لا
تكمن خطورة
الاشتباكات الأخيرة في
الزاوية وصرمان في عدد القتلى والجرحى أو حجم
الأسلحة المستخدمة فحسب، بل في السؤال الذي كشفت عنه المواجهات بوضوح: من يملك في
ليبيا حق تعريف المجرم، ومن يملك بعد ذلك تحويل الاتهام إلى عملية مسلحة داخل
مدينة مأهولة؟
أحد
أطراف الأحداث قال إن قواته تعرضت لهجوم وتحركت دفاعاً عن مقراتها ومؤسسات الدولة،
واتهم خصومه بالارتباط بتجارة المخدرات والاتجار بالبشر وتهريب الوقود. وفي
المقابل، أدانت بلدية الزاوية الغرب ما وصفته بالاعتداءات المسلحة على الطريق
الساحلي، بينما تعطلت مؤسسات، وأُغلقت طرق، وفر عدد من السجناء، قبل أن تدخل قوة
ثالثة للفصل بين المتقاتلين.
كل
طرف يتحدث باسم الدولة، لكن المواطن لا يرى منها إلا الطريق المغلق والرصاص الذي
يمر فوق منزله. لا
يمكن الجزم بصحة الاتهامات التي يوجهها أي طرف إلى الآخر؛ فهذا دور التحقيق
والقضاء، لا دور البيانات وصفحات التواصل الاجتماعي. لكن الخطر يبدأ عندما تتحول
الاتهامات الجنائية إلى مبرر للتحرك بالسلاح، قبل أن يعرف الرأي العام إن كانت
هناك أوامر قبض، أو أدلة معلنة، أو جهة واحدة مخولة بالتنفيذ.
لا تقع المسؤولية على التشكيلات المسلحة وحدها، فالحكومات المتعاقبة لم تكتفِ بالعجز عن إخضاع هذه القوى، بل أعادت تمويلها ومنحها الصفات الرسمية وتوزيعها داخل مؤسسات الدولة، من دون انتزاع قرار الحركة والقتال من قياداتها المحلية
مكافحة
المخدرات والاتجار بالبشر وتهريب الوقود ضرورة لا خلاف عليها. فقد ألحقت هذه
الجرائم أضراراً بالغة بالمجتمع الليبي، وحولت أجزاء من الساحل الغربي إلى مسارات
لأنشطة غير مشروعة. لكن خطورة الجريمة لا تمنح كل قوة مسلحة حق تعريف المجرم، ثم
اختيار توقيت المداهمة وحجم القوة وحدود العملية. هنا
يتحول القانون من وسيلة لضبط السلاح إلى ذريعة يستخدمها السلاح.
في
أيار/مايو الماضي، أعلنت مديرية أمن الزاوية إطلاق عملية تستهدف مطلوبين، وقالت
إنها تستند إلى أذونات صادرة عن النيابة. لكن المنطقة العسكرية الساحل الغربي
أعلنت في الوقت نفسه أنها لم تُبلغ بالعملية ولم يُنسق معها، رغم وقوعها داخل نطاق
مسؤوليتها.
هذه
الواقعة تلخص الأزمة: وجود إذن قضائي لا يكفي إذا لم تكن الجهة المنفذة خاضعة
لقيادة معلومة، ومتفقاً على نطاق تحركها وحدود القوة المسموح لها باستخدامها.
فعندما ينفصل الإذن القانوني عن القيادة العملياتية، يمكن لأمر قبض أن يتحول إلى
مواجهة مفتوحة بين قوى يحمل كل منها سنداً مختلفاً للشرعية.
المشكلة
ليست أن الدولة غائبة بالكامل، بل إنها موجودة في صور متعددة ومتنافسة: جهاز يحمل
اسمها، وكتيبة تتلقى رواتبها، ومنطقة عسكرية تقول إنها صاحبة الاختصاص الجغرافي،
وبلدية تطالبها بالتدخل، ثم تتقاتل هذه النسخ المختلفة من الدولة على الأرض.
ولا
تقع المسؤولية على التشكيلات المسلحة وحدها، فالحكومات المتعاقبة لم تكتفِ بالعجز
عن إخضاع هذه القوى، بل أعادت تمويلها ومنحها الصفات الرسمية وتوزيعها داخل مؤسسات
الدولة، من دون انتزاع قرار الحركة والقتال من قياداتها المحلية.
وهكذا
وقفت تشكيلات كثيرة بقدم داخل المؤسسات وأخرى خارجها؛ تحصل على الرواتب والآليات
والشرعية، لكنها تحتفظ بتحالفاتها ومناطق نفوذها وقرارها الميداني.
الأخطر
أن كل مواجهة تنتهي بالطريقة نفسها تقريباً: وساطة، ووقف لإطلاق النار، وفتح
للطريق، ودخول قوة فصل، ثم إعلان لجنة تحقيق لا يعرف المواطن متى تنتهي أو ما الذي
خلصت إليه. تهدأ البنادق، لكن أسباب القتال تظل في مكانها.
عندما ينفصل الإذن القانوني عن القيادة العملياتية، يمكن لأمر قبض أن يتحول إلى مواجهة مفتوحة بين قوى يحمل كل منها سنداً مختلفاً للشرعية
وفرار
سجناء من مؤسسة إصلاحية خلال الاشتباكات يقدم الصورة الأكثر عبثية: قوى تقول إنها
تحارب الجريمة، لكن قتالها يسمح لمتهمين أو محكومين بالخروج من السجن، ثم تدخل قوة
أخرى لحماية المؤسسة وإعادة الأمن. فمن كان يحمي مَن؟ ومَن كان يهدد الأمن فعلاً؟
الحل
لا يبدأ بإرسال تشكيل رابع كلما اشتبك تشكيلان، بل ببناء سلسلة واضحة لاستخدام
القوة: أمر قضائي يحدد المطلوب، وجهة أمنية معلومة تتولى التنفيذ، وقيادة واحدة
توافق وتراقب، وقضاء يحاسب عند التجاوز. أما السجون والطريق الساحلي والمصفاة
والمستشفيات، فيجب أن تكون مناطق محرمة على الصراع، لا أوراق ضغط في معارك النفوذ.
كما
يجب نشر نتائج التحقيقات، لا الاكتفاء بالإعلان عن فتحها. فمن دون محاسبة علنية،
ستظل كل هدنة فرصة لإعادة التموضع، وسيعرف كل طرف أنه يستطيع استخدام السلاح ثم
العودة إلى مقره بعد وساطة جديدة.
الدولة
لا تُبنى بكثرة الأجهزة ولا بعدد الرتب والآليات، بل بوجود جهة واحدة تستطيع أن
تقول: هذا متهم بأمر القضاء، وهذه القوة مكلفة بالقبض عليه، وهذه حدود استخدامها
للسلاح، وهذا من سيحاسبها إذا تجاوزت. وما
لم تُحسم هذه القاعدة، سيظل السلاح قادراً على تعريف المجرم، وستبقى كل قوة قادرة
على تعريف نفسها بأنها الدولة، بينما يظل المواطن وحده بلا طريق آمن وبلا جهة يعرف
من يحاسبها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.