كاتبة "واقعية" تحمل "نوبل" وترتدي الكوفية (بورتريه)

كانت آني إرنو واحدة من أكثر من 200 شخصية ثقافية عامة وقعوا رسالة مفتوحة تحث الاحتلال على إطلاق سراح الزعيم الفلسطيني الأسير مروان البرغوثي- عربي21
إنها "مجرد امرأة تكتب"، هكذا يصفها النقاد، فمن خلال أعمالها المستوحاة بصورة أساسية من حياتها، بنت مسيرة أدبية ناجحة أوصلتها إلى نيل جائزة نوبل في الأدب.

كاتبة فرنسية اشتهرت بمذكراتها التي تمزج بين الواقع والخيال، والمكتوبة بأسلوب نثري موجز وموضوعي. 

تتناول أعمالها ذكرياتها، فتعيد سرد أحداث معينة في أعمالها الأدبية، وتعيد بناءها، كاشفة بذلك عن الطابع الفني لنوعها الأدبي وأسلوبها الخاص. 

استخدمت "الشجاعة والحدة"، لسرد تجارب شبه ذاتية، والكشف عن "تناقضات التجربة الاجتماعية، وتصويرها مشاعر العار والذل والغيرة وعدم القدرة على معرفة كنه الذات.

واقعيتها وعدم خضوعها لعملية التضليل فيما يتعلق بفلسطين كانت حافزا لها للوقوف إلى جانب فلسطين في فترة مبكرة جدا.

ولدت آني إرنو واسمها بالميلاد آني دوشيسن في عام 1940 في بلدة ليلوبون، وهي بلدة تاريخية تقع في إقليم نورماندي، شمالي فرنسا، ونشأت في إيفيتو القريبة حيث كان والداها يديران مقهى وبقالة في حي شعبي.

سافرت في عام 1960 إلى لندن حيث عملت كمربية أطفال وهي تجربة روت تفاصيلها لاحقا في كتابها " مذكرات فتاة".

وبعد عودتها إلى فرنسا، درست في جامعتي "روان" ثم "بوردو"، وتأهلت كمعلمة، وحصلت على درجة علمية عليا في الأدب الحديث في عام 1971.

عملت لفترة على مشروع أطروحة غير مكتمل حول بيير دي ماريفو (دي شامبلين) المسرحي  والروائي الفرنسي. 

وبدأت الكتابة الأدبية فعليا في عام 1974 برواية "خزائن فارغة" وهي رواية تتناول  سيرتها الذاتية.
وفي وقت مبكر من حياتها الأدبية اعتمدت في الكتابة على الوقائع من خلال سيرتها الذاتية بعيدا عن الإنشاء والسرد الروائي التقليدي وفي بناء الشخصيات. 

أثار أسلوب إرنو الواقعي والخالي من أي خيال الكثير من الاهتمام والتحليل، بعد أن اعتمدت أسلوبا جديدا لقصص النسب وعلى ابتكار ما يعرف بـ"السيرة الذاتية الموضوعية".

وذلك في التخلي عن جماليات روائية معينة من أجل إبراز الواقع، تقول بأنها تبحث عن "شكل فني لكل كتاب بحيث لا يشبه السيرة الذاتية الكلاسيكية من جهة، ولا التخيل الفني من جهة أخرى. بل ينبني على عناصر من الواقع".

جمعت أعمالها بين التجارب التاريخية والفردية الشخصية، فهي تحدثت عن والديها في عملين هما "المكان" و"العار"، وفيما يتعلق بسنوات مراهقتها فقد تناولتها في كتاب "ما يقولونه أو لا شيء"، ولاحقا تناولت زواجها في "المرأة المجمدة"، كما تتحدث عن علاقتها العاطفية مع رجل من أوروبا الشرقية في "غواية بسيطة"، وتتحدث عن إجهاضها في "الحدث"، وعن مرض ألزهايمر في "لم أخرج من ليلتي"، وتحدثت عن وفاة والدتها في كتاب "امرأة"، وعن سرطان الثدي في كتابها "استخدام الصورة"، وكتبت إرنو أيضا كتابا مشتركا حمل عنوان "حاد كالسكين" مع الأديب الفرنسي فريدريك إيف جانيت. 

