميزانية المعلنة لـ2026 بالفعل خفضا في الإنفاق الحقيقي بنسبة 38 بالمئة.

النفط.. نقطة مضيئة مهددة بالحصار

أما نقطة الضوء في الاقتصاد الإيراني، أو هكذا كانت على الأقل، فتتمثل في صادرات النفط؛ إذ استهدفت ميزانية هذا العام تصدير 1.77 مليون برميل يوميا بسعر 55 دولارا للبرميل، وبلغ متوسط الصادرات 1.6 مليون برميل يوميا حتى الآن، ولكن بأسعار تتراوح في أوائل نطاق الثمانينيات من الدولارات، غير أن هذا الجانب الإيجابي قد لا يدوم طويلا مع اشتداد وطأة الحصار البحري الأمريكي، إذ لم يتم تصدير أي نفط من جزيرة "خرج" منذ نهاية تموز/ يوليو، وفقا لبيانات الشحن.

وتلخص المفارقة التي يعيشها الاقتصاد الإيراني كلمات الناشط العمالي حسن عزتي، الذي قال لوكالة أنباء العمال: "في بلد غني بالموارد الطبيعية، سواء السطحية أو الجوفية، تظل قصة حياة العمال بمثابة سجل لا ينتهي من المعاناة".