يتصاعد الجدل داخل
الأوساط الأكاديمية والسياسية في
الولايات المتحدة حول تراجع
النفوذ الأمريكي
العالمي، في ظل اعتماد متزايد على القوة العسكرية والضغط الاقتصادي، مقابل تراجع
دور الأدوات الدبلوماسية والثقافية التي شكلت لسنوات طويلة أحد أعمدة التأثير
الأمريكي في الخارج.
نشرت مجلة
فورين بوليسي
مقالًا للمحاضر في الشؤون الدولية بجامعة هارفارد ستيفن وولت، تناول فيه بشكل موسّع
تراجع
القوة الناعمة للولايات المتحدة الأمريكية، معتبرًا أن هذا التراجع لم يعد مجرد
مؤشرات متفرقة أو نقاش أكاديمي، بل أصبح، بحسب تعبيره، مسارًا متسارعًا يطال واحدة
من أهم ركائز النفوذ الأمريكي في العالم.
وأكد وولت في مستهل
مقاله أن الولايات المتحدة، رغم استمرار تفوقها العسكري والاقتصادي، تواجه أزمة متزايدة
في قدرتها على التأثير الجاذب في الآخرين، موضحًا أن ما يميز النهج الأمريكي في السياسة
الخارجية خلال الفترة الأخيرة، خصوصًا في عهد الرئيس
دونالد ترامب، ليس فقط طبيعة الأهداف
التي تسعى إليها واشنطن، وإنما الأدوات التي يتم الاعتماد عليها بشكل متزايد، وعلى
رأسها القوة الصلبة، مقابل تراجع واضح في الاهتمام بما يُعرف بـ"القوة الناعمة".
وأشارت المجلة إلى
أن مفهوم القوة الناعمة، كما صاغه أستاذ العلاقات الدولية الراحل جوزيف ناي، يقوم على
فكرة "قوة الجذب"، أي قدرة الدولة على جعل الآخرين يرغبون في محاكاتها والتقرب
منها والاقتداء بنموذجها، بدلًا من إجبارهم أو الضغط عليهم. وتابع ناي في تعريفه أن
هذا النوع من القوة لا يعتمد على الإكراه أو التهديد، بل على الصورة الذهنية للدولة،
وقيمها، ونموذجها السياسي والاقتصادي والثقافي.
وأضاف المقال أن الدول
التي تمتلك قوة صلبة كبيرة يمكنها التأثير عبر الضغط العسكري أو الاقتصادي أو تقديم
الحماية والمساعدات، لكن الدول التي تتمتع بقوة ناعمة واسعة النفوذ تستطيع، بحسب هذا
المفهوم، تحقيق تأثير أعمق وأكثر استدامة، لأن الآخرين يتعاملون معها بدافع الإعجاب
أو الاقتناع أو الرغبة في الارتباط بنموذجها.
وتابع وولت أن جوزيف
ناي كان يرى في الجمع بين القوة الصلبة والقوة الناعمة أحد أهم أسرار التفوق الأمريكي
في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، وهو ما دفعه إلى التفاؤل طويلًا بشأن مستقبل الولايات
المتحدة، ورفض التوقعات التي تحدثت عن تراجعها، إلا أن هذا التفاؤل، وفق المقال، بدأ
يتراجع في السنوات الأخيرة مع ملاحظة تآكل متزايد في الجاذبية العالمية للنموذج الأمريكي.
وأكدت المجلة أن وولت
يرى أن التحول الأبرز بدأ يتضح بشكل أكبر خلال فترة حكم ترامب، خاصة في ولايته الثانية،
حيث بات الاعتماد على القوة الصلبة هو الخيار الأول في السياسة الخارجية الأمريكية،
سواء من خلال استخدام التهديدات الاقتصادية مثل فرض الرسوم الجمركية لإجبار الشركاء
التجاريين على اتفاقات أحادية، أو من خلال التوسع في استخدام القوة العسكرية في أكثر
من ساحة دولية.
وأشار المقال إلى أن
الإدارة الأمريكية، بحسب وصف وولت، لجأت في أكثر من مناسبة إلى استخدام القوة العسكرية
ضد أهداف في مناطق متعددة، بما في ذلك عمليات استهداف لمهربي مخدرات مزعومين في الكاريبي
والمحيط الهادئ، دون تقديم أدلة واضحة في بعض الحالات حول هوياتهم أو مدى تورطهم، مع
الاعتراف في الوقت نفسه بأن هذه العمليات لن تحقق تأثيرًا كبيرًا على تجارة المخدرات
غير المشروعة.
كما تناول المقال تصريحات
للرئيس ترامب اتسمت، بحسب وولت، بلغة هجومية تجاه قادة دول آخرين، من بينهم الرئيس
الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، حيث أبلغه بأنه "لا يملك أوراقًا رابحة" وعليه
التوصل إلى تسوية مع روسيا، إضافة إلى استمرار سياسة الحصار المفروض على كوبا بهدف
زيادة الضغط على النظام هناك ودفعه نحو الاستسلام.
