تحل الأربعاء، الذكرى السابعة لوفاة الرئيس الراحل محمد
مرسي، بينما يعاني نجله المحامي
أسامة، من
الاعتقال والتنكيل وتوجيه الاتهامات المسيسة، ما يرى فيه حقوقيون استمرار للتنكيل بأسرة "مرسي" رغم وفاته بمثل هذا اليوم من عام 2019، ورغم عدم وجود أية تحركات سياسية لأسرته، أو انخراطها بالمجال العام.
وكتب أحمد محمد مرسي، نجل الرئيس الراحل وشقيق أسامة الأكبر، يقول عن والده: "عشت حياتك محباً لمصر ورحلت مخلصاً لها. علمتنا أن حب الوطن أسمى ما في الحياة وأن احترام الشعب طريق المخلصين"، ليضيف طبيب جراحة المسالك البولية بمستشفى الأحرار الحكومية بمدينة الزقازيق: "7 سنوات ولا تزال باقياً في ذاكرة مصرنا الحبيبة".
ودشن أنصار الرئيس الراحل بمدينة أمستردام بهولندا فعاليات لإحياء ذكرى وفاته.
وفي هذا السياق، كتب الحقوقي والإعلامي هيثم أبوخليل: "في الذكرى السابعة لاستشهاده؛ كان رجلًا، كان شريفًا"، مضيفا: "كفى 10 سنوات اعتقال جائر وكيدي لنجله المحامي النابه أسامة محمد مرسي".
قتل مرسي وعبدالله
ومنذ الانقلاب العسكري 3 تموز/يوليو 2013، والذي قاده وزير الدفاع حينذاك الفريق أول عبدالفتاح
السيسي، للإطاحة بأول رئيس مدني منتخب ديمقراطيا بعد عام واحد في الحكم (2012/2013)، لتبدأ معاناة أسرة مرسي، باعتقاله ووضعه بزنزانة انفرادية معزول فيها عن العالم ومحاكمته أمام محكمة لم يعترف بها، كونه الرئيس الشرعي للبلاد.
ليشهد مثل هذا اليوم من 2019، وفاة مرسي عن (67 عاما)، داخل قفص زجاجي بقاعة محكمة جنايات القاهرة، في مشهد مثير للشكوك حول حقيقة تلك الوفاة، وحول طريقة إسعافه، خاصة وأنه اشتكى مرارا من إهمال طبي متعمد ومن محاولة قتل عمد بمحبسه.
وتحيط الشكوك حول أياد خفية قتلت مرسي، وبحسب محاميه أُودع زنزانة انفرادية 6 سنوات، لم ير محاميه وأسرته إلا 3 مرات، ومُنع عنه الدواء٬ رغم إصابته لأمراض السكر والضغط والكبد والكلى، ولم تُقدم له الإسعافات اللازمة وقت وقوعه بالقفص الزجاجي وتم تركه من 20 إلى 40 دقيقة حتى فارق الحياة، وقيل إنها سكتة قلبية.
وكشفت محاكمة السيناتور الأمريكي المدان بوب مينينديز، 15 أيار/مايو 2024، عن دور المخابرات
المصرية بقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، بقنصلية بلاده في اسطنبول 2 تشرين الأول/ أكتوبر 2018، بإمداد الفريق السعودي بمواد سامة جرى حقن خاشقجي، بها، بحسب وقائع المحاكمة التي نشرت بعض تفاصيلها "عربي21".
ولذلك يعتقد ناشطون ومعارضون مصريون أن وفاة الرئيس مرسي، التي جاءت بعد 8 شهور من قتل خاشقجي، تمت بحقنة مماثلة توقف بها قلب مرسي، أمام الحضور، كما يروا أنه جرى حقن الابن الأصغر للرئيس مرسي، عبدالله مرسي، وقتله في 4 أيلول/ سبتمبر 2019، بحقنة مماثلة، وهي الرؤية التي أشار لها في 6 أيلول/ سبتمبر 2020، الفريق القانوني البريطاني لأسرة مرسي، ملمحا لاحتمال "تورط الدولة بالجريمتين".
التنكيل بأسامة
وتقيم العائلة الكبيرة للرئيس مرسي، بقرية العدوة، التابعة لمركز ههيا، بمحافظة الشرقية، مسقط رأس مرسي، فيما تقيم عائلته الصغيرة بمدينة الزقازيق عاصمة المحافظة، دون أي نشاط ساسي أو حزبي أو حتى مجتمعي، مع منعها من الحديث لوسائل الإعلام وفرض طوق أمني مشدد حولها.
ومن التنكيل بالرئيس مرسي، حتى وفاته ثم وفاة نجله الأصغر عبدالله، جرى التنكيل، بنجله أسامة، عضو فريق الدفاع عن والده والذي جرى اعتقاله من منزله بالزقازيق، 8 كانون الأول/ديسمبر 2016، لتُمنع عنه تماما الزيارات ولأكثر من 9 سنوات ونصف، بحسب شهادات أسرته.
