نشرت مجلة "
بوليتيكو" تقريراً قالت فيه إن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو
سانشيز يواجه مشاكل مع ناخبيه الإسبان، لكن حرب دونالد ترامب ضد إيران جعلته "نجم روك" على مستوى العالم ومؤثراً في سياسة القارة الأوروبية.
وفي التقرير الذي أعده إيتور هيرنانديز موراليس، قال فيه إن قادة
أوروبا عندما يعقدون اجتماعهم الدوري سيكون سانشيز البالغ من العمر 54 عاماً محط أنظار وسائل الإعلام.
ولم يكن هذا هو الحال؛ ففي الماضي عندما كان رئيس الوزراء الإسباني يمشي على السجادة الحمراء أسفل الهيكل الزجاجي البيضاوي العملاق الذي يجتمع فيه رؤساء حكومات الاتحاد الأوروبي، كان فقط الصحافيون الإسبان يندفعون لطرح أسئلة حول الشؤون الداخلية.
أما مراسلو الدول الأخرى، فكانوا يميلون للتركيز على قادتهم أو ملاحقة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أو المستشار الألماني فريدريش ميرز أو رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، الشخصيات المؤثرة التي يعتبرها معظم الناس "المسؤولة" عن إدارة الاتحاد الأوروبي.
وفي القمم الأخيرة، استُقبل سانشيز بحشود غفيرة من الصحافيين الذين تدافعوا وهم يلوحون بالميكروفونات، متلهفين لسماع ما سيقوله.
وتساءلت المجلة عن سبب هذا الاهتمام المفاجئ؟، وبالتأكيد فسبب الملاحقة الإعلامية لا علاقة له بنجاح سياسات الحكومة الداخلية، فقد تخلى الشركاء البرلمانيون عن ائتلاف سانشيز الهش وهو عاجز عن تمرير أي تشريع.
علاوة على ذلك، فإن سلسلة من فضائح الفساد التي تورط فيها أعضاء من الدائرة المقربة لسانشيز تعمل على تقويض إدارته. ولعل السبب نابع من تحوله في الآونة الأخيرة إلى رجل أوروبا غير المتوقع الذي عارض الحرب على إيران، والفضل يعود في شعبيته للرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
فعندما بدأت الولايات المتحدة والاحتلال هجومهما على إيران في أواخر شباط/ فبراير، برز رئيس الوزراء الإسباني كزعيم الاتحاد الأوروبي الوحيد الذي أدان العملية العسكرية علناً.
وعلى عكس شخصيات مثل ماكرون وميرز، اللذين عبّرا عن رد حذر ومتحفظ من الحرب، كان استنكار سانشيز للعدوان "غير الشرعي" صريحاً لا لبس فيه. وكان رد فعل واشنطن على انتقادات الإسباني مماثلاً.
فقد أثار قرار سانشيز منع الطائرات الحربية الأمريكية من استخدام القواعد المشتركة والمجال الجوي للبلاد غضب ترامب. ووصف الرئيس الأمريكي إسبانيا بأنها "فظيعة" و"غير ودية"، وهدد بقطع جميع العلاقات التجارية مع مدريد، واقترح لاحقاً طرد إسبانيا من حلف الناتو.
وتضيف المجلة أن استهداف البيت الأبيض لسانشيز ساهم، دون قصد، في تحويل معارضة إسبانيا المنعزلة للحرب إلى موقف تبنته أوروبا بأكملها تقريباً.
واستجابةً للتهديدات، سارع قادة الاتحاد الأوروبي إلى التعبير عن دعمهم لزميلهم في مدريد، وانضموا إليه -وقد تشجعوا- في إدانة الهجمات على إيران. وفي غضون أشهر قليلة، تحول رئيس الوزراء الإسباني من كونه حالة شاذة في أوروبا إلى الزعيم الأخلاقي للاتحاد الأوروبي.
وقال وزير الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس، الحليف القديم لسانشيز، في مقابلة: "لم تكن إسبانيا وحيدة قط، فقد كنا ببساطة في المقدمة، نقود حتى يتمكن الآخرون من اللحاق بنا".
وقالت المجلة إن بروز سانشيز المفاجئ على الساحة الدولية أمرٌ مثير للنظر، وبخاصة أنه يأتي في لحظة ضعفٍ شديدٍ في الداخل. فرغم أن رئيس الوزراء الإسباني لم يُتهم بالتورط في الفضائح التي تُلاحق حكومته، إلا أن خصومه السياسيين سعوا جاهدين لربطه بالقضايا الجنائية.
