لا تتوقف مؤشرات المقاطعة العالمية لدولة
الاحتلال: رسمياً وشعبياً، وآخرها تأجيل محاضرة في
المتحف البريطاني كانت مقررة عن "التاريخ اليهودي".
خبير الشؤون الأمنية،
عوزي رابي، ذكر أن "المتحف البريطاني ليس قاعة محاضرات، بل أحد أهم المؤسسات الثقافية في العالم، فهو معبد للذاكرة والآثار، والإمبراطوريات، ولهذا السبب يُعدّ تأجيل محاضرة عن مملكتي إسرائيل ويهوذا فيه حدثًا جللًا يتجاوز مجرد خطأ في الجدول الزمني، ولم يعد الأمر نزاعًا حول إسرائيل المعاصرة، ولا محاضرة عن الحكومة الإسرائيلية، أو عن حرب
غزة، أو عن حدود عام 1967، بل محاضرة عن إسرائيل ويهوذا القديمتين، عن التاريخ اليهودي كما يتجلى في إحدى أهم المجموعات الأثرية في العالم".
وأضاف في مقال نشره موقع ويللا، وترجمته "عربي21" أن "تأجيل هذه المحاضرة اليهودية في المتحف البريطاني يعني أن ثمة خنق ثقافي هنا تتعرض له إسرائيل، فنجن لسنا أمام أمر رقابي، ولا وزيرًا أمر بحذف فصل، ولا أمرًا قضائيًا، بل شيءٌ أخف وطأة، لكنه أخطر، ويتمثل بأجواء تُفضّل فيه مؤسسة ثقافية عريقة تأجيل حدث تاريخي يهودي خشيةَ أن يُهدّد البعض المعادي لهم بتعطيله".
وأوضح أن "المتحف البريطاني سيعتبر أنه سعى لحماية الفعالية والمحاضرين والجمهور والموظفين، صحيح أنه لا ينبغي الاستهانة بالمسائل الأمنية، لكن اختبار الثقافة لا يُجرى في يومٍ يسوده الهدوء، بل يُجرى تحديدًا في يومٍ تسوده الضوضاء في الخارج، وفي يومٍ تُهدد فيه مجموعةٌ معينة بتعطيل محاضرة، فلا يقتصر السؤال على كيفية الحفاظ على النظام، بل يتعداه لتحديد من يُحدد ما يُسمح بقوله داخل المتحف، سواء أمناء المتحف والباحثون، أم المستعدون لتحويل المعرفة إلى ساحة صراع، وهذه هي النقطة المُقلقة".
وأكد أن "إلقاء محاضرة عن مملكتي إسرائيل ويهوذا كجزء من تاريخ الشرق الأدنى القديم في المتحف البريطاني ليست موقفًا يمكن أن يُجادل حول التفسير والسياق والمصطلحات والسياسة المعاصرة، لكن لا يُمكن تحويل مجرد الخوض في التاريخ اليهودي إلى حدثٍ مُريب، لأنه إذا المتحف يعرض تاريخ إمبراطوريات غزت، وشعوبًا سُحقت، وأديانًا تصادمت، ونقوشًا كُتبت بالدماء والنار، لكنه يعجز عن إلقاء محاضرة عن إسرائيل ويهوذا القديمتين، استسلاما لخوفه من التشويش، فماذا ستقول المؤسسات الأصغر حينها؟".
وزعم أن "الرسالة الموجهة إلى اليهود في
بريطانيا بعد هذا الحدث أن نشر ثقافتكم مشروط بصمت الآخرين، وموافقتهم، بعبارة أخرى، لن يُسمع تاريخكم إلا إذا لم تُغضبوا أعداءكم، حتى مملكتي إسرائيل ويهوذا، اللتين وُجدتا قبل آلاف السنين من الصراع الحالي، يجب أن تخضعا الآن لفلترة سياسية، وعندما تتحول محاضرة عن التاريخ اليهودي إلى حدث أمني، فإن المشكلة ليست في التاريخ اليهودي نفسه، بل في مجتمع غربي اعتاد الخوف منه".
وأوضح أن "الأمر لم يعد مجرد نقاش حول إسرائيل، أو حرب، أو حكومة معينة، بل مرحلة جديدة تتمثل بانتقال من اتهام إسرائيل بجرائم مختلفة إلى إنكار تدريجي لطبيعة اليهود، وتاريخهم، وثقافتهم، وبالتالي فقد انتقلوا إلى مرحلة من الخنق الثقافي، لأنها باتت تُصوَّر كشذوذ أخلاقي؛ وتصبح محاضرة عن تاريخها القديم حدثاً خطيراً، مما يعني الطعن في شرعية الدولة؛ وصولا لأن تصبح ذاكرتها التاريخية موضع شك".
ولا ينظر لهذا الحدث على أنه مسألة عابرة، بل استمرارا في محاولات تجنب دعم دولة الاحتلال عالمياً، حتى في العواصم الأكثر قرباً لها، مثل لندن، على خلفية جرائمها التي ترتكبها ضد الشعب
الفلسطيني، ما يؤشر على تنامي انتقادها في المحافل الثقافية والأكاديمية.