تزوج أسامة، في 21 تشرين الثاني/نوفمبر 2015، ليتم توقيفه بعد 13 شهرا، وقبل شهر من ولادة نجله الذي لم يلمسه إلا داخل قاعة المحكمة نهاية عام 2017، وبينما لم تره زوجته إلا تلك المرة، التقته والدته زوجة الرئيس مرسي السيدة نجلاء مرتين في 17 حزيران/ يونيو 2019 خلال جنازة والده، وفي 4 أيلول/ سبتمبر 2019 أثناء جنازة شقيقه عبدالله.
وعلى خلفية حثه "الأمم المتحدة" لمراجعة الانتهاكات بحق والده، كونه المتحدث باسم العائلة وعضو فريق الدفاع، واجه مرسي الابن في أيلول/ سبتمبر 2018، حكما بالسجن 10 سنوات بقضية "فض اعتصامي رابعة والنهضة"، قضاها بين سجن "العقرب شديد الحراسة" جنوب القاهرة و"بدر 3"، قرب العاصمة الجديدة.
وفي إحدى جلسات محاكمته، كشف أسامة عن ظروف اعتقاله القاسية، حيث قال للقاضي إنه محتجز بزنزانة انفرادية، وممنوع من التواصل مع السجناء، كما يُحرم من العلاج والكتب الدراسية، وصلاة الجمعة.
وبينما كان مقررا انتهاء مدة عقوبة أسامة مرسي، كانون الأول/ديسمبر المقبل، فاجأت نيابة أمن الدولة العليا، عائلة مرسي، 3 آذار/مارس 2025، بإعادة تدويره بالقضية (1096 لسنة 2022)، رغم أنه رهن الحبس وفي حوزة السلطات الأمنية.
من ماذا يخاف النظام؟
وفي حديثه لـ"عربي21"، قال الحقوقي المصري مصطفى عزب: "بالذكرى السابعة لوفاة الرئيس مرسي، لا يزال نجله أسامة مسجونا؛ وهو ما يفرض السؤال: من ماذا يخاف النظام؟؛ مرسي استشهد منذ 7 سنوات ولم يعد ينافس أحداً على سلطة ومنصب، ومع ذلك لايزال اسمه حاضراً بحسابات السلطة أكثر مما يحضر كثير من الأحياء، فما الذي يمثله أسامة مرسي حتى يستمر التنكيل هذه السنوات؟".
في تقديره، يرى المدير الإقليمي لـ"المنظمة العربية لحقوق الإنسان" في بريطانيا، أن "الإجابة لا تتعلق بأسامة كشخص، بل بما يمثله اسمه؛ فالسلطات تستطيع أن تسجن الأشخاص، لكنها لا تستطيع أن تمحو ما يرمزون إليه من ذاكرة ومعانٍ وأسئلة محرجة".
ويعتقد المحامي والناشط والحقوقي المصري، أن "مشكلة الرئيس مرسي بالنسبة للنظام أنه يمثل حقيقة تاريخية لا يمكن محوها: أنه كان أول رئيس مدني منتخب انتخاباً حراً بتاريخ مصر الحديث".
وأوضح أنه "لهذا فإن اسمه يعيد طرح الأسئلة التي لا يريد النظام سماعها: إذا كانت الديمقراطية صندوقاً، فمن الذي ألغى الصندوق؟، وإذا كانت الشرعية تُكتسب من الانتخابات، فمن الذي أطاح بنتيجتها؟، وإذا كان الشعب مصدر السلطة، فلماذا أصبح مجرد التذكير بتلك المرحلة أمراً يثير كل هذا التوتر بعد أكثر من عقد؟".
وأد الفكرة
واستدرك: "لكن في الحقيقة، لا أعتقد أن القضية تتعلق بالإخوان المسلمين أصلاً، فالسجون المصرية لم تقتصر يوماً على الإخوان، لقد ضمت إسلاميين وقوميين ويساريين وليبراليين ومستقلين وصحفيين ومحامين وأكاديميين وحقوقيين وشباباً لا ينتمون لأي تنظيم سياسي، المشكلة ليست في هوية الضحية، المشكلة في الفكرة التي يراد دفنها".
وتابع:"فكرة أن للشعب حقاً أصيلاً في اختيار من يحكمه، وفكرة أن الحاكم يستمد شرعيته من الأمة لا من القوة، وفكرة أن المواطن ليس مجرد تابع، بل صاحب حق وصاحب قرار"، وفق قول عزب.
ولهذا يرى أن "ما يقلق السلطة ليس أسامة مرسي ولا جماعة الإخوان، وما يقلقها هو أن يتذكر الناس أن المصريين جربوا مرة أن يذهبوا لصناديق الاقتراع ليختاروا رئيسهم بأنفسهم، لأن مجرد تذكر تلك اللحظة يفتح باباً لا تريد السلطة أن يُفتح".
