بعد اعتقال السلطات الأمنية
المصرية للصيدلي الشاب عمرو هيكل، وزوجته
الدكتور دينا عبدالرحمن، من مسكنهما بمدينة القناطر الخيرية (شمال القاهرة) عام
2020، ظهر الزوج الجمعة الماضية، ولكن كجثة في كفن أبيض تمت دفنها ليلا وسط
تعليمات أمنية مشددة بعدم معاينة جثمانه أو إقامة سرادق للعزاء.
ووفق مصادر لـ"عربي21"، وأخرى حقوقية، فقد أبلغت السلطات الأمنية
أسرته باستلام جثمانه بعد نقله من إحدى المستشفيات حيث كان يقبع بسجن
"العاشر من رمضان"، عقب 6 سنوات من الاختفاء القسري لم تعرف فيها
عائلته عنه شيئا، ولم يُسجل اسمه بأي سجن مصري، بحسب الحقوقي عبدالرحمن البدراوي.
وداع صامت
ومساء الجمعة الماضية، أعلن شقيقه طبيب القلب محمد هيكل، عبر صفحة
بـ"فيسبوك"، وفاة شقيقه الأصغر الدكتور عمرو عبدالنبي هيكل، دون أن
يشير إلى أية تفاصيل حول أسباب الوفاة، ولا مكانها، ولم يشير إلى أزمة اعتقال
شقيقه وزوجته، أو إخفاءه قسريا.
فقط أكد وقبل نحو ساعة من دفن شقيقه، على أن صلاة الجنازة، ستقام في مصلى
مقابر "جزيرة الشعير"، التابعة لمركز القناطر الخيرية، وأن الدفن بمقابر
العائلة منتصف ليل الجمعة، مشددا على أن العزاء قاصر على تشييع الجنازة وأنه لا
عزاء بالمنزل.
وأشار إلى أنه عاش مع أخيه الأصغر "ذكريات الطفولة والصبا
والشباب"، مضيفا: "وكنت أظن أننا سنعيش سويا سنوات الكهولة والشيب،
ولكن قضاء الله نافذ"، دون أن يوضح سبب حرمانه من شقيقه فيما لم تشر تعليقات
أكثر من 2600 معز حتى كتابة هذه السطور، إلى ما تعرض له الصيدلي من اعتقال ولا
إلى أزمة زوجته.
من البيت إلى القبر
"عربي21"، تحدثت إلى أحد المقربين من الراحل الدكتور عمرو هيكل،
وأكد أن "عمره 37 عاما، ومن مواليد القناطر الخيرية 9 أيلول/سبتمبر 1979،
وخريج كلية الصيدلة جامعة الأزهر، ومتزوج من الطبيبة الصيدلانية دينا عبدالرحمن،
من الإسكندرية، ولديه 3 أبناء: ولدين وبنت، أعمارهم الآن 13 عاما للبنت الكبرى
والأبناء تقريبا 11 و7 أعوام، الآن، وكانوا وقت الاعتقال أطفالا في سن 7 و 5
ورضيعا أقل من عام".
أوضح المتحدث الذي فضل عدم ذكر اسمه، أنه "تمت مداهمة منزل أسرة
عمرو، بجزيرة الشعير بالقناطر الخيرية محافظة القليوبية 24 حزيران/يونيو 2020،
بقوة أمنية كبيرة أغلقت الحي، وبحسب شهود العيان، تم اقتياد الزوج والزوجة
(والرضيع مع والدته)، ثم تمت إعادته للجد لاحقا بعد مدة".
وبين أنه "بعد أقل من شهر من اعتقاله الدكتور عمرو، تمت مداهمة المنزل
مرة أخرى بقوة كبيرة أيضا، وتم مصادرة مبالغ كبيرة، ومشغولات ذهبية، وجميع
الإلكترونيات والحواسيب والهواتف وأيضا تم أخذ سيارته الخاصة نوع (كيا سيراتو)
وكانت جديدة لم يكمل أقساطها".
