بالحق والعدل، وضعها دفاعها عن الفلسطينيين في مطاردات الساحرات القضائية المتكررة من اللوبي اليهودي في استراليا.
أسست وقدمت برامج على محطتي إذاعة وتلفزيون البث الرسمية في
أستراليا، وكانت وجها إعلاميا بارزا في بلادها.
كانت خيارتها دائما أخلاقية سواء في عملها الإعلامي أو مواقفها من القضايا الدولية وحقوق الإنسان وفي مقدمتها ما يجري من إبادة جماعية في قطاع
غزة.
ماري
كوستاكيديس المولودة في عام 1954في فيريا التي تقع في مقدونيا الوسطى شمال اليونان، هاجرت عائلتها إلى أستراليا بعد والدتها بعامين.
التحقت بمدرسة "فورت ستريت" الثانوية للبنات، ثم بجامعة "سيدني"، حيث درست اللغة اليونانية الحديثة والفلسفة والفرنسية والألمانية والإيطالية.
وحصلت على دبلوم في التربية، ونالت منحة دراسية للدراسات العليا في جامعة "أرسطو" في مدينة سالونيك باليونان.
كانت عضوا مؤسسا وأول رئيسة للجمعية اليونانية بالجامعة.
عملت كوستاكيديس في بداية حياتها العملية مدرسة في جامعة "سيدني"، وباحثة في وزارتي الصحة والشباب والخدمات المجتمعية في نيو ساوث ويلز، ومترجمة فورية في المحاكم ومحررة ترجمات.
وكان أبرزها في قضية "التآمر اليوناني" في أواخر سبعينيات القرن الماضي، وهي فضيحة احتيال كبرى حيث ألقت السلطات القبض على أكثر من 100 شخص، غالبيتهم من المهاجرين ذوي الأصول اليونانية، بتهمة التورط في مخطط واسع للاحتيال وسرقة أموال الرعاية الاجتماعية (الضمان الاجتماعي) في أستراليا.
نظمت كوستاكيديس دورة لتدريب المترجمين اليونانيين في لجنة الشؤون العرقية في نيو ساوث ويلز بالتعاون مع قسم اللغة اليونانية الحديثة في جامعة سيدني، وذلك لتسهيل تحويل اللغة اليونانية الرسمية (كاثاريفوسا) إلى اللغة العامية (الديموطيقية) حتى يتمكن المتهمون في القضية من فهم اللغة المستخدمة، وبعد سنوات، اعتمدت اليونان اللغة العامية لغة لجميع الوثائق الرسمية.
تنشر أعمالها في وسائل إعلام مستقلة، واستخدمت منصة تويتر/إكس على نطاق واسع لتغطية إجراءات المحاكم بشكل فوري ومفصل، بما في ذلك جلسة الاستماع التي استمرت أربعة أسابيع في المملكة المتحدة بشأن تسليم جوليان أسانج، والطعون اللاحقة.
شغلت منصب عضو في مجلس إدارة عدة مؤسسات وجامعات، كما شغلت منصب رئيسة "مؤسسة سيدني للسلام" سابقا. وعينت في اللجنة الاستشارية الوطنية لحقوق الإنسان، وأصبحت عضوا في اللجنة الاستشارية للجمهورية، وعضوا مؤسسا في مجلس إدارة مؤسسة "جيمس جويس" وعضوا فاعلا في "جمعية كازانتزاكي".
وعملت كوستاكيديس على استضافة حفل جوائز الأعمال العرقية الذي سلط الضوء على تميز المهاجرين والسكان الأصليين في مجال الأعمال لعدة دورات.
وإحدى المحطات الرئيسة في مسيرة كوستاكيديس المهنية هو أنها كانت عضوا في فريق الإدارة الأصلي الذي أنشأ وطور تلفزيون هيئة البث العامة في أستراليا SBS في عام 1980.
وعملت على تطوير وحدة الترجمة، وسياساتها، وبرنامج التوظيف والتدريب الخاص بها. ثم أصبحت مديرة إعداد البرامج، حيث أشرفت على الترجمة، والرقابة، والتصنيف، ووحدة ما بعد الإنتاج، وفي هذا المنصب، كانت مسؤولة عن تطوير سياسات الرقابة والتصنيف وبرامج الأطفال.
انتقلت كوستاكيديس من قسم الإدارة إلى تقديم النشرة الإخبارية المسائية الرئيسية على القناة في عام 1988 عملت كمقدمة لبرنامج "أخبار العالم الأسترالية" على قناة SBS في أوقات الذروة المسائية، وكانت الوجه الإعلامي للقناة لأكثر من عقدين.
ولاحقا انتقلت في عام 1994 لتقديم برنامج الحوارات الشهير " ذا توك شو ".
وطلية عملها التلفزيوني كانت عضوا في مجلس الإدارة واللجان ما يقرب 3 عقود مما يشير إلى مهنيتها ونزاهتها حتى تاريخ استقالتها في عام 2007 حيث غادرت كوستاكيديس غرفة أخبار SBS احتجاجا على تغييرات رأت أنها تقوض معايير المحطة، وخرق للعقد.
لم تكن كوستاكيديس راضية عن "إدخال الإعلانات ضمن البرامج الإخبارية"، وكان رحيلها "ضربة قوية للمحطة، وأشار الكثيرون إلى أن هذه المؤسسة الإعلامية متعددة الثقافات قد "ضلت طريقها".