وقالت السناتورة أليسيا غارسيا، المتحدثة باسم حزب الشعب المنتمي ليمين الوسط، خلال جلسة عُقدت قبل فترة في مجلس الشيوخ الإسباني: "بيدرو سانشيز مرادف للفساد". ومع ذلك، يتزايد الاحترام والإعجاب برئيس الوزراء في بقية أنحاء أوروبا.
ويعود ذلك إلى أن معارضته لترامب تعكس رأي الأغلبية في القارة بأن الرئيس الأمريكي يشكل تهديداً كبيراً على الاتحاد الأوروبي.
ومقارنةً مع سانشيز، كان قادة أوروبا مترددين في الصدام مع ترامب؛ فالولايات المتحدة تُعدُّ من أكبر الشركاء التجاريين للاتحاد الأوروبي، ويُعتبر الحفاظ على علاقات مستقرة أمراً بالغ الأهمية لدول مثل ألمانيا.
إضافةً إلى ذلك، ورغم مساعي ترامب لتقويض حلف الناتو، لا يزال الدفاع الأوروبي ليس فقط بقيادة الولايات المتحدة، بل يتمحور حولها أيضاً.
ومع ذلك، يُعتبر سانشيز استثناءً لهذا الوضع الراهن؛ فعلاقات إسبانيا التجارية المحدودة مع الولايات المتحدة تعني أن البلاد في مأمن من تهديدات ترامب بفرض تعريفات جمركية، كما أنها بعيدة جغرافياً عن التهديدات العسكرية المحتملة.
بل وتتمتع البلاد بمناعة نسبية من مشاكل نقص الطاقة المرتبطة بإيران، وذلك بفضل طفرة الطاقة المتجددة التي قادها سانشيز، والتي حظيت بإشادة واسعة من بقية أوروبا.
وينظر حلفاء رئيس الوزراء إلى موقفه المتحدي باستمرار تجاه ترامب على أنه لا ينبع من البراغماتية بقدر ما ينبع من قناعة راسخة.
ففي وقت يُنظر فيه إلى التعددية والنظام العالمي ما بعد الحرب على أنهما مفهومان عفا عليهما الزمن، يُوصف هذا السياسي المعتدل المنتمي إلى يسار الوسط بأنه مؤمن حقيقي، مستعد لتحدي أقوى دولة في العالم دفاعاً عن هذه المُثل.
وقال وزير الخارجية، ألباريس: "لطالما كان ملتزماً باحترام حقوق الإنسان وكرامة جميع الناس، هذا ما يؤمن به حقاً".
ويمكن، على نحوٍ متناقض، إرجاع الموقف الأخلاقي الذي يقف وراء معارضة رئيس الوزراء الإسباني لترامب إلى صلة نشأت في مسقط رأس الرئيس الأمريكي.
فبعد تخرجه بفترة وجيزة من مدريد عام 1995 بشهادة في الاقتصاد وإدارة الأعمال، انتقل سانشيز إلى مدينة نيويورك للعمل في شركة استشارية.
وهناك، بدأ كارلوس ويستندورب، سفير إسبانيا الراحل لدى الأمم المتحدة، الذي كانت زوجته على معرفة بوالدي سانشيز -وهما موظفان حكوميان من الطبقة المتوسطة- بدعوته لتناول الطعام.
واستطاع الشاب الفضولي، البالغ من العمر 24 عاماً، أن يكسب ود وزير الخارجية السابق من خلال توجيه أسئلة كثيرة إليه حول الشؤون الدولية، وأصبح في نهاية المطاف بمثابة تلميذٍ له.
وبعد تعيين ويستندورب مفوضاً سامياً للبوسنة عام 1997، تواصل مع سانشيز، الذي كان حينها ينهي فترة عمله كمساعد في البرلمان الأوروبي في بروكسل، وعرض عليه الانضمام إلى فريقه.
ووصل الإسباني إلى مدينة "كانت كل مبانيها مثقوبة بالرصاص" الذي أُطلق خلال حصار دام قرابة أربع سنوات.
وتذكرت الصحفية فيكتوريا غارسيا، المتحدثة باسم بعثة الأمم المتحدة آنذاك، كيف كانت النساء في فريق العمل يبدين إعجابهن الشديد بسانشيز الوسيم، الذي يبلغ طوله 190 سم.