وتابع: "تمت مداهمة الصيدلية أيضا، والتحفظ على الأموال بداخلها، ولك
أن تتخيل كم تم نهبه من أدوية بالصيدلية، خاصة أدوية الجدول (المخدرات)
والمنشطات الجنسية جميعها؛ مع اعتقال 3 عاملين بالصيدلية خرج منهم واحد بعد شهر،
ولا يزال اثنان حتى الآن رهن الاعتقال، وهم: أحمد عبدالمنعم حسبو، ومحمد عاطف
حسبو، وهم أبناء عمومة من نفس المنطقة جزيرة الشعير".
مفارقة الأسرة
وأشار إلى أن "اللافت في الأمر أن "عائلته قررت عدم نشر الأمر
إعلاميا، طيلة هذه المدة، في محاولات منها لعدم تصعيد الأمور، وعندما نشر مقربون
من الدكتور عنه، أصرت الأسرة على منع النشر بحجة أن ذلك يضر بمسار الإفراج
القريب عنه، لكن يبدو أنهم تعرضوا لضغوط أمنية كبيرة".
وأوضح أن "والد الدكتور عمرو، وشقيقه الأكبر الطبيب محمد، وأغلب عائلة
(هيكل) الكبيرة في القناطر من الداعمين لرئيس النظام عبدالفتاح السيسي، وانقلاب
30 يونيو 2013".
وبين أنه رغم ذلك "لم يجرؤ أحد منهم على ذكر اسم عمرو أبدا طوال 6
سنوات، في أي مكان أو محفل أو إثارة الموضوع، حتى ظن البعض أنهم تبرأوا منه،
فوالده شخصية معروفة وشقيقه له اسم كبير في مجال الطب ويمتلك مراكز لعلاج
القلب".
مصير الزوج والزوجة؟
وحول ما لديه من معلومات حول الزوجة، قال إن "الدكتورة دينا، ظهرت في
سجن القناطر الخيرية، وعلمنا أنها كانت قبلها بسجن العاشر من رمضان، وظلت بسجن
القناطر حتى تم إخلاؤه، فأعادوها لسجن العاشر وهي به حتى الآن، وفي زيارة لها
بسجن القناطر، بدا عليها الاضطراب وعدم الاتزان والتزام الصمت".
وجزم بأن "عمرو هيكل، لم يظهر أبدا بعد اعتقاله ولا زوجته، في أي مركز
شرطة أو مقر أمن وطني أو مكان احتجاز أو سجن، واختفت أخبارهم، بشكل تام".
وأكد أنه "لم يره أحد حتى عام 2024، حين ظهر اسمه بالقضية (رقم ٢١٤٥
لسنة ٢٠٢٣)، حصر مودع (سجن العاشر ٢)، لكن أيضا لم يظهر أو يستطع أحد رؤيته،
وبتتبع القضية وُجد أنه حدد لها يوم 4 أيلول/سبتمبر 2024، ومع ذلك لم يظهر فيها
أبدا لا حضوريا ولا من خلال العرض عبر الفيديو عن بعد، وقالت السلطات: تعذر حضوره
لأنه بالمستشفى".
وبين أن "عمرو، لم يواجه أي تحقيق مع ضابط أو نيابة أو قاضي أبدا، ولم
يتمكن أحد من زيارته، وعند محاولات زيارته في السجن لرؤيته كان يطلب من الزوار
ترك الزيارة في الإمانات والمغادرة، ومنذ ذلك الحين لم يكن هناك أية أخبار أخرى
عنه".
وداع خال لكفن شبه فارغ
وعن المشهد الأخير، قال: "علمنا بتجهيز مقابر العائلة فجر يوم 10
حزيران/يوليو الجاري، حيث ظهر والده ومعه 2 من أمناء الشرطة قرب المقبرة، وعلمنا
بوفاة الدكتور عمرو، وأنه تم تبليغ العائلة لاستلام الجثمان من مشرحة مستشفى
الزقازيق العام، بمحافظة الشرقية".
وأضاف: "تم تأخير استلام الجثمان حتى الليل، ولم يصل إلى القناطر حتى
الساعة الواحدة والنصف صباحا، وتمت الصلاة عليه في مسجد المقابر، مع منع العزاء
بعدها، أو إقامة أي عزاء بمنزل العائلة، كما أعلن والده وشقيقه ذلك".
