تحدث مسؤول عسكري لدى جيش الاحتلال
الإسرائيلي عن تفاصيل بشأن طريقة التعامل مع أنفاق
حزب الله الاستراتيجية التي عُثر عليها وكيفية تدميرها، وبعض تفاصيل المعركة التي تدور في أعماق الأرض.
وأوضح قائد السرية الهندسية الخاصة "س-2" التابعة لوحدة "يهلوم" بجيش الاحتلال، المقدم "د"، في مقابلة مع موقع "
وللا" العبري، قائلاً إن "لحظة العثور على النفق تشبه العروس في يوم زفافها، فعندما أصبت النفق بدقة في بلدة مجدل زون جنوب
لبنان، صرخنا جميعاً من شدة الفرح، لقد أمضينا خمسة أيام كاملة نبحث عن هذا النفق".
عملية معقدة
وأضاف: "بعد لحظات فقط بدأت المرحلة الثانية، وهي مرحلة لا تقل تعقيداً وصعوبة، لقد كان هذا نفقاً بالغ الأهمية، نفقاً مذهلاً بتصميم إيراني، ارتفاعه 3 أمتار وعرضه 3 أمتار ونصف، واسع ومريح؛ سواء من سهولة التنفس داخله أو سهولة الوصول إليه".
وكانت السرية "س-2" في السابق متخصصة في إبطال مفعول القنابل، وتحولت منذ السابع من أكتوبر إلى وحدة متخصصة في اكتشاف الأنفاق الاستراتيجية ورسم خرائطها وتدميرها في قطاع غزة وجنوب لبنان.
ونبه قائد السرية "س-2" إلى أنه "لا يتم الدخول إلى النفق عبر مدخله الأصلي، إذ يحتمل أن يكون قد جرى تفخيخه، كما أن مداخل الأنفاق في بعض الحالات كانت قد تعرضت للقصف من قبل سلاح الجو".
وقال: "في هذه الحالة كان ارتفاع أرضية النفق متراً واحداً، وكانت مغطاة بالكامل بالفولاذ نتيجة غارة نفذها سلاح الجو قبل أكثر من عام، فقد سقط جزء من الفولاذ من السقف والجدران، وكان علينا إزالة كل ذلك حتى نتمكن من الدخول، وبعد ذلك كان علينا التعامل أثناء التقدم داخل النفق مع 4 أبواب واقية من الانفجارات، يزن كل واحد منها ما بين 5-7 أطنان، وكان علينا تنفيذ عملية لإزالة هذه الأبواب الثقيلة حتى نتمكن من تأمين الوصول إلى بقية أجزاء النفق".
ولم يتوسع "د" في شرح الكيفية التي أُزيلت بها أبواب الحماية الثقيلة من داخل النفق، لكنه أشار إلى أنه "جرى استخدام طريقة خاصة لهذه العملية، بما في ذلك معدات هندسية ميكانيكية صغيرة، استُخدمت بعيداً عن الحدود اللبنانية، وتحت سطح الأرض، أما في أنفاق أخرى أصغر حجماً، فقد اضطر عناصر الوحدة إلى التقدم وهم في وضعية الانحناء، وفي ظروف أكثر تعقيداً".
ولفت إلى أنه "يتم تمشيط الأنفاق وتطهيرها، وبعد استكمال هذه العملية، تبدأ مرحلة لا تُنسى، وهي تمثل الانتقال الحاد من مشاعر الفرح إلى أكثر لحظات العملية قسوة، حيث ترى الطعام منتهي الصلاحية والمياه، ومن ثم تجد قوارير البول، ويمكنك أن تتخيل الأمر كما لو أنك تدخل قبراً، حينها قد يفقد الإنسان صوابه".
وتابع: "بعد التأكد من خلو مسارات النفق من المسلحين والعبوات الناسفة، يدخل جميع العناصر في هذه المرحلة وهم يرتدون أقنعة واقية على وجوههم وبدلات بيضاء، لأن هذه الأنفاق تحتوي على مواد مختلفة قد تُلحق الضرر بالجلد أو بالجهاز التنفسي".