ويعتقد أنه "لهذا أيضاً لم تكن المعركة بالسنوات الماضية ضد جماعة أو حزب أو تيار بعينه، كانت معركة ضد فكرة أن الشعب صاحب السيادة، ولم يكن المطلوب فقط إسقاط رئيس منتخب، بل إقناع الناس بأن محاولة استعادة حقهم باختيار حكامهم كانت خطأ من الأصل، وأن عليهم أن يقبلوا بأن يظلوا متفرجين على مستقبل يُصنع لهم لا بهم".
وخلص للقول: "ما يلفت انتباهي أن السلطة التي تقول إنها حسمت المعركة منذ سنوات لا تزال تتصرف وكأن المعركة لم تنته بعد، فلو كان مرسي مجرد صفحة طُويت، لما احتاج الأمر هذا الجهد بعد 7 سنوات من وفاته"، مؤكدا أنه لم يعد السؤال: ماذا كان يريد مرسي؟ بل: لماذا لا يزال خصومه يتصرفون وكأنه مازال حياً؟".
أسرار أسامة
وقال السياسي المصري محمد سودان: "أتذكر ملابسات وفاة الرئيس مرسي، وبالأحرى قتله، وسط نداء أطباء كانوا بالمحكمة لمحاولة إنقاذه بعد أن أغمي عليه، ورفض القاضي شريك الجريمة تدخل أحدهم حتى أخذته سيارة الإسعاف ليُعلن بعدها عن وفاته".
القيادي بحزب "الحرية والعدالة"، أوضح لـ"عربي21"، أنه " قبل الوفاة تم تشكيل لجنة من البرلمان البريطاني برئاسة رئيس لجنة العلاقات الخارجية كريسبن بلانت وأطباء وقانونين، لزيارة الرئيس بمحبسه، لكن سفير مصر بلندن ماطل في الرد على طلب التصريح حتى الوفاة".
وأشار إلى "دعوة (مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان) 18 حزيران/يونيو 2019، ومطالبات (هيومان رايتس ووتش)، و(العفو الدولية) وغيرهما، لإجراء تحقيق مستقل وشفاف حول ظروف وفاته واحتجازه، وهو ما لم يحدث حتى الآن".
المسؤول المصري السابق بالحزب الحاكم (2012- 2013)، قال: "في هذه الذكري وبعد قتل الرئيس الشرعي، الذي مثل شوكة بحلق الانقلاب رغم حبسه الانفرادي 6 سنوات، ومنعه الزيارة والرعاية الطبية، واتهامه بتهم ملفقة والحكم عليه بأحكام جائرة، انتقل الكره والعداء إلى نجله أسامة محامي والده والمدافع عن كثيرين ممن زج بهم السيسي في السجون".
ويرى سودان، أن "الحرص على التنكيل بأسرة الرئيس، وليس أسامة وحده، ووفاة عبدالله الغامضة، تثير علامات استفهام حول أسباب تلك الكراهية لآل مرسي"، ملمحا إلى أن "السيسي، ينتقم منهم لعقدة مرضية من الرجل وجماعة الإخوان المسلمين، الذين يكرههم هو وأنصاره المحليين والاقليمين والدوليين".
وأشار إلى احتمال ثاني، كأن يكون "لدى أسامة مرسي، أسرارا أخرى عن كيفية اعتلاء السيسي، وزارة الدفاع، أو أسرار أخرى تدين السيسي بالخيانة العظمي"، مؤكدا أن "حبس أسامة، هذه المدة وقيادات الإخوان والمعارضين بكافة خلفياتهم دليل أكبر على أن السيسي، يخشى منهم على عرشه".
منزوع الإنسانية
من جانبه يرى القيادي في جماعة الإخوان المسلمين الدكتور أشرف عبدالغفار، أن "نظام السيسي قائم على البطش والتنكيل، وليس عنده جوانب إنسانية ليراعيها ولو كان من باب العلاقة الإنسانية فهذا المعتقل ابن الرئيس الذي اختاره ليكون وزيرا".
وتساءل في حديثه لـ"عربي21": "ماذا يفيد السيسي، استمرار اعتقال أسامة مرسي، بعد أن قُتل الرئيس؟"، معتقدا أن "الحديث عن الإنسانية والوفاء هنا ليس له مكان في معادلة حاكم قتل الآلاف من شعبه وسجن أكثر من 100 ألف مصري لنحو 13 عاما، وأحال مستقبل بلد عظيم كمصر إلى المجهول".
وأكد عبدالغفار، أن "أسامة مرسي ليس أكثر من واحد من بين 100 ألف معتقل مظلوم، ولأن السيسي، ارتكب جرائم يخاف من كل شيء ومن نهايته؛ فيحرص على القمع المستمر والاعتقال الذي لا يتوقف وتخويف وترهيب الشعب، ولو كان منصفا لما ترك واحدا بالمعتقل".