ولفت إلى حجم ما طال الطبيب المصري خلال السنوات الستة الماضية من ألم،
مبينا أن "من حملوا النعش قالوا إن النعش كان فارغا، وقال إن الكفن كأنه
هيكل عظمى رفعه اثنين بيد واحدة لكل منهم، كما منعت العائلة من معاينة
الجثمان".
ما سر التنكيل به؟
وحول شخصية الصيدلي الراحل، وأسباب اعتقاله وزوجته والتنكيل به، أكد المتحدث
لـ"عربي21"، أنه "شخصية هادئة ودودة وصاحب خلق طيب ومحبوب من أهله
ومنطقته ومشهود له بالأخلاق الحسنة ومساعدة الجميع؛ لذلك تعجب الأهالي من
اعتقاله، كونه ليس له انتماء سياسي أو ديني وكذلك زوجته، فقط شاب ملتزم يحافظ على
صلاة المسجد".
ولفت إلى أنه "شارك في ثورة 25 يناير 2011، وكان من المشاركين
بفعاليات تنموية بعد يناير، ولم يبخل بجهد لدعم الأهالي، ودعم مسار التحول
الديمقراطي دون أي انتماء حزبي".
ويرى أن "سبب اعتقاله كان المساهمة في رعاية أسر
المعتقلين وذويهم
والسؤال عن أحوالهم؛ خاصة مع اعتقال العديد من جيرانه ومن منطقته"، مبينا أن
"كثيرا ممن كان يساعد المعتقلين اختفوا وتركوا القناطر نتيجة المطاردة،
لذلك يبدو أنه تم اتهامه في قضية تمويل إرهاب وانضمام لجماعة محظورة
والتخابر".
وأشار إلى أن "عمرو، كانت له قوة في الحق وعدم خضوعه للظلم، ولم يوافق
على مسار الانقلاب؛ وكان الوحيد الذي عارض الانقلاب العسكري 3 تموز/يوليو
2013"، معتقدا أنه "لم يتجاوب مع الأمن في التحقيقات، وكان شديد
الصلابة، ولم يأت على ذكر أحد".
وختم بالقول: "عندى يقين بتعرض عمرو للتعذيب الشديد والقاسي طوال تلك
السنوات، وأن ذلك أحد أسباب مقتله، ونحسبه شهيدا"، داعيا لحملة حقوقية
تطالب بإخلاء سبيل زوجته الدكتورة دينا، لرعايتها صحيا ونفسيا وإلحاقها بأبنائها
الثلاثة.
والسبت، أكدت منظمات "عدالة لحقوق الإنسان"، و"جوار"
و"هيومن رايتس إيجيبت"، على صحة واقعة الوفاة، داعية للتحقيق في
الواقعة وإخلاء سبيل زوجته فاقدة النطق والإدراك، إثر تعرضها للإيذاء البدني
والنفسي.
دعوة لإنقاذ المعتقلين
وقال حقوقي مصري، لـ"عربي": "جاء الإعلان عن وفاة الصيدلي
الشاب، في ظروف احتجاز قاسية، ليجدد المطالبات الحقوقية للسلطات المصرية بضرورة
التوقف عن الانتهاكات الجسيمة بحق المواطنين والمعتقلين السياسيين، ومحاسبة
المتورطين في هذه الجرائم التي صنفتها المعاهدات والمواثيق الدولية على أنها
انتهاكات وجرائم ضد الإنسانية".
وأكد لـ"عربي21"، أنه "حتى الآن، وعلى الرغم من مرور ست
سنوات على اعتقال هيكل وزوجته وطفلهما الصغير، قبل أن يُسلَّم الطفل لاحقًا إلى
أحد أقاربه، لا تزال المعلومات المتوفرة قليلة للغاية، ولم نتمكن، نحن أو غيرنا،
من توثيق ملابسات اعتقاله وإخفائه ووفاته بصورة كاملة ودقيقة، كما لم نتمكن من
معرفة أسباب وفاته أو الظروف التي سبقتها، ولا حتى من معرفة مكان
احتجازه".