وأضاف: "إلى جانب ما يجري في أعماق الأرض، تُنشر فوق سطحها واحدة من أكثر شبكات الحماية العملياتية حساسية خلال العملية، وهو فريق الإنقاذ والإخلاء الخاص بوحدة "يهلوم"، الذي يبقى في حالة استعداد طوال مدة المهمة لأي سيناريو طارئ أو لأي حاجة إلى إخلاء فوري من أعماق النفق".
لحظات مذهلة
وأفاد أن الفريق "متخصص ليس فقط في القتال تحت الأرض، بل أيضاً في وسائل التسلق، والهبوط بالحبال، وعمليات الإنقاذ، مستخدماً حبالاً خاصة ورافعات، وعناصر وحدتنا لا يقتصر دورهم على التفجير الهندسي وإبطال القنابل وتشغيل الروبوتات والطائرات المسيّرة، بل يحسبون رياضياً وزن العنصر، ويحددون ما ينبغي فعله تبعاً لذلك من أجل إنقاذه، فالأمر ليس مجرد تخمين أو ارتجال، بل هو مسؤولية ثقيلة، ومشاهدة مناورة إخلاء أحد المقاتلين من داخل النفق بأم العين أمر مذهل بحق"، بحسب تعبيره.
ونوه الضابط الإسرائيلي بأنه "عند الانتهاء من رسم خريطة النفق وتمشيطه، تأتي اللحظة الحاسمة في العملية وهي تدمير النفق، وتُعد هذه المرحلة تحدياً هندسياً وعملياتياً بالغ التعقيد، إذ تتطلب نقل مئات الأطنان من المواد المتفجرة إلى عمق المنطقة، في وقت يكون فيه عناصرنا عرضة لتهديدات الصواريخ المضادة للدروع، والطائرات المسيّرة، وأعين عناصر حزب الله الذين يراقبون المنطقة".
وأردف قائلاً: "في هذه الحرب، لم يعد عناصر "س-2" مجرد وحدة هندسية، بل تحولوا إلى مختبر حي للقتال تحت الأرض، يمتلك لغته الخاصة ومراكز خبرة متخصصة في رسم خرائط شبكات الأنفاق المعقدة".
وبين الضابط الإسرائيلي أنه "لا ينظر لأنفاق حزب الله على أنها عنصر هندسي منفرد، بل باعتبارها منظومة متكاملة من الأصول، النفق الذي عثرنا عليه في بلدة مجدل زون كان مساره يمتد لمسافة 538 متراً وتم تدميره، لقد كان أصلاً استراتيجياً تخزن فيه وسائل قتالية، لقد ضم ورشة لتجميع الطائرات المسيّرة، فهذه هي استراتيجيتهم؛ الفصل بين الأصول الموجودة تحت الأرض".
وحول شبكة
أنفاق حزب الله، أكد الضابط الإسرائيلي أنها "واسعة ومتنوعة؛ هناك أنفاق حُفرت داخل الجبال وتمتد لعدة كيلومترات، بعضها يُستخدم كمراكز قيادة وسيطرة تُجمع فيها الصور القادمة من الكاميرات المنتشرة فوق سطح الأرض، والتي يدير حزب الله من خلالها عملياته القتالية ضدنا، وهناك أنفاق أخرى تُستخدم كنقاط إطلاق سريعة، فيما خُصصت أخرى لأغراض المراقبة والاستطلاع".
كما لفت إلى أن "القاسم المشترك بين جميع هذه الأنفاق أنها صُممت لتكون أماكن إقامة طويلة الأمد، فجميعها مبنية كمواقع مهيأة للإقامة لفترات طويلة، وتحتوي على أسرّة، وفرشات، وإمدادات غذائية يكفي بعضها لأشهر، بدءاً من التمور وحتى المعلبات، هناك تقريباً كل شيء: خزانات مياه، وبنية تحتية للكهرباء، ومولدات، وحتى ألواح شمسية، وداخل هذا العالم توجد أكثر أصولهم قيمة، وبعضها يتموضع في مناطق مرتفعة تشرف على مناطقنا".