وانضم سانشيز، الحاصل لتوه على درجة الماجستير في الاقتصاد من جامعة بروكسل الحرة، إلى الفريق كمستشار اقتصادي، وكُلف بوضع الخطوط العريضة للنظام المالي المستقبلي للبوسنة والهرسك من خلال سلسلة من أوراق العمل المعقدة.
وفي إشارة مبكرة إلى عناده في الدفاع عن آرائه، قالت غارسيا إن سانشيز دخل في خلاف مع ممثل أمريكي بارز استخف بمقترحاته السياسية.
وقد تركت تجربة البوسنة أثرها عليه؛ ففي مذكراته الصادرة عام 2019 "دليل المقاومة" قال إن تجربته في سراييفو "حصّنته من ويلات القومية وسياسات الهوية".
وكتب: "أرى سياسيين عديمي الضمير لا يراعون عواقب خطاب الكراهية الذي يطلقونه، لا العواقب الاجتماعية ولا السياسية ولا الاقتصادية. أو بالأحرى، ليس الأمر أنهم لا يراعونها، بل إنهم يغذون أسوأ ما في شعوبهم، لأنهم يزدهرون على هذا الصدام".
وعلى الرغم من إعجابه الشديد بعمل الأمم المتحدة، قالت غارسيا إن سانشيز كان دائماً يبحث عن بناء مستقبل سياسي في إسبانيا. فعندما كان ويستندورب يسافر إلى إسبانيا لحضور مؤتمرات الحزب الاشتراكي، كان الشاب الإسباني يلح على مرافقته لبناء علاقات داخل الحزب.
وستبقى الدروس التي استخلصها سانشيز من البوسنة غير ظاهرة للعيان لسنوات، لكنها ستصبح في نهاية المطاف جوهرية في نظرته إلى الصراعات الخارجية، ودور المؤسسات الدولية، والتزامات الحكومات الديمقراطية في أوقات الأزمات.
بعد انتهاء فترة عمله مع ويستندورب عام 1999، عاد الإسباني إلى مدريد وانخرط في العمل السياسي المحلي كعضو في الحزب الاشتراكي. وظل نائباً عادياً لأكثر من عقد، لكن في عام 2014، أطلق حملة انتخابية غير متوقعة وناجحة، ليصبح زعيماً للحزب.
وتولى سانشيز زمام حزب يسار الوسط وسط أزمة اقتصادية خانقة عجلت بانهيار النظام السياسي الإسباني الثنائي، وتسببت جماعات سياسية جديدة من أقصى اليسار وجماعات ليبرالية اقتصادية في تآكل القاعدة الانتخابية التقليدية للاشتراكيين.
استغلت القيادة القديمة سلسلة من النكسات الانتخابية، فصورت سانشيز على أنه مبتدئ عاجز وأجبرته على الاستقالة في تشرين الأول/أكتوبر 2016. وبالنسبة للعديد من السياسيين، كانت تلك نهاية المطاف، ولسانشيز، كانت بداية عودة غير متوقعة.
وفي خطوة أصبحت فيما بعد جزءاً من تاريخ السياسة الإسبانية، انطلق في حملة شعبية لاستعادة الدعم، متنقلاً في أنحاء البلاد بسيارته البيجو، وملتقياً بأعضاء الحزب وجهاً لوجه، وأعاد بناء قاعدته الشعبية من الصفر.
وقد تزامن مسار سانشيز مع هزيمة ترامب المفاجئة لوزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون في الانتخابات الرئاسية عام 2016، والأشهر الأولى من ولايته.
وقال ألباريس، الذي ظل موالياً للزعيم الاشتراكي المخلوع، إنهم تابعوا التطورات باهتمام بالغ، وناقشوا تأثير إجراءات ترامب على العالم. وأضاف: "لم تكن المحادثات، ولا تزال حتى اليوم، تدور حول ما يفعله الرئيس الأمريكي، بل حول السياق الذي تضع فيه تلك الإجراءات إسبانيا.
لطالما تمحورت حول كيفية التزامنا بمبادئنا، وكيفية تحقيق أهدافنا ضمن هذا السياق". وقد أثمرت جهوده في كسب تأييد الناخبين. فعندما أُجريت انتخابات لاختيار زعيم جديد للحزب الاشتراكي في أيار/مايو 2017، هزم سانشيز منافسيه بسهولة، وعاد إلى المنصب الذي أُطيح به قبل سبعة أشهر.