وقال إن "اعتقال هيكل، وإخفائه قسرًا ثم وفاته يمثل نموذجًا متكررًا
لانتهاكات تتكرر اليوم، وقد تستمر في التكرار مستقبلًا ما دام العدل والشفافية
وسيادة القانون غائبة، ما يمثل جريمة مكتملة الأركان، تشارك فيها أطراف متعددة،
من جهات تنفيذية ونيابية وقضائية، في ظل غياب تام للرقابة والمساءلة
والمحاسبة".
نموذج لمعاناة الآلاف
وأحدثت واقعة وفاة الصيدلي المصري، ودفنه ليلا دون عزاء أو الاطلاع على
جثمانه، إلى جانب ما أثير عن حالة زوجته الصحية والعقلية إثر ما تعرضت له من
تنكيل واعتداء بدني وصل حد الاغتصاب في بعض الروايات، غضبا واسعا عبر مواقع
التواصل الاجتماعي.
وأكد متابعون أن ما جرى بحق أسرة عمرو هيكل ليس حالة فردية ولكنه جرى
ويجري بحق أكثر من 60 ألف معتقل وأسرهم مدة 13 عاما في استمرار لجرائم رئيس
النظام عبدالفتاح السيسي، ومع غياب العدالة ودولة القانون والإفلات من العقاب
والصمت الدولي، وانشغال المصريين بأزماتهم المعيشية.
ووصف البعض قصة الصيدلي المصري وزوجته من "اختطاف، واغتصاب، وتصفية
بطيئة داخل الزنازين بأنه يفوق كل الخطوط الحمراء"، وأنها "تلخص معاناة
آلاف العائلات التي تُسحق خلف القضبان دون رادع أو قانون"، مشيرين إلى أن
"استمرار سياسة القمع والتنكيل لن يورث إلا الغضب".
سرية الاعتقال والتصفية والدفن
وعن حالات مشابهة، لما جرى للطبيب المصري، قال الحقوقي والإعلامي هيثم
أبوخليل: "للأسف ليس لدينا كحقوقيين وسيلة لمعرفة عدد من تم تعرضهم لمثل
تلك الجرائم"، مبينا أن "السلطات الأمنية تقوم بالاعتقال والاخفاء
القسري، وقد تكون تمت تصفية بعضهم أو وفاتهم جراء الانتهاكات والتعذيب، وتمت
تسليم جثثهم لأسرهم في سرية مع أوامر بعدم الإفصاح عن الواقعة".
وألمح في حديثه لـ"عربي21"، إلى احتمال أن يكون "هناك من تم
التخلص من جثثهم من المختفين قسرا دون تسليمها لذويهم، وذلك في ظل وجود الكثير من
حالات الاختفاء القسري غير معروف مصير أصحابها".
وكشفت سلسلة توثيق "الشبكة المصرية لحقوق الإنسان" التي توقف
نشاطها الحقوقي من لندن بسبب ضغوط أمنية، عن وجود 48 طالبا بين المختفين قسريا، مشيرة للعديد من
الأسماء، بينهم البرلماني مصطفى النجار المختفي منذ 28 أيلول/سبتمبر 2018، والذي
أعلن المذيع المقرب من السلطات الأمنية المصرية محمد الباز، أنه تمت تصفيته على
الحدود المصرية.
وكذلك عمرو متولي الذي اختفي 8 تموز/يوليو 2013، في أحداث "مذبحة
الحرس الجمهوري"، والذي اعتقل والده الحقوقي إبراهيم متولي، خلال رحلة
البحث عن نجله، حتى اليوم.
ومن أسماء المختفين قسريا: أحمد العدوي (2016)، وكريم عبدالستار (2017)،
أبوبكر السنهوتي (2017)، وجبر رضوان (2017)، وعبدالعظيم فودة (2018)، ومحمود
غنام (2018)، وأحمد شاكر (2018)، وعمرو محمد (2019)، ووصال محمد حمدان (2019)،
وعمر شوشة (2019)، وعبد الرحمن الزهيري (2019)، ومعتصم حسين (2019)، وعبدالرحمن
مختار (2019)، ومصطفى يسري (2019).