وما لبثت أن رفعت كوستاكيديس دعوى قضائية أمام المحكمة الفيدرالية الأسترالية، متهمة " SBS" بخرق العقد ومخالفة قانون الممارسات التجارية لعام 1975. وذكرت بأنها تعرضت للتنمر من قبل زميل لها، وأنها تعرضت للترهيب والتنمر من قبل المدير الإداري لهيئة الإذاعة الخاصة الذي كان يقود تغييرات في الهيئة يعتقد أنها ستؤدي إلى توسيع قاعدة الجمهور وزيادة الإيرادات.
تمت تسوية الأمر خارج المحكمة، وأفادت التقارير بان " SBS " وكوستاكيديس قد توصلا إلى "تسوية ودية"، ولم يتم الكشف عن التفاصيل المالية للتسوية.
تبدي كوستاكيديس اهتماما لافتا بالعدالة الاجتماعية وحرية الصحافة وحق الجمهور في المعرفة، والمشاركة في الحوار العام، من خلال إلقاء المحاضرات وترؤس المنتديات العامة وكتابة المقالات الرأي في الصحافة السائدة ووسائل الإعلام الإلكترونية المستقلة.
ومن هذا المنطلق فقد أيدت جوليان أسانج، ومنحته في عام 2011 الميدالية الذهبية للسلام والعدالة من مؤسسة "سيدني للسلام"، ووصفت و"يكيليكس" بأنه "موقع إلكتروني بارع غيّر موازين القوى بين المواطن والدولة من خلال كشف ما تفعله الحكومات باسمنا". وقالت إن معاملة الولايات المتحدة لأسانج تهدف إلى "إغلاق ويكيليكس وتجريم نشاط هذا الناشر". وانتقدت محاكمة تسليم أسانج في المملكة المتحدة، وانتقدت وسائل الإعلام لعدم اهتمامها بالقضية.
موقفها السياسي الأكثر أخلاقية ووضوحا كان حرب الإبادة التي يشنها الاحتلال على قطاع غزة، هذا الموقف كلفها حروبا لا تتوقف مع اللوبي اليهودي في أستراليا، ففي عام 2024 قدم الاتحاد الصهيوني الأسترالي شكوى إلى المفوضية الأسترالية لحقوق الإنسان، زاعما أن كوستاكيديس انتهكت قوانين مكافحة التمييز العنصري بنشرها على موقع" X" رابطا لخطاب الأمين العام لحزب الله ، حسن نصر الله جاء فيه : "ستكون الحياة هنا صعبة للغاية عليكم. إذا كنتم ترغبون في الشعور بالأمان، فإذا كنتم تحملون جواز سفر أمريكيا، فارجعوا إلى الولايات المتحدة. وإذا كنتم تحملون جواز سفر بريطانيا، فارجعوا إلى المملكة المتحدة. ليس لكم مستقبل هنا. من النهر إلى البحر، أرض فلسطين للشعب الفلسطيني وحده".
وقالت كوستاكيديس: "كان الهدف من تلك التغريدة هو القول إن إسرائيل تستفز التصعيد، وتستدعي الانتقام لأنها ترتكب إبادة جماعية". وفي عام 2025، عاد الاتحاد الصهيوني الأسترالي ورفع دعوى قضائية ضدها أمام المحكمة الفيدرالية، ومن المقرر أن تبدأ المحاكمة في أواخر العام الحالي.
ويمتلك الاتحاد الصهيوني الأسترالي المال والنفوذ السياسي، ويتمتع بحرية الوصول إلى وسائل إعلام تخشى إدانة الاحتلال خوفا من اتهامها بمعاداة السامية التي بات ينظر إليها على نطاق واسع من قبل الأستراليين كسلاح مستهلك يستخدم لإسكات كل من يعارض جرائم الاحتلال في فلسطين بالحقيقة. وهو ذراع دعائي لدولة إبادة جماعية متمركزة في قلب الشرق الأوسط.
تحظى ماري كوستاكيديس بالاحترام لالتزامها بالحق والعدل، فهي تدافع عن الفلسطينيين لأن الحق والعدل يكمنان هناك، لا مع الاحتلال وممثليها في الخارج.
من هنا جاء فوزها بجائزة "غاري ويب لحرية الصحافة" لعام 2026 التي تمنحها مؤسسة "Consortium News" في سيدني بأستراليا.
وتوجت كوستاكيديس بهذا التقدير الدولي المرموق تكريما لها على مسيرتها الطويلة في الصحافة، وشجاعتها الاستثنائية في الدفاع عن حرية التعبير، والتزامها بنقل الحقيقة في وجه الضغوط ومحاولات إسكات الأصوات التي تنتقد جرائم الحرب في غزة.
وتمثل غزة نقطة تحول بالغة الأهمية في تاريخ الشرق الأوسط لأنه لا يمكن غفران أو نسيان حرب الإبادة والجرائم ضد الإنسانية التي ترتكب بحق الإنسان الفلسطيني.
ولحسن الحظ، بحسب إيلان بابيه أستاذ في جامعة "إكستر"، هناك مجموعة أكبر بكثير من الناس الذين لا يخشون المخاطرة التي ينطوي عليها التعبير بوضوح عن دعمهم للفلسطينيين، والذين يظهرون هذا التضامن مع علمهم بأن ذلك قد يؤدي إلى تعليق الدراسة، أو الترحيل، أو حتى السجن. ولا يمكن العثور على هؤلاء الناس بسهولة في الأوساط الأكاديمية أو وسائل الإعلام أو السياسة السائدة، لكنهم الصوت الحقيقي والصادق لمجتمعاتهم في أجزاء كثيرة من العالم الغربي.
كوستاكيديس واحدة من هؤلاء الشجعان الذين لا يقعون فريسة الخوف أو الهلع الأخلاقي.