حرب تحت الأرض
ونبّه "د" إلى أن "حزب الله كان يتفاعل مع نشاط قوات الاحتلال الإسرائيلية بصورة فورية، قائلاً: "لقد رأينا أنفاقاً غُيِّر استخدامها من وظيفة إلى أخرى، إنهم يديرون حرباً تحت الأرض، فالأنفاق ليست مجرد ملاجئ، بل تُستخدم كنقاط لإطلاق الصواريخ، والصواريخ المضادة للدروع، والطائرات المسيّرة، والطائرات غير المأهولة، ولهذا فإن معظم الأنفاق التي اكتشفناها تحتوي على عدة فتحات، ولكل فتحة منها وظيفة عملياتية مختلفة".
واعترف بأن "حزب الله سارع إلى إخلاء بعض الأنفاق من الأسلحة بمجرد إدراكه أن القوات الإسرائيلية في طريقها إليه، زاعماً أن وحدته عثرت في أحد الأنفاق على 8 أطنان من العبوات الناسفة وخمسين طائرة مسيّرة، واستدللنا من ذلك في البحث والدراسة".
وفيما يتعلق ببنية شبكة الأنفاق، أوضح الضابط أنها "ليست شبكة متصلة كما كان يُعتقد في بداية العملية البرية، بل إن الأنفاق متقطعة، وهذا يحمل منطقاً عملياتياً؛ فالعثور على مسار واحد لا يعني بالضرورة كشف المسار الآخر، ورغم أن ذلك يمنحهم ميزة معينة، فإنني مقتنع بأن هدفهم الاستراتيجي يتمثل في إنشاء شبكة واحدة كبيرة ومتكاملة تكون، من وجهة نظرهم، أكثر قدرة على الصمود أمام الضربات الجوية".
وقال: "من وجهة نظرنا، يشكل كل نفق من هذه الأنفاق، وكل أصل من هذه الأصول، ساحة قتال متكاملة تتيح لهم مهاجمة مناطقنا، أو مراقبة واستهداف محاور الدخول من دولة الاحتلال إلى لبنان، أو طرق الصعود إلى المرتفعات اللبنانية، لقد شيدوا هذه المنشآت وفق منطق يضمن السيطرة على المنطقة، أما الآن فنحن هنا ونجلس فعلياً على مركزها العصبي"، بحسب وصفه.
واعتبر "د" أن "لكل نفق لغزاً، والقدرة على العثور عليه تعتمد على طبقات متعددة من المعلومات: تفتيش، وجولات استطلاع باستخدام الطائرات المسيّرة، وأحياناً نعتمد على التمشيط الميداني سيراً على الأقدام، وهناك لحظات نربط فيها بين عدد كبير من المعطيات، مثل تاريخ المنطقة، وتحركات العناصر، وأي تفصيل غير اعتيادي، هي بالفعل عملية دقيقة وشاقة، أما اليوم فقد أصبحت أدواتنا أكثر تطوراً بكثير، ونحصل على وسائل لا تتوفر حتى لكتيبة عادية، ونعتمد على قدرات توفرها الفرق العسكرية".
وبين أن "تدمير الأنفاق لا يقتصر على تنفيذ تفجيرات موضعية، بل يعد جزءاً من جهد استراتيجي أوسع ينفذه الجيش الإسرائيلي بهدف تحييد التفوق الذي بناه الإيرانيون وحزب الله في المجال تحت الأرض منذ عام 2006"، زاعماً أن "هذه الأنفاق تحولت بالنسبة إلى حزب الله، خلال أشهر قليلة، إلى مصائد للموت".
وعبر عن أمله أن يُسمح لهم بـ"مواصلة التقدم إلى الأمام (في عمق لبنان)، إلى أبعد مدى ممكن"، من أجل العثور على المزيد من أنفاق حزب الله، مضيفاً في ختام حديثه لـ"وللا": "نحن نعيش لحظة استثنائية، لا توقفونا، فالإنجاز الحقيقي سيتحدد في النهاية، وسيقاس بمدى قدرتنا على إطفاء مفاتيح تشغيل منظومتهم بالكامل"، بحسب اعتقاده.