تكشف التفاهمات الجارية بين واشنطن وطهران عما وُصف بمفارقة سياسية واقتصادية معقدة، حيث يُتوقع أن يكون "
الحرس الثوري الإيراني" -القوة العسكرية التي تصنفها الولايات المتحدة كمنظمة "إرهابية"- المستفيد الأكبر من ثمار السلام المالي المرتقب.
ولسنوات طويلة، بنى الحرس الثوري الإيراني في ظل
العقوبات إمبراطورية تجارية مترامية الأطراف تمتد من قطاعي النفط والبناء إلى الشحن والاتصالات والموانئ، وفق تحليل لوكالة "
رويترز".
واليوم، مع استعداد طهران وواشنطن لإجراء محادثات حول اتفاق لإنهاء الحرب قد يفتح الباب أمام تدفق مليارات الدولارات إلى إيران ويعيد فتح اقتصادها أمام الاستثمارات العالمية، فإن هذه القوة النخبوية تستعد لتكون واحدة من أكبر المستفيدين.
وبحسب التقرير الذي أعده كل من باريسا حافظي وأنجوس ماكدويل، اعتبرت أربعة مصادر إيرانية كبيرة أن "الحرس الثوري في وضع فريد يتيح له الحصول على حصة كبيرة من أي مكاسب مالية قد تنجم عن رفع العقوبات، واستئناف صادرات النفط، والاستثمار الأجنبي".
ورغم هذا، فإن دوره المركزي يمثل أحد العقبات العديدة التي تعترض طريق التوصل إلى اتفاق؛ فمع تداخل الحرس الثوري بشكل وثيق في الأنشطة التجارية الإيرانية، فإن تصنيفه كمنظمة إرهابية قد يعقد بشكل كبير الجهود الرامية إلى تحرير الاقتصاد من العقوبات.
الحرس الثوري ومبراطورية التجارة الضخمة
وأكدت المصادر الإيرانية أنه حتى إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق أوسع نطاقاً وظلت العقوبات سارية، فسيظل الحرس يستفيد من الإعفاءات المؤقتة لتصدير النفط، ويمكنه مواصلة إحكام قبضته على الاقتصاد من خلال خبرته في التحايل على العقوبات.
لطالما ازدهر الحرس الثوري تحت قيادة المرشد الأعلى الراحل آية الله روح الله الخميني، قبل أن يتعاظم دوره في عهد خليفته علي خامنئي، ليتحول من قوة عسكرية إلى لاعب سياسي واقتصادي مهيمن.
واللافت أن دوره لم يقتصر على بسط النفوذ الإقليمي وملاحقة المعارضة، بل امتد ليشمل السيطرة على قطاعات حيوية مثل الاتصالات والطاقة والبنية التحتية من خلال أذرع هندسية عملاقة.
وفي أعقاب الحرب التي شنها الاحتلال وأمريكا ضد إيران، عزز الحرس الثوري قبضته الداخلية عبر لعب دور محوري في ترتيبات انتقال السلطة وتنصيب مجتبى خامنئي زعيماً أعلى جديداً.
هذا التحول السياسي تزامن مع إبداء الحرس تأييده لاتفاق إنهاء الحرب، في خطوة يراها مراقبون تهدف لضمان بقاء النظام وتأمين الموارد المالية اللازمة للمرحلة المقبلة.
الحرس الثوري.. المستفيد من الاتفاق المؤقت
ووصف مصدر إيراني كبير الحرس الثوري بأنه الفائز الحقيقي في الحرب، قائلاً إنه بعد أن ضمن بقاء النظام الإسلامي في إيران، أصبح في أفضل وضع للاستفادة من أي رفع للعقوبات، إذ كان قد أدار بالفعل معظم عمليات إيران لمحاولة خرق العقوبات على مدى العقود القليلة الماضية.
وبحسب المصادر، فإن الحرس يمتلك بالفعل البنية التحتية والشبكات اللوجستية الجاهزة للعمل فور رفع القيود، مما يمنحه أفضلية تنافسية على أي كيانات اقتصادية أخرى داخل البلاد.
ويتضمن الاتفاق المؤقت الذي تم الإعلان عنه مؤخراً إعفاءات تتيح لإيران بيع كميات من النفط، بينما قد يفتح الاتفاق الشامل الباب أمام وصول طهران إلى صندوق إعادة إعمار ضخم تقدر قيمته بنحو 300 مليار دولار.
وتبرز شركة "خاتم الأنبياء"، وهي الذراع الهندسي للحرس الثوري، كلاعب رئيسي يشرف على مئات الشركات التابعة التي تنفذ مشروعات الطاقة والبنية التحتية الكبرى.
وتتغلغل هذه الشركات في صناعة السيارات والسياحة والخدمات اللوجستية، مما يجعلها شريكاً لا مفر منه لأي جهة تسعى للاستثمار في السوق الإيرانية الواعدة بعد رفع العقوبات.
شراكة ملزمة وفق قانون الاستثمار
ووفقاً لقانون الاستثمار الإيراني، فإن على الشركات الأجنبية الدخول في شراكات مع جهات محلية، ما يعني أن الحرس الثوري سيصبح بوابة لدخول المستثمرين المحتملين إلى القطاعات الأكثر تحقيقاً للربح في إيران.
وبالنظر إلى حجم تغلغل الحرس الثوري، ستجد الشركات الغربية نفسها مضطرة للتعامل مع كيانات مرتبطة به، مما يعرضها لمخاطر قانونية جسيمة بموجب القوانين الأمريكية والأوروبية التي لا تزال تصنف الحرس ككيان محظور.
وقال جيريمي بانر، المحقق السابق في شؤون العقوبات بوزارة الخزانة: "الحرس الثوري الإيراني هو الكيان الذي يتحكم في جميع خيوط قطاع النفط، لذا لا يمكنك تجاهل جميع الآثار القانونية المترتبة على التعامل معهم".
وأضاف بانر أنه حتى مع ما ينص عليه الاتفاق المؤقت مع واشنطن من السماح بصادرات النفط الإيرانية، "لا تزال هناك مخاطر قانونية تواجه الشركات الأمريكية بسبب وجود الحرس الثوري الإيراني الكامن في الخلفية".
ويسمح قانون "العدالة ضد رعاة الإرهاب" الأمريكي، الذي تم إقراره في عام 2016، لضحايا الهجمات الإرهابية بمقاضاة الشركات الأمريكية بتهمة مساعدة الجماعات المتهمة بالإرهاب مثل الحرس الثوري الإيراني.
وذكرت المصادر الإيرانية الكبيرة أنه إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق أوسع نطاقاً وظلت العقوبات سارية، فسيظل الحرس الثوري يستفيد من الإعفاءات المؤقتة لتصدير النفط، ويمكنه مواصلة إحكام قبضته على الاقتصاد من خلال خبرته في التحايل على العقوبات.
وتسارعت وتيرة صعوده الاقتصادي بفعل العقوبات التي فُرضت على برنامج إيران النووي منذ أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، إذ قام ببناء شبكات لتسهيل تصدير النفط والشحن والتجارة من خلال وسطاء وشركات واجهة.
وأصبح من الصعب الحفاظ على هذا النموذج عندما بدأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حملة "أقصى الضغوط" بعد انسحاب الولايات المتحدة في عام 2018 من الاتفاق النووي المبرم عام 2015 بين القوى الكبرى، ثم وسع نطاق العقوبات الأمريكية بشكل أكبر خلال ولايته.