دمشق الجديدة في الجزائر.. أول اختبار لعلاقات ما بعد بشار الأسد

السؤال المطروح هو ما إذا كانت العلاقات بين الجزائر ودمشق ستظل محكومة بإرث المرحلة السابقة، أم أنها تتجه نحو صياغة شراكة جديدة تستجيب للتحولات التي شهدتها سوريا والمنطقة بأسرها خلال السنوات الأخيرة.. فيسبوك
اتفقت الجزائر وسوريا، على إعادة بعث آليات التعاون الثنائي وتوسيع مجالات الشراكة الاقتصادية والقطاعية، خلال زيارة أجراها وزير الخارجية السوري أسعد حسن الشيباني إلى الجزائر هي الأولى لمسؤول سوري بهذا المستوى منذ سقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024.

وجاءت الخطوة عقب مباحثات أجراها الشيباني مع وزير الدولة وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية أحمد عطاف، أمس الخميس في الجزائر، تناولت واقع العلاقات الثنائية وآفاق تطويرها، إلى جانب عدد من الملفات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.

وقالت وزارة الخارجية الجزائرية في بيان إن الجانبين اتفقا على إعادة تفعيل اللجنة العليا المشتركة ومجلس الأعمال الجزائري السوري، فضلاً عن تشكيل لجان قطاعية لتحديد أولويات التعاون في مجالات الطاقة والزراعة والمناجم والنقل والتكوين.

وأكد الطرفان، بحسب البيان، أهمية تعزيز الحلول السلمية للأزمات والنزاعات الإقليمية والدولية، وتكثيف التنسيق حول القضايا العربية والإفريقية.



أول اختبار للعلاقات بعد سقوط الأسد


وتكتسب الزيارة أهمية خاصة لكونها الأولى لمسؤول سوري رفيع إلى الجزائر منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2024، وهي تأتي بعد أشهر من زيارة أجراها وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف إلى دمشق في شباط/ فبراير 2025، في إطار مساعي البلدين للحفاظ على قنوات التواصل بعد التغيير السياسي الذي شهدته سوريا.

ويمثل اللقاء بين وزيري خارجية البلدين أول اختبار فعلي لشكل العلاقة بين الجزائر والسلطات السورية الجديدة، في ظل إرث سياسي طويل ربط الجزائر بالنظام السابق طوال سنوات الحرب السورية.

الجزائر وحليفها العربي الأخير


وخلال سنوات النزاع السوري، برزت الجزائر باعتبارها واحدة من أكثر الدول العربية تمسكاً بالعلاقات الدبلوماسية مع دمشق، إذ رفضت قطع علاقاتها مع نظام بشار الأسد، وعارضت سياسة العزل العربية التي فُرضت على سوريا بعد عام 2011.

كما دافعت الجزائر في أكثر من مناسبة عن ضرورة استعادة سوريا مقعدها داخل جامعة الدول العربية، واعتبرت أن معالجة الأزمة السورية يجب أن تتم عبر الحلول السياسية والحوار، لا من خلال الإقصاء والعقوبات.

وعندما استضافت الجزائر القمة العربية عام 2022، بذلت جهوداً دبلوماسية لإعادة دمشق إلى محيطها العربي، قبل أن يتحقق ذلك رسمياً خلال قمة جدة عام 2023.

وعلى الرغم من أن الجزائر كانت تؤكد أن موقفها نابع من رفض التدخلات الخارجية واحترام سيادة الدول، فإن خصومها رأوا في ذلك دعماً سياسياً غير مباشر لنظام الأسد في مواجهة الضغوط العربية والدولية.

براغماتية سياسية أم مراجعة للمواقف؟


ويعكس استقبال الجزائر لوزير الخارجية السوري في ظل النظام الجديد توجهاً براغماتياً يهدف إلى الحفاظ على المصالح والعلاقات التاريخية بين البلدين بعيداً عن طبيعة السلطة الحاكمة في دمشق.

كما يعكس إدراكاً جزائرياً للتحولات التي شهدتها الساحة السورية بعد نهاية حكم عائلة الأسد، وحرصاً على عدم خسارة موقعها التقليدي داخل الملف السوري، خاصة في ظل التنافس الإقليمي على بناء علاقات مع السلطات الجديدة.

وفي المقابل، تبدو دمشق الجديدة معنية بتوسيع شبكة علاقاتها العربية واستقطاب الدعم السياسي والاقتصادي لإعادة الإعمار واستعادة الحضور الإقليمي، وهو ما يمنح العلاقات الجزائرية السورية فرصة جديدة لإعادة التموضع على أسس مختلفة عن تلك التي حكمتها خلال العقد الماضي.

بين الماضي والمستقبل


ورغم أن سقوط نظام بشار الأسد أنهى مرحلة كاملة من تاريخ العلاقات السورية العربية، فإن الزيارة الحالية تظهر أن الروابط التي نسجتها الجزائر مع الدولة السورية خلال سنوات الحرب لا تزال تشكل قاعدة يمكن البناء عليها في المرحلة الجديدة.

ويبقى السؤال المطروح هو ما إذا كانت العلاقات بين الجزائر ودمشق ستظل محكومة بإرث المرحلة السابقة، أم أنها تتجه نحو صياغة شراكة جديدة تستجيب للتحولات التي شهدتها سوريا والمنطقة بأسرها خلال السنوات الأخيرة.