تتجه دولة
الاحتلال
للانتخابات بعد تحركات في
الكنيست من أجل حل نفسه، مما زاد من حجم الضجيج الهائل،
وسط إخفاقات لا تنتهي، والتهديد بالعنف في شوارع الاحتلال.
رئيس الكنيست الأسبق،
ورئيس الوكالة اليهودية، أبراهام بورغ، أكد أن "الساحة السياسية والحزبية
الإسرائيلية تشهد حالة من الفوضى، ولا يدري أحدنا إن كان مع أو ضد، فيما يصطف
طابور طويل من المرشحين: الحقيقيين والمختلقين، ينشرون ريش طاووسهم الباهت للعرض،
ويطلبون ثقة الناخب الإسرائيلي كي يخونوه بعد الفوز، وسط آلاف الشعارات التي
ترفرف في الهواء، وصعوبة التركيز على الأمر الجوهري".
وأضاف في مقال نشره
موقع
ويللا، وترجمته "عربي21" أنه "وسط شعور الناخب المحرج
والمراقب الحائر، تبدو خريطة
الانتخابات الإسرائيلية، حيث يقام في الطبقة العليا
الخارجية والاستعراضية، عرض الانتخابات، مثل برنامج واقعي، ومنافسة بين من قتل
عددًا أكبر من العرب، لأنه لا أحد يُقدم أفكارًا حقيقية، أو قيمًا، أو بدائل، مجرد
تكرار لما هو موجود، ولكن باختلاف طفيف، والأحزاب المتنافسة لا تملك رؤية للعالم،
بل مجرد منصات تسويقية للترويج للنموذج الذي تتبناه، ولا يكاد أي ناخب يُصوّت
للأيديولوجيا".
وأشار أنه "ضمن
هذه الثقافة الهامشية يختار الناخبون الإسرائيليون زعماءهم ومرشحيهم الأقل سوءًا
من بين الطبقة الأثقل والأكثر سُمِّيَّة؛ ويبقى السؤال الأزلي: هل نتنياهو على حق
أم على خطأ، لأنه لسنوات، تمكن هذا الرجل المُزيّف من فعل أخطر شيء يمكن أن يفعله
سياسي بالنظام السياسي، وأن يُحوّل نفسه إلى شمس يدور حولها النظام السياسي
بأكمله، مثل أحد ملوك فرنسا المطلقين، أقنع نفسه وحاشيته بأنه هو الدولة، وتوقف
مؤيدوه عن التساؤل عن الصواب واللائق، والخطأ والفاحش".
وأكد أن "معارضي
نتنياهو توقفوا عن التساؤل عن نوع المجتمع الذي يريدونه، وانشغلوا بتحدٍ محدود:
كيف نتخلص من هذا الحثالة، وهكذا، تفككت إسرائيل من دولة تتطلب نقاشًا سياسيًا
حول قضايا وجودية عالقة، إلى جماعات متناحرة، لكل منها عبادة شخصية هنا، وهوس
بشخصية أخرى هناك، حالة من الهوس الجماعي تجاه شخص واحد، لا توجد مشكلة حدود، أو
احتلال، أو اقتصاد، أو تمييز، أو عنف، أو جريمة، أو فساد، أو عدالة، أو سلام، فقط
نعم، بيبي ليس بيبي".
وأوضح أن "هذه
الطبقة الحزبية ليست القصة الحقيقية أيضًا، فخلف الصراع من أجل نتنياهو تكمن حقيقة
أشد قسوة، حيث استسلم النظام السياسي في إسرائيل برمته تقريبًا لحقيقة أن
الفلسطينيين لن ينالوا أبدًا حرية حقيقية بين البحر والأردن، وأن اليهود سيبقون
للأبد عالقين في براثن هذا العداء، وهنا تنتهي الاختلافات الرئيسية بين الكتلتين،
وتوقف اليمين الإسرائيلي عن الشعور بالخجل مما حاول إخفاءه، ويتحدث علنًا عن تهجير
الفلسطينيين، ويعمل على تنفيذه".
وأضاف أنه "في
ذروة التحضير للانتخابات، تعمل ميليشيات المستوطنين بروح الوزراء وأعضاء الكنيست
"لتطهير" الأراضي المحتلة، ومحو القرى والمجتمعات، وإحداث المجاعة
والطرد والدمار الشامل، حتى يكملوا كارثة عام 1948، وقد أطلقت حرب أكتوبر 2023
العنان لهذه النزعات المظلمة فيهم، حثث نضجت دورة الاحتلال والحصار، والتجريد من
الإنسانية، والآن ستصوت قطاعات كبيرة من الجمهور لسياسيين يحلمون بالإبادة
الجماعية، ويأكلون الكعك مع حبل المشنقة، ويحققون حلمهم بالتهجير حيثما
أمكن".
وأشار أنه "في
مقابل هذا اليمين الفاشي يقف البديل الليبرالي، بعد أن توقفوا منذ فترة طويلة عن
كونهم بديلاً قائمًا على القيم، وبَدَوْا مجرد أسلوب أكثر تحضرًا لإدارة الواقع
نفسه، ويشعرون بالصدمة، ويدينون خصومهم من اليمين، لكن لا يملك أي منهم الأدوات
الأساسية لتقديم بديل كامل لجرائم إسرائيل، ولذلك فإن التصويت لهم ليس تصويتًا
لجرائم الإبادة الجماعية، بل لجريمة أخرى وهي الفصل العنصري، لأنهم يريدون
احتلالًا بالمحكمة العليا، وسيادة يهودية بلغة دستورية".
وأكد أن "هذا هو
الفرق الحقيقي اليوم بين قطاعات واسعة من الوسط واليمين حول جوهر السيطرة على
الفلسطينيين، وهذه هي النتيجة المحزنة المتمثلة بالخيارات الحقيقية بين الإبادة
الجماعية والفصل العنصري، وباتت كل حملة انتخابية تُخيفنا بأن هذه الانتخابات هي
الأكثر مصيرية، مع أنها هذه المرة هي بلا شك مصيرية، بل وأكثر مأساوية من أي وقت
مضى، حيث سيذهب ملايين الإسرائيليين لصناديق الاقتراع بشعور أنهم يختارون بين
خيارات مختلفة، مع أنه عمليًا لا أحد تقريبًا يقدم لهم مخرجًا حقيقيًا من هذا
المأزق".
وأكد أنه "لا
توجد قوة سياسية إسرائيلية مؤثرة مستعدة لقول الحقيقة البديهية وهي أنه لن تكون
هناك إسرائيل، ببساطة لن تكون هناك، لأن هؤلاء الصهاينة على مرّ الزمن سيحافظون
على واقع يمنح اليهود حرية مطلقة، ويحكم الفلسطينيين للأبد بقسوة غير مسبوقة، وما
رأيناه حتى الآن ليس سوى البداية، وسيصبح النظام الإسرائيلي برمَّته حتمًا أكثر
عنفًا وفسادًا وقسوة، وهذا فشلًا أخلاقيًا ليس عابرًا".
وختم بالقول إن
"الانتخابات المقبلة ليست بين مستقبلين مختلفين، بل بين درجات متفاوتة من
الإنكار، بين من يُمجِّدون علنًا العنف الذي بُني عليه النظام الإسرائيلي، ومن
يفضلون تغليفه بلغة أكثر تهذيبًا ورصانة، ولعل هذه أعمق هزيمة للمجتمع الإسرائيلي
اليوم".