رغم سنوات من التقارب السياسي والاقتصادي بين أنقرة وموسكو، ترى الباحثة غونول تول في
مقال مجلة "فورين أفيرز" الأمريكية٬ أن
تركيا تشهد تحولا تدريجيا في توجهاتها الاستراتيجية، مدفوعة باعتبارات اقتصادية وأمنية وجيوسياسية أعادت التأكيد على أهمية شراكتها التاريخية مع الغرب.
وتقول الباحثة إن محاولات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لبناء توازن مستقل بين الشرق والغرب اصطدمت في النهاية بوقائع الاقتصاد والأمن، ما دفع أنقرة إلى الاقتراب مجددا من حلف شمال الأطلسي وشركائها الأوروبيين والأمريكيين.
أوضحت غونول تول، مديرة البرنامج التركي في معهد الشرق الأوسط، أن القادة العلمانيين الأتراك رسخوا خلال النصف الثاني من القرن العشرين موقع تركيا داخل المنظومة الغربية، فانضمت إلى مجلس
أوروبا عام 1949، ثم إلى حلف شمال الأطلسي "
الناتو" عام 1952، قبل توقيع اتفاقية شراكة مع المجموعة الاقتصادية الأوروبية عام 1963.
لكن وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة عام 2002 أثار مخاوف غربية من احتمال ابتعاد أنقرة عن الغرب بسبب الجذور الإسلامية للحزب. وبحسب الكاتبة، سعى أردوغان منذ منتصف العقد الأول من الألفية الثانية إلى تعزيز ما وصفه بـ"الاستقلال الاستراتيجي"، من خلال توسيع العلاقات الاقتصادية والطاقوية والأمنية مع
روسيا، واتخاذ مواقف أغضبت في أحيان كثيرة حلفاء تركيا داخل الناتو.
بداية التقارب مع موسكو
وترى تول أن المفارقة تكمن في أن التقارب التركي الروسي انطلق من إحدى أخطر الأزمات بين البلدين. ففي تشرين الثاني/ نوفمبر 2015 أسقطت تركيا طائرة روسية قرب الحدود السورية بعد أشهر من التدخل العسكري الروسي لدعم نظام بشار الأسد.
وأشارت إلى أن موسكو سارعت حينها إلى فرض عقوبات اقتصادية واسعة على تركيا، بينما شعرت أنقرة بخيبة أمل من استجابة حلفائها في الناتو، خاصة بعد مضي الولايات المتحدة وألمانيا في سحب بطاريات صواريخ "باتريوت" من الأراضي التركية رغم مطالب أنقرة بالإبقاء عليها.
وأضافت الكاتبة أن هذه التطورات عززت لدى القيادة التركية شعورا بأن الحلف لا يمكن الاعتماد عليه في الأوقات الحرجة، وهو ما دفع أردوغان إلى السعي لترميم العلاقات مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في عام 2016.
محاولة الانقلاب وصفقة "إس400"
ولفتت تول إلى أن بوتين كان أول زعيم أجنبي يتواصل مع أردوغان بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في تموز/ يوليو 2016، وهو ما ترك أثرا سياسيا مهما في العلاقات الثنائية.
وبعد أسابيع فقط، حصلت تركيا على موافقة روسية ضمنية لتنفيذ عملية عسكرية شمال سوريا، قبل أن تتوج التقارب بشراء منظومة الدفاع الجوي الروسية "إس400".
ورغم العقوبات الأمريكية واستبعاد تركيا من برنامج المقاتلة "إف35"، أصرت أنقرة على المضي في الصفقة باعتبارها جزءا من سياسة تنويع الشراكات الدفاعية وتقليل الاعتماد على الغرب.
وترى الكاتبة أن الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022 كشف طبيعة العلاقة المركبة بين أنقرة وموسكو. فمن جهة، أدانت تركيا الحرب وصوتت لصالح قرارات أممية تدين روسيا، كما زودت أوكرانيا بطائرات "بيرقدار" المسيّرة وأغلقت مضيقي البوسفور والدردنيل أمام السفن الحربية وفقا لاتفاقية مونترو.
ومن جهة أخرى، رفضت الانضمام إلى العقوبات الغربية على روسيا، وتحولت إلى شريان اقتصادي مهم لموسكو، حيث تضاعف حجم التبادل التجاري بين البلدين ليصل إلى أكثر من 60 مليار دولار خلال عام 2022.
الطاقة.. بوابة النفوذ الروسي
وأكدت تول أن قطاع الطاقة شكل أحد أبرز مجالات التقارب بين الجانبين، إذ أصبحت تركيا خلال سنوات قليلة من أكبر مستوردي الوقود الأحفوري الروسي.
كما واصلت موسكو تنفيذ مشروع محطة "أكويو" النووية عبر شركة "روساتوم" الروسية، التي تمتلك حصة الأغلبية في المشروع، وهو ما منح روسيا نفوذا طويل الأمد داخل بنية تحتية حيوية في دولة عضو بحلف الناتو.
وبحسب الكاتبة، أثارت هذه الشراكة قلقا واسعا داخل العواصم الغربية، خاصة مع استمرار العلاقات التجارية التركية الروسية وتعطيل أنقرة لفترة طويلة انضمام فنلندا والسويد إلى الناتو عبر استخدام حق النقض لتحقيق مكاسب سياسية.