وتابعت فورين بوليسي
أن الكاتب اعتبر أن أكثر ما يلفت الانتباه في هذا النهج هو غياب الجهود التقليدية التي
اعتادت الإدارات الأمريكية السابقة القيام بها لتبرير استخدام القوة أو إضفاء شرعية
عليه أو محاولة تغليفه بخطاب دبلوماسي أو قانوني، مشيرًا إلى أن هذا التحول يمثل خروجًا
واضحًا عن نمط تاريخي اعتمدته الولايات المتحدة لعقود.
وأضاف وولت أن معظم
القوى الكبرى، رغم لجوئها إلى القوة أحيانًا، كانت تحرص عادة على تقديم مبررات أخلاقية
أو قانونية أو سياسية لأفعالها، في حين أن الإدارة الأمريكية الحالية، بحسب تعبيره،
تبدو أكثر استعدادًا لإظهار القوة بشكل مباشر ودون مواربة، حتى في الحالات التي تثير
جدلًا قانونيًا أو أخلاقيًا واسعًا.
وأشار المقال إلى أن
هذا التوجه تزامن مع سياسات داخلية وخارجية ساهمت في تقويض بعض المؤسسات التي كانت
تمثل أدوات رئيسية للقوة الناعمة الأمريكية، مثل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية،
التي تعرضت لتفكيك واسع، إضافة إلى محاولات تقليص أو إنهاء دور مؤسسات إعلامية ودبلوماسية
اعتُبرت تقليديًا جزءًا من الحضور الأمريكي الناعم في العالم.
وتابع أن هذه السياسات
انعكست أيضًا على الحضور الأمريكي في المؤسسات الدولية، حيث انسحبت الولايات المتحدة
أو قلصت مشاركتها في عدد من المنظمات، ما أدى إلى تقليص دورها في صنع القرار العالمي،
وإضعاف قدرتها على التأثير في القضايا متعددة الأطراف.
وأكد المقال أن هذه
التحولات، وفق تحليل وولت، أدت إلى صورة دولية أكثر سلبية للولايات المتحدة في بعض
المناطق، في وقت بدأت فيه قوى منافسة، وعلى رأسها الصين، في تحسين صورتها الخارجية
نسبيًا، مستفيدة من تراجع الحضور الأمريكي في مجالات القوة الناعمة والدبلوماسية الثقافية.
وتابعت المجلة أن الكاتب
يرى أن الإدارة الأمريكية الحالية تتعامل مع العالم من خلال تقسيمه إلى قوى "رابحة"
وأخرى "خاسرة"، وهو ما ينعكس على تفضيل الحلول السريعة والصفقات المباشرة،
بدلًا من بناء علاقات طويلة الأمد تقوم على الثقة والتأثير التراكمي.
وأشار وولت إلى أن
هذا النهج يجعل الولايات المتحدة أقل قدرة على كسب تأييد الشعوب على المدى الطويل،
حتى في الدول الحليفة، لأن التركيز ينصب على النتائج الفورية وليس على بناء صورة إيجابية
مستدامة، وهو ما يضعف تدريجيًا أحد أهم مصادر النفوذ الأمريكي.
وتابع المقال أن أحد
الإشكالات الأساسية في السياسة الحالية يتمثل في النظر إلى التنازلات أو التسويات بوصفها
علامة ضعف، في حين أن التجارب التاريخية للسياسة الخارجية الأمريكية أظهرت أن كثيرًا
من النجاحات الكبرى تحققت عبر مزيج من القوة الصلبة والدبلوماسية الناعمة، وليس عبر
القوة العسكرية وحدها.
وأوضحت فورين بوليسي
أن وولت استشهد في هذا السياق بعدد من النماذج التاريخية، من بينها خطة مارشال، وتأسيس
حلف شمال الأطلسي، وحركة الحقوق المدنية، إضافة إلى سياسات تحرير التجارة والمفاوضات
التي ساهمت في إنهاء الحرب الباردة وإعادة توحيد ألمانيا، معتبرًا أن هذه النجاحات
كانت نتاج توازن بين الأدوات المختلفة للقوة الأمريكية.
وفي المقابل، أشار
المقال إلى أن الكاتب يرى أن العديد من الإخفاقات الكبرى في السياسة الخارجية الأمريكية،
مثل حرب فيتنام، والحروب الطويلة في العراق وأفغانستان، والتدخلات العسكرية في مناطق
مختلفة، ارتبطت بالاعتماد المفرط على القوة العسكرية كأداة حسم، دون مراعاة كافية لعوامل
الجذب والتأثير غير المباشر.
واختتم وولت مقاله
بالتأكيد على أن الولايات المتحدة ما زالت تمتلك حتى الآن عناصر قوة مهمة تجعلها قادرة
على التأثير عالميًا، إلا أنه حذّر من أن استمرار تآكل القوة الناعمة، وتزايد الاعتماد
على القوة الصلبة بشكل منفرد، قد يؤدي في النهاية إلى صعوبة الفصل بين صورة أمريكا
كفكرة ونموذج، وبين أفعال سياساتها المتغيرة، بما ينعكس سلبًا على مكانتها الدولية
على المدى الطويل.