وبسبب أسلوبها المختلف فقد ترجمت العديد من أعمالها إلى اللغة الإنجليزية ولغات أخرى بينها العربية.

على الصعيد الشخصي تزوجت إرنو من المصور السينمائي فيليب إرنو في أواخر الستينيات، واتخذت اسمه، وأنجبت منه ولدين، وانفصلت عنه وقامت بتربية ولديها بنفسها.

توجت إرنو مسيرتها الإبداعية بحصولها على عدة جوائز كانت باكورتها في عام 1984 حين فازت بجائزة "رينودو" عن كتابها "المكان" الذي يركز على علاقتها مع والدها وتجاربها التي نشأت في بلدة صغيرة في فرنسا، وعملية انتقالها اللاحقة إلى مرحلة البلوغ بعيدا عن موطن والديها الأصلي.

وحظيت روايات "قصة امرأة "، و"مكان الرجل"، و"شغف بسيط" بإشادة صحيفة "نيويورك تايمز"، ووصلت رواية "قصة امرأة" إلى القائمة النهائية لجائزة "لوس أنجلوس تايمز" للكتاب، واختيرت رواية  "عار"  كأفضل كتاب لعام 1998 من قبل مجلة "بابليشرز ويكلي"، واختيرت رواية "أبقى في الظلام" كأفضل مذكرات لعام 1999 من قبل صحيفة "واشنطن بوست"، وأُدرجت رواية "الاستحواذ" ضمن قائمة أفضل عشرة كتب لعام 2008 من قبل مجلة "مور ".

ويعد كتاب إرنو التاريخي " السنوات"  الصادر عام 2008، والذي لاقى استحسان النقاد الفرنسيين، تحفتها الأدبية في نظر الكثيرين، في هذا الكتاب، تكتب إرنو عن نفسها بضمير الغائب لأول مرة، مقدمة صورة حية للمجتمع الفرنسي في الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية مباشرة وحتى أوائل الألفية الثانية، وحاز الكتاب عدة جوائز فرنسية ودولية.

وتوجت مسيرتها في الكتابة بفوزها بـ"جائزة نوبل في الآداب" في عام 2022 ، وقالت لجنة "نوبل" عن أسلوب آني إن "الكاتبة الفرنسية تميزت بشجاعة ودقة في اكتشاف الجذور والابتعاد عن القيود الجماعية للذاكرة الشخصية".

وقالت الأكاديمية السويدية عن روايتها "خزائن فارغة" بأنها أكثر "مشاريعها طموحا، والذي أكسبها شهرة دولية ومجموعة كبيرة من المتابعين وتلاميذ الأدب"، وهي أول كاتبة فرنسية تفوز بالجائزة بعد باتريك موديانو في عام 2014.

لم يقتصر صعود أني على الكتابة والجوائز فقط إذ حولت العديد من روايات إرنو إلى أفلام سينمائية: وكان فيلم  "The Super 8 Years" أول ظهور لها في الإخراج، لكن كتبها خدمت صانعي الأفلام الآخرين لفترة طويلة.

 وفاز فيلم"The Happening"، الذي يستند إلى رواية تتناول إجهاضها في سن المراهقة، بجائزة الأسد الذهبي في مهرجان البندقية السينمائي العام الماضي.

 وشهد العام نفسه أيضا اقتباسا عن فيلمها الرومانسي"Simple Passion" ، بالإضافة إلى فيلم وثائقي بعنوان "I Have Loved Living Here" حول مدن جديدة في فرنسا تستخدم كتاباتها كتعليق صوتي.

سياسيا تعتبر إرنو من مؤيدي اليساري، جان لوك ميلانشون زعيم حزب "فرنسا الأبية" في الانتخابات الرئاسية الفرنسية منذ عام 2012.

