في الوقت الذي انشغلت فيه المنطقة بالتهديدات
الأمنية والعسكرية، كان يجري بناء
محور جديد يربط بين دولة
الاحتلال والولايات
المتحدة واليونان وقبرص، الأمر الذي من شأنه تغيير قواعد اللعبة أمام
تركيا، ويزيد
من عوامل التوتر بينها وبين تل أبيب.
المسئول الأمني في شعبتي التخطيط والاستخبارات بجيش
الاحتلال، عاميت ياغور، ذكر أنه "في الساعات الأخيرة تم تدشين امتداد آخر
للجناح الغربي لمحور مركز الطاقة لشرق المتوسط (IMEC)، واضعًا أسس البنية الجديدة لشرق المتوسط وأوروبا،
وبينما ينشغل الجميع، بل بشكل مفرط، بمحور التهديدات، وما قاله ترامب، فليس من
السهل التغاضي عما حدث على هذا المحور، حين شهد معهد بيكر للسياسة العامة بجامعة
رايس في هيوستن، تكساس، توقيع المشروع من ممثلي الولايات المتحدة وإسرائيل
واليونان وقبرص".
وأضاف في مقال نشرته صحيفة
معاريف، وترجمته
"
عربي21" أن "المركز الجديد، الذي يعمل ضمن إطار منتدى 3+1، يهدف
لتركيز الجهود المشتركة للدول الأربع في مجالات البحث والأمن السيبراني والحماية
المادية للبنية التحتية الحيوية للطاقة في المنطقة، ووراء هذا المسمى التكنولوجي
تكمن خطوة هامة تعيد رسم الخرائط الإقليمية في المنطقة".
وأوضح أنه "من الناحية الظاهرية يبدو المشروع
كما لو كان مركزا للبحث والتطوير، لكن جوهره الحقيقي يكمن في الجغرافيا والتعاون،
فهذا هو الأساس المفاهيمي والعملي للجناح الغربي لمحور الممر الاقتصادي بين الهند
والشرق الأوسط وأوروبا EMEC ،
على أن تكون إسرائيل هي البوابة من الشرق، ونقطة التقاء الربط القاري القادم من
آسيا والخليج، ومحطة رئيسية للطاقة والبيانات والخدمات اللوجستية تتجه غربًا".
وأشار أن "هذا المحور يعنى بربط شبكات الغاز
الطبيعي، وفي المستقبل شبكات الكهرباء والهيدروجين، فيما تكون
قبرص هي الركيزة
البحرية والجغرافية التي تضمن استمرارية هذا الربط، على أن تعمل كمحطة ربط حيوية،
سواء لمشروع كابل الطاقة تحت سطح البحر، أو لتطوير احتياطيات الغاز المشتركة، أما
اليونان فهي بوابة سيادية للاتحاد الأوروبي، ومن المفترض أن تدخل الطاقة والبنية
التحتية من الشرق الأوسط إلى القارة عبرها، مما سيوفر لأوروبا التنوع الطاقي
والأمن الاستراتيجي الذي تحتاجه".
وأكد أن "هذا المشروع من شأنه إثارة مزيد من
الصراعات الحازمة على الشرق الأوسط ما بعد الحرب الأخيرة على إيران، حيث يجب النظر
إليه كجزء من صراع الأقوياء خلف الكواليس على صورة النظام الإقليمي الجديد، وفي
هذا السياق، يبرز لاعبان إقليميان رئيسيان من "النظام القديم"، حاولا،
ولا يزالان يحاولان، كلٌّ بطريقته الخاصة، السيطرة على مفاتيح الطاقة والخدمات
اللوجستية في المنطقة".
وأضاف أن "اللاعب الأول هو تركيا، التي طالما
طمحت أن تكون "ممر الطاقة" الحصري إلى أوروبا عبر خطوط الأنابيب من
روسيا وبحر قزوين والشرق الأوسط، وهي اليوم تستعد لفرض عقيدة "الوطن
الأزرق"، وبموجبها تعلن وتعمل في المناطق البحرية المحيطة بقبرص، وبين قبرص
واليونان كجزء من أراضيها، وتقوض سيادتهما البحرية".
وأشار أن "اللاعب الثاني هي مصر التي طالما
رسّخت مكانتها كمركز إقليمي للغاز الطبيعي (EMGF)، وبوابة للتجارة العالمية عبر قناة السويس،
ورغم أهمية المصالح المصرية، فإن المحور الجديد يقلل من اعتماد الأسواق الدولية
الحصري على الطرق المصرية، ويوفر بنية أمنية أكثر لامركزية ومرونة".
وأوضح أن "جذور هذا الترتيب الإقليمي الجديد
تستند للتحالف الأمني الثلاثي
بين إسرائيل واليونان وقبرص، وتطور لتوقيع اتفاقيات دفاعية، ومشتريات أمنية، ومناورات
عسكرية منتظمة، وهدفه تأمين الجناح الغربي لممر IMEC، أما عن أهمية الدعم الأمريكي، فيكمن بتدشين
هذا المركز الاستراتيجي للطاقة على أراضيها، وبمشاركة مباشرة من حكومتها، التي
تمثل الطرف المؤيد، حيث يمنح دعمها لهذا المحور شهادة اعتماد رسمية، ويُظهر عمليًا
المحور المُفضّل لدىيها بعكس تصريحات ترامب بأن "أردوغان صديقي".
وختم بالقول إن "الوجود الأمريكي في هذا
المشروع من شأنه أن يمنحه مزيدا من الدعم السياسي والأمني، وفي الوقت نفسه يُرسل
رسالة لكل من يرغب بمضايقة هذا المحور الجديد، والإضرار به، لأنه يُنشئ صلة رسمية
بين رأس المال والتكنولوجيا والاستشارات الأمريكية والجغرافيا الطبيعية لإسرائيل
وقبرص واليونان، بهدف خلق نظام إقليمي جديد قائم على الطاقة وغيرها، مما سيؤثر
بدوره على أوروبا أيضًا".
تعتقد المحافل الإسرائيلية أن من شأن هذا المشروع
الجديد أن يصب مزيدا من الزيت على نار التوتر القائم أصلا مع تركيا، التي ترى فيه
تحدّياً لتطلعاتها الإقليمية، وكبحاً لجماح مدّ نفوذها الإقليمي في المنطقة.