قال رئيس المجلس الاستشاري لمجلة السياسة والمجتمع الأردني (
JPS)، رئيس وزراء الأردن الأسبق،
عبد الكريم الكباريتي، إن لا أحد في دولة
الاحتلال الإسرائيلي، يؤمن بالتسوية السلمية، أو إقامة دولة
فلسطينية، بغض النظر عمن يقود الحكومة، سواء من اليمين وعلى رأسهم نتنياهو، أو اليسار مثل يائير لابيد أو نفتالي بينت.
وأشار في مقدمة له لإصدار المجلة، مطلع العام الجاري، إلى أن دولة الاحتلال تؤمن بشيء واحد فقط، وهو
تهجير الفلسطينيين، سواء طوعا أو كرها، ونقلهم إلى الأردن المجاور.
ولفت إلى أن دولة الاحتلال تمارس ضغوطا مستمرة على الأردن لقبول واستيعاب الفلسطينيين من الضفة الغربية، عبر الإغراء بالمليارات على شكل مساعدات للاقتصاد الأردني أو الإكراه بخلق أزمات اقتصادية وسياسية جديدة في المملكة.
وحذر الكباريتي من أن هناك من يتبنى فكرة "الاقتصاد مقابل إعادة التوطين" في الأردن، مؤكدا أنه واقع يستلزم الحذر واليقظة.
وتابع: "إن هذا الوضع الخطير في الضفة الغربية له تأثير مباشر وعميق على الأردن. إن الرهان على ظهور حكومة إسرائيلية جديدة ذات سياسات مختلفة جذرياً هو رهان خاسر، لأنه لا يستند إلى قراءة جادة أو دقيقة للتحولات الهيكلية العميقة التي شهدها المجتمع الإسرائيلي على مدى العقود الأخيرة. دعوني أقولها بوضوح: آخر رئيس وزراء إسرائيلي - وربما الوحيد الذي آمن حقًا بالسلام العربي الإسرائيلي - كان إسحاق رابين، وقد دفع ثمن هذا الإيمان بحياته".
وأضاف: "لا زلت أتذكر بوضوح اليوم الذي اصطحبني فيه الملك الراحل الحسين بن طلال، رحمه الله، بينما كنت أشغل منصب وزير الخارجية في حكومة الأمير زيد بن شاكر، للقاء رابين في مطعم صغير قرب بحيرة طبريا. في تلك المناسبة، قال رابين إنه لطالما اعتقد أن أمن إسرائيل لا يمكن تحقيقه إلا بالقوة العسكرية، لكنه أصبح يؤمن حقًا أن السلام هو السبيل الذي يضمن أمن إسرائيل. وأعلن استعداده لإعادة كل شبر من الأراضي السورية المحتلة، وعقد السلام مع الرئيس السوري حافظ الأسد. طلب مني الملك الراحل الحسين أن أنقل هذه الرسالة إلى الرئيس الأسد، الذي سألني بدوره عما إذا كنت أثق برابين ونواياه تجاه سوريا. أجبت بالإيجاب. ثم قال الأسد إنه سيوافق، بشرط أن تتم العملية تحت رعاية ووساطة مباشرة من الرئيس الأمريكي آنذاك، بيل كلينتون. وقد تحقق ذلك بالفعل، ووصلت المفاوضات إلى ما عُرف لاحقًا باسم وديعة رابين".
وعن الأردن، قال إنه "بناءً على ذلك، يجب أن يرتكز رهاننا الوطني بقوة على تعزيز الدولة من الداخل وتوطيد مرونة العلاقة بين الحكومات والمجتمع. وهذا يشكل صمام الأمان الحقيقي للأمن القومي الأردني في مواجهة السياسات الإسرائيلية وأي تهديدات خارجية.
وفي هذا السياق، من الضروري التأكيد على خطورة معضلة البطالة، التي تُمثل بالفعل المصدر الرئيسي للتهديد للتماسك الوطني والاستقرار الاجتماعي. لذا، ينبغي التعامل مع البطالة على أنها أولوية قصوى لأي حكومة أردنية، مع بذل جهود متواصلة لخلق فرص عمل للشباب وتوسيع النطاق الاقتصادي والآفاق المتاحة لهم، محليًا ودوليًا".
وقال الكباريتي "علمتنا الحروب الإسرائيلية الأخيرة في المنطقة درسًا بالغ الأهمية: التماسك الداخلي، إلى جانب المرونة النفسية والمعنوية، أمر حيوي لتقوية الدولة وتعزيز قدرتها على الصمود أمام الضغوط. وهكذا، أصبح الاعتماد على الذات -بدلاً من الاعتماد على جهات فاعلة دولية أو إقليمية خارجية- ضرورة حتمية. من الواضح أن السياسات الإسرائيلية الحالية لا تُسهم في الاستقرار الإقليمي؛ بل من المرجح أن تُؤدي إلى الفوضى وترسيخ نمط من الهيمنة العسكرية والأمنية والاستراتيجية الإسرائيلية المبنية على إضعاف البيئة العربية المحيطة، لا سيما في حالة لبنان وسوريا".
وختم بأن "السياسات الإسرائيلية الحالية لا تُفضي إلى الاستقرار الإقليمي؛ بل من المرجح أن تُؤدي إلى الفوضى وترسيخ نمط من الهيمنة العسكرية والأمنية والاستراتيجية الإسرائيلية المبنية على إضعاف البيئة العربية المحيطة، لا سيما في حالة لبنان وسوريا.
بينما نقوم بتقييم المشهد الإقليمي، يجب ألا نغفل حجم الدمار الذي لحق بالمنطقة على مدى ربع القرن الماضي. إن إعادة إعمار غزة وسوريا وجنوب لبنان المتوقعة تتطلب مئات المليارات من الدولارات. من يملك القدرة على تمويل مثل هذا المشروع؟ لا أحد. يمثل هذا عبئًا ماليًا واقتصاديًا هائلًا وغير مستدام لا تستطيع أي دولة بمفردها تحمله. حتى المقترحات التي تدعو إلى خطة مارشال جديدة للمنطقة لا يمكن أن تتحقق دون رؤى سياسية موازية مصحوبة بأطر اقتصادية، فضلًا عن قدر من التكامل الإقليمي. يفترض هذا السيناريو نهاية حقبة الحروب والصراعات الإقليمية وبداية مرحلة تاريخية جديدة، وهي شروط لا تزال غائبة بشكل واضح، على الأقل في المستقبل المنظور".