 وفي عام 2018  أعربت عن دعمها لاحتجاجات السترات الصفراء، هي سلسلة مظاهرات شعبية انطلقت في فرنسا أواخر عام 2018، وسميت بهذا الاسم نسبة إلى سترات السلامة الصفراء التي يرتديها السائقون في حالات الطوارئ.

وخارج الشأن الفرنسي أبدت إرنو دعمها لحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) ، وهي حملة يقودها فلسطينيون تدعو إلى مقاطعة دولة الاحتلال وسحب الاستثمارات منها وفرض عقوبات عليها. 

وفي عام 2018، وقعت رسالة برفقة نحو 80 فنانا وكاتبا آخرين عارضت فيها إقامة الموسم الثقافي الإسرائيلي الفرنسي. 

وفي عام 2019، وقعت رسالة تدعو فيها شبكة بث فرنسية مملوكة للدولة إلى عدم بث مسابقة الأغنية الأوروبية (يوروفيجن) التي أُقيمت في دولة الاحتلال في ذلك العام. 

وبعد عملية "حارس الجدران" هو الاسم الذي أطلقته الجيش الإسرائيلي على عمليته العسكرية ضد قطاع غزة في عام 2021، في حين أسمتها المقاومة الفلسطينية معركة "سيف القدس"، وقعت رسالة أخرى وصفت فيها دولة الاحتلال بأنها دولة فصل عنصري، رافضة تصوير الحرب على أنه حرب بين طرفين متساويين واعتبرته " أمر زائف ومضلل"، معللة ذلك بأن " إسرائيل هي القوة الاستعمارية. فلسطين مُستعمَرة". 

وانضمت إرنو في عام 2025 إلى نحو 300 كاتب فرنكوفوني في بيان نشر  في صحيفة "ليبراسيون" الفرنسية، وصفوا ما يتعرض له سكان القطاع بـ "الإبادة الجماعية". وقد أكدوا أن هذا المصطلح يحمل مسؤوليات قانونية وسياسية، وليس مجرد شعار.

كما وقعت في عام 2024 ، رسالة مفتوحة إلى جانب آلاف الكتاب، تعهدوا فيها بمقاطعة المؤسسات الثقافية الإسرائيلية. 

وكانت العام الماضي  واحدة من أكثر من 200 شخصية ثقافية عامة وقعوا رسالة مفتوحة تحث الاحتلال على إطلاق سراح الزعيم الفلسطيني الأسير مروان البرغوثي. 

كما وقعت رسالة تدعم إطلاق سراح جورج عبد الله، الذي حكم عليه بالسجن المؤبد عام 1982 بتهمة اغتيال الملحق العسكري الأمريكي تشارلز راي، والإسرائيلي يعقوب بارسيمانتوف، ووفقا للرسالة، كان الضحايا "عملاء نشطين للموساد ووكالة المخابرات المركزية ، بينما ناضل عبد الله من أجل الشعب الفلسطيني وضد الاستعمار".

وكان أخر ظهور لها وهي في عمر 86 عاما قبل أيام قليلة حين تحدثت في مهرجان دعم  لزعيم "فرنسا الأبية" مرتدية الكوفية الفلسطينية وسط هتافات الجماهير بالحرية لفلسطين. وأعلنت وقوفها في وجه الفاشية واليمين المتطرف العنصري.

وكانت رؤية حاملة "نوبل" وهي تضع الكوفية الفلسطينية على كتفيها، مشهدا مؤثرا ترافق مع هتافات "كلنا أطفال غزة" و"تحيا فلسطين"، التي ارتفعت مدوية في أرجاء المكان وسط تبسم إرنو التي تواصل الكتابة بأسلوبها الرائد في "السيرة الذاتية الاجتماعية" أو الواقعية المفرطة دون أن تغفل عن رسالتها الأخلاقية والإنسانية.