وحرص خلال ولايته الثانية على رأس حزبه، على عدم تكرار الأخطاء التي أدت إلى سقوطه. فسارع إلى إعادة تشكيل الحزب على صورته، وهمش خصومه الداخليين، وحوّل الاشتراكيين إلى المنظمة شديدة المركزية التي يقودها زعيمها، كما هي عليه اليوم.
وكانت خطوته التالية أكثر جرأةً. استغل سانشيز سلسلة من فضائح الفساد المدمرة، فدبّر في عام 2018 تصويتاً لحجب الثقة عن رئيس الوزراء آنذاك، ماريانو راخوي، في مناورة غير مسبوقة في السياسة الإسبانية الحديثة.
وقد نجحت المحاولة، ليتحول زعيم المعارضة الذي أُطيح به سريعاً إلى رئيس للحكومة الإسبانية. وفي قمة رؤساء البلديات العالمية التي عُقدت في مدريد في نيسان/أبريل الماضي، هتف قادة البلديات من مختلف أنحاء العالم بعد أن ألقى سانشيز خطاباً دافع فيه عن المدن التي تحتضن المهاجرين والتنوع.
وقال مسؤول بلدي أمريكي: "إنه نجم لامع، إنه بالضبط ما يحتاجه العالم: شخصية تقدمية لا تخشى ترامب".
ورغم تمكّن رئيس الوزراء من البقاء في السلطة طوال السنوات الثماني الماضية، فقد ظل يقود حكومات أقلية هشة، تتطلب دعم الأحزاب الصغيرة لتمرير التشريعات في البرلمان الإسباني المنقسم.
وكثيراً ما يقول الزعيم الاشتراكي إنه يعمل وفق مبدأ "استغلال الضرورة"، أي بتكييف مواقفه لتتوافق مع شركائه الاستراتيجيين. لكن هذه البراغماتية لم تلقَ استحساناً لدى الإسبان.
فقبل سانشيز، لم يسبق لهم أن شهدوا حكومة ائتلافية على المستوى الوطني، ولا المرونة اللازمة لإنجاحها.
وبحسب أحدث استطلاع شهري أجراه المركز الإسباني الحكومي للبحوث الاجتماعية، فقد وُجد أن سانشيز يتصدر قائمة القادة السياسيين الأكثر شعبية في البلاد، إلا أن 63 بالمئة من الإسبان يقولون إنهم يثقون به "قليلاً، أو لا يثقون به إطلاقاً".
ثم هناك الفضائح، فقد وصل سانشيز إلى السلطة عام 2018 واعداً بحكومة نزيهة، لكن خلال السنوات الماضية، حوكم العديد من أقرب حلفائه بتهم فساد.
ويواجه سانشيز دعوات من حلفائه بإجراء انتخابات مبكرة. لكن القرار يعود إليه في النهاية؛ فالمعارضة الإسبانية منقسمة بشدة بحيث لا تستطيع إجباره على التنحي عن السلطة، وقد تعهد سانشيز بإكمال ولايته التشريعية المقرر انتهاؤها في آب/أغسطس 2027.
ويرى بابلو سيمون، عالم السياسة في جامعة كارلوس الثالث بمدريد، أن هذا الجمود الحالي قد يدفع سانشيز إلى الانخراط بشكل أكبر في الشؤون الدولية، وقد أثبتت هذه الاستراتيجية نجاحها مع سانشيز في الماضي.
فبعد هجمات حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، تصدّر رئيس الوزراء الإسباني عناوين الأخبار بتصريحاته المنددة بالعمليات العسكرية في غزة، واصفاً إياها بـ"الإبادة الجماعية".
وقد دفع هذا الموقف وزيرَ الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إلى وصفه بأنه "عارٌ على إسبانيا"، ولكنه عزز مكانة سانشيز محلياً.
وحظي سانشيز بدعم مماثل من معارضي سياسات ترامب. فقد أيد الإسبان رئيس الوزراء بأغلبية ساحقة عندما رفض مساعي الرئيس الأمريكي لزيادة مخصصات الإنفاق الدفاعي لحلف الناتو، ورفض زيادة الإنفاق العسكري لمدريد.
إلا أن موقف سانشيز الرافض للحرب في إيران هو ما لاقى صدىً واسعاً لدى الإسبان، الذين يُعدون من بين أكثر الأوروبيين معارضةً للحرب.