تحليل لـCNN: كيف بات ترامب عالقا في معركة لا مخرج له منها مع إيران؟

لم تنجح أيّ من تحركات أمريكا المفاجئة في الإطاحة بالنظام الإيراني أو إخضاع طهران لشروط واشنطن - البيت الأبيض
بعد أكثر من شهرين على بدء حرب يعتبرها حكام إيران مسألة وجودية، يبدو أن الرئيس الأمريكي ترامب بات عالقاً في فخين صنعهما بنفسه، أحدهما جيوسياسي والآخر داخلي، حيث ما زال غير قادر على إخضاع طهران لشروط واشنطن.

ووفق تحليل لشبكة "سي أن أن"، جاء فيه أن الكلمات لن تحسم حروباً، ولن تنهي صراعاً أشعله ترامب منذ زمن مع إيران، لافتاً إلى أن الرئيس الأمريكي لا يزال عاجزاً عن إيجاد مخرج من حرب كان من المفترض ألا تتجاوز شهراً ونصف، والتي دخلت الآن أسبوعها العاشر.

وأوضح "ستيفن كولينسون" أنه مع استمرار الصراع، يضيق نطاق خيارات ترامب السياسية في الداخل، بالتزامن مع انخفاض شعبيته إلى ما يقارب 30 بالمئة، وارتفاع أسعار البنزين إلى أكثر من 4.50 دولار للغالون، وتزايد المعارضة الشعبية للحرب، ولم يعد لديه أي مجال سياسي لمواصلة شنها.

وأكد أن ترامب يجد نفسه اليوم في مأزق، وهو ما يفسر مزاعمه المتفائلة باستمرار بشأن إحراز تقدم في محادثات السلام، وميله إلى الإعلان عن استراتيجيات عسكرية أو تغييرها فجأة.

وذكر تحليل الشبكة أن الأمل الأخير يتمثل في مذكرة من صفحة واحدة يجري التفاوض عليها حالياً مع البلدين، فيما تلعب باكستان دور الوسيط، ومن شأن هذه الوثيقة إنهاء الحرب وبدء مهلة 30 يوماً لحل النقاط العالقة.

ولفتت إلى أن هذا الأمر قد يروق لترامب الذي يميل إلى البساطة، لكن مذكرة من صفحة واحدة، حتى لو تم الاتفاق عليها، تبدو غير كافية لحل نهائي لمشاكل الولايات المتحدة مع طهران التي استمرت قرابة نصف قرن، بما في ذلك برنامجاها النووي والصاروخي.

كما أن هناك مطالب إيران الداعية إلى تخفيف العقوبات بشكل كبير لإنعاش اقتصادها، ورغبتها في الاستفادة من مرور ناقلات النفط والغاز عبر مضيق حولته إلى ميزة استراتيجية رئيسية.

ومن وجهة نظر واشنطن، اتسمت هذه الحرب بالارتباك الاستراتيجي والتحولات المفاجئة والغموض بشأن كيفية انتهائها. ويزداد الوضع سوءاً.

واستشهد التحليل بتصريحات وزير الخارجية ماركو روبيو، الثلاثاء، التي أشار فيها إلى انتهاء الحرب، حيث أمضى قرابة ساعة في الترويج لعملية أخرى كان ترامب قد أعلن عنها قبل ساعات في محاولة لإعادة فتح مضيق هرمز.

ولكن في غضون ساعات قليلة، تم تعليق "مشروع الحرية" بعد أن اقتصرت مهمته على إنقاذ عدد قليل من السفن، وقال ترامب إنه كان يسعى لتعزيز محادثات السلام. إلا أن التبني السريع والتخلي عن النهج الأمريكي الأخير لم يُرسلا رسالةً تُذكر عن عزم الولايات المتحدة.

وكان مشروع الحرية، الذي لم يدم طويلاً، أحدث استخدام لترامب لما وصفه تريتا بارسي، خبير الشؤون الإيرانية في معهد كوينسي للحكم الرشيد، باستراتيجية "الرصاصة الفضية" - أي الاعتقاد بأن إجراءً حاسماً واحداً كفيلٌ بإجبار إيران على التراجع.

في البداية، اغتالت الولايات المتحدة وإسرائيل المرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي، في حملة قصف، تلا ذلك حملة قصف مُرعبة استهدفت مواقع عسكرية، ثم فُرض حصار على السفن والموانئ الإيرانية. ثم جاء "مشروع الحرية" واختفى في غضون ساعات قليلة.