وترى مجلة "فورين أفيرز" أن التحول الجديد بدأ مع تفاقم الأزمات الاقتصادية في تركيا قبيل انتخابات 2023، حيث واجهت البلاد معدلات تضخم مرتفعة وتراجعا حادا في قيمة العملة الوطنية وأزمة متفاقمة في ميزان المدفوعات.
وزادت كارثة الزلزال المدمر في شباط/ فبراير 2023، الذي أودى بحياة أكثر من 50 ألف شخص وتسبب بخسائر قدرت بنحو 100 مليار دولار، من الضغوط على الاقتصاد التركي.
وتقول الكاتبة إن أردوغان أدرك بعد فوزه بالانتخابات أن استمرار التوتر مع الغرب لم يعد خيارا ممكنا، خاصة أن الاتحاد الأوروبي يبقى الشريك التجاري الأكبر لتركيا وأحد أهم مصادر الاستثمار الأجنبي.
خطوات عملية للابتعاد عن موسكو
وفي إطار إعادة التموضع، عين أردوغان وزير المالية محمد شيمشك لقيادة السياسة الاقتصادية واستعادة ثقة المستثمرين الدوليين.
كما بدأت تركيا، بحسب المقال، في تقليص اعتمادها على الطاقة الروسية عبر التفاوض على زيادة واردات الغاز من تركمانستان وإيران، وتوسيع مشتريات الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة.
وأشارت تول إلى أن أنقرة مددت بعض عقود الغاز الروسي لعام واحد فقط، مقابل توقيع اتفاق طويل الأمد مع الولايات المتحدة لشراء نحو 1500 شحنة من الغاز الطبيعي المسال على مدى 15 عاما.
كما بدأت تركيا العمل مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية على مشروع محطة نووية جديدة في سينوب، بعدما كان متوقعا سابقا أن تتولى "روساتوم" الروسية تنفيذ المشروع.
وترى الكاتبة أن سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024 وصعود حكومة سورية أكثر قربا من أنقرة قللا من حاجة تركيا إلى الوساطة الروسية في الملف السوري.
كما أن انسحاب القوات الأمريكية من سوريا خفف أحد أبرز أسباب التوتر بين أنقرة وواشنطن.
وفي السياق ذاته، قالت تول إن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران عززت قناعة تركيا بأهمية المظلة الدفاعية للناتو، خاصة بعد اعتراض منظومات الحلف صواريخ إيرانية دخلت المجال الجوي التركي، وتعزيز الدفاعات الجوية التركية بمنظومات إضافية من طراز "باتريوت".
وأشارت إلى أن منظومة "إس400" الروسية بقيت معطلة رغم التهديدات الصاروخية، ما أعاد الجدل داخل تركيا بشأن جدوى الصفقة.
تعاون متزايد مع الناتو
وأكدت الكاتبة أن أنقرة كثفت تعاونها العسكري مع الحلف خلال الفترة الأخيرة، بما في ذلك استئناف المفاوضات مع فرنسا وإيطاليا بشأن منظومة الدفاع الجوي "سامب/تي".
كما أعلنت ألمانيا نشر بطارية إضافية من صواريخ "باتريوت" و150 جنديا في تركيا، بينما تعمل أنقرة على إنشاء فيلق متعدد الجنسيات تابع للناتو بحلول عام 2028.
وتشارك تركيا كذلك في مبادرات أمن البحر الأسود بالتعاون مع بلغاريا ورومانيا ضمن إطار الحلف.
وبحسب "فورين أفيرز"، فإن موسكو تنظر بقلق إلى هذا التحول. وتشير الكاتبة إلى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لم يزر تركيا منذ عام 2020، كما شهدت السنوات الأخيرة حوادث استهدفت مصالح تركية في أوكرانيا والبحر الأسود.
ورغم استمرار أنقرة في تقديم نفسها وسيطا بين روسيا وأوكرانيا، فإن المسؤولين الأتراك باتوا أكثر انتقادا للموقف الروسي، كما أبدوا دعما واضحا لتطلعات كييف للانضمام إلى الناتو.
وتخلص غونول تول إلى أن تركيا لا تتخلى بالكامل عن مفهوم "الاستقلال الاستراتيجي"، لكنها باتت تدرك أن مصالحها الاقتصادية والأمنية ترتبط بدرجة أكبر بالولايات المتحدة وأوروبا.
وتؤكد أن قطاع الصناعات الدفاعية التركي، رغم توسعه المتسارع، ما زال يعتمد على التكنولوجيا الغربية والشراكات الأوروبية والأمريكية، فيما يبقى الاقتصاد التركي مرتبطا بشكل وثيق بالأسواق الغربية.
وتختتم الكاتبة مقالها بالقول إن أردوغان حاول خلال السنوات الماضية بناء بديل استراتيجي عبر توثيق العلاقات مع روسيا، لكن الوقائع الاقتصادية والأمنية أعادت تركيا في النهاية إلى نقطة الانطلاق، لتجد نفسها مرة أخرى أقرب إلى الغرب من أي وقت مضى.