في المحصلة، لم تنجح أي من تحركات أمريكا المفاجئة في الإطاحة بالنظام الإيراني بعد أن حلّت طبقة جديدة من المتشددين محل قادتهم القتلى، كما لا توجد أي بوادر على انقسام في سيطرة الحرس الثوري قد ينذر بانهيار النظام.

أما كل من كان يأمل في وضوح الرؤية من القائد الأعلى أو في رؤية واضحة لنهاية متماسكة، فقد خاب أمله بتصريحاته في البيت الأبيض، الأربعاء، أمام مجموعة من أمهات العسكريين، حيث بدا ترامب غامضاً وغير مبالٍ، مُقللاً من شأن الحملة العسكرية.

واللافت أيضاً إصرار ترامب على مقارنة الحرب الحالية مع إيران، والتي مضى عليها ما يقرب من 70 يوماً، بالغارة الخاطفة التي استمرت لساعات وأطاحت بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وهو ما يوحي بمواصلة الرئيس أسلوب الـ"إنكار والتضليل". 

كيف فشلت الحرب في تحقيق نجاح استراتيجي؟

من المتوقع بحسب التحليل، أن تكون هذه الحرب درساً في كيفية تمكّن الدول الأصغر حجماً والأقل تسليحاً من تحدّي القوى العظمى بحرب غير متكافئة.

ومن المرجح أن تكون عدم رغبة ترامب في نشر عشرات الآلاف من القوات البرية تصرفاً حكيماً يعكس ضبط النفس بالنظر إلى تاريخ أمريكا الحديث، إلا أن ذلك جعل تحقيق نصر عسكري حاسم أمراً بعيد المنال.

إلا أن القيود المفروضة على العمليات الأمريكية، إلى جانب إدراك إيران لقوة سيطرتها على المضيق، الأمر الذي ألحق ضرراً بالغاً بالاقتصادات العالمية، وما ترتب عليه من ضغوط سياسية على ترامب، قد زاد من تعقيد المشهد العسكري.

وقال الباحث المتميز في صندوق مارشال الألماني بالولايات المتحدة، إيان ليسر، إن "تطور الصراع برمته حتى الآن يُبرز الفجوة الهائلة بين القدرة العملياتية الأمريكية، وهي قدرة كبيرة، وصعوبة تحقيق نتيجة استراتيجية بشروط يعتبرها معظم الناس ناجحة".

هذا الانفصال يفسر عدم قدرة ترامب على فرض نصر استراتيجي أمريكي سريع وحاسم وفقاً للشروط التي ذكرها المسؤولون في بداية الحرب والتي تضاهي النصر العملياتي الذي حققه الجيش.

فلم تشهد إيران أي انتفاضة ضد حكامها، ولم تتخلَّ طهران بشكل قاطع عن طموحاتها في امتلاك برنامج نووي، كما لم توافق على تسليم مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب. ولا توجد ضمانات بأن الحرس الثوري لن يحاول إعادة بناء شبكاته الوكيلة في لبنان أو غزة.

كيف تشظَّى موقف أمريكا التفاوضي؟

كشف روبيو، وربما دون قصد وفقاً لـ"سي إن إن"، عن نقاط ضعف في الموقف التفاوضي الأمريكي في غرفة الإحاطة الإعلامية بالبيت الأبيض، الثلاثاء، وأصرَّ على أن الحصار البحري الأمريكي سيُجبر إيران في نهاية المطاف على الرضوخ.

وقال وزير الخارجية إن "تفضيل" الولايات المتحدة هو إعادة فتح مضيق هرمز: "يمكن لأي شخص استخدامه. لا ألغام في الماء. لا أحد يدفع رسوم عبور. هذا ما يجب أن نعود إليه، وهذا هو الهدف".

لكنَّ المضيق كان مفتوحاً قبل اندلاع الحرب، وقد اكتشفت إيران الآن أنه يمكن استخدامه كأداة ردع رئيسية. إنَّ كون هذا الممر المائي الحيوي محور المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران يؤكِّد كيف انقلبت موازين القوى الاستراتيجية للحرب لصالح طهران.

من أجل سلامة أفراد الجيش الأمريكي المعرَّضين للخطر، والمدنيين الإيرانيين العُزَّل، والأمريكيين المتضرِّرين من ارتفاع أسعار الوقود، وشعوب العالم المتضرِّرة اقتصادياً من حرب ترامب، يُعدُّ التوصُّل إلى حل سريع أمراً بالغ الأهمية.