برز خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على
إيران، وما تبعها من وقف لإطلاق النار، نمط جديد من الدبلوماسية الرقمية الإيرانية، حيث تحولت حسابات السفارات الإيرانية على منصة “إكس” إلى إحدى الأدوات الرئيسية في إدارة الرسائل السياسية وتوجيه الخطاب الإعلامي، وفق تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) أعده الخبير في الشأن الإيراني سوروش نيغاهداري.
وأوضح التقرير أن طهران وظفت هذه الحسابات في بث رسائل متزامنة خلال فترة الحرب، اعتمدت على أساليب غير تقليدية في الخطاب الدبلوماسي، شملت السخرية والمحتوى التفاعلي والميمز، في محاولة للتأثير على الرأي العام الدولي ومواجهة السرديات الغربية حول مجريات الصراع.
دبلوماسية رقمية بطابع ساخر
يشير التقرير إلى أن السفارة الإيرانية في زيمبابوي لجأت، في أحد منشوراتها اللافتة، إلى أسلوب ساخر في التعليق على مهلة أمريكية أعلنها الرئيس دونالد ترامب للتوصل إلى اتفاق مع إيران، حيث كتبت: “الثامنة مساء ليست توقيتا مناسبا. هل يمكن تغييره ليكون بين الواحدة والثانية ظهرا، أو إن أمكن بين الواحدة والثانية صباحاً؟”.
ومع تصاعد الحرب، ابتعدت الحسابات الدبلوماسية الإيرانية عن اللغة التقليدية، واتجهت إلى السخرية والميمز والردود غير الرسمية، في محاولة لمواجهة التصريحات الأمريكية وتشكيل رواية موازية في الفضاء الرقمي.
وبحسب التقرير، فقد عكست تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه إدراكا متزايدا لتأثير هذا النشاط، إذ قال في منشور له إن الإيرانيين “أفضل في التعامل مع الإعلام الزائف والعلاقات العامة مما هم عليه في القتال”، في إشارة إلى فعالية الحضور الإيراني على المنصات الرقمية.
وخلال الحرب، استخدمت الحسابات الإيرانية أساليب متعددة، تراوحت بين الفكاهة والنقد والاستفزاز، بهدف تقويض الروايات الغربية وتقديم سردية بديلة حول مجريات الصراع.
شبكة دبلوماسية رقمية منسقة
ويضيف التقرير أن وزارة الخارجية الإيرانية تدير نحو 130 حسابا دبلوماسياً تابعاً لسفارات وقنصليات على منصة “إكس”، شارك العديد منها في حملات متزامنة من حيث الرسائل والتوقيت والنبرة، ما يعكس مستوى عالياً من التنسيق الإعلامي.
وقد برزت بعثة جنوب أفريقيا ضمن أكثر الحسابات نشاطاً، عبر محتوى ساخر ومقاطع انتشرت على نطاق واسع، ركزت على انتقاد السياسات الأمريكية وتوجيه رسائل سياسية مباشرة، مستهدفة جمهوراً خارجياً بالأساس.
ويؤكد التقرير أن هذه الرسائل لا تستهدف الداخل الإيراني، إذ إن الوصول إلى منصات التواصل الاجتماعي داخل إيران ما يزال مقيداً بشكل كبير، مع استمرار القيود على الإنترنت خلال فترات الحرب.
وتُكتب معظم المنشورات باللغة الإنجليزية، وتُوجَّه إلى جمهور دولي يشمل معارضين للسياسات الأمريكية، وشرائح من الرأي العام الغربي، وجماهير في دول الجنوب العالمي، إضافة إلى فئات شبابية تتفاعل مع الخطاب الساخر والمباشر.
تنوع في أدوات التأثير
ويشير التقرير إلى أن السفارات الإيرانية اعتمدت تنوعاً واسعاً في الأدوات، شمل المحتوى الساخر، ومقاطع الفيديو المؤثرة، إضافة إلى مواد مولّدة بالذكاء الاصطناعي، في إطار استراتيجية تهدف إلى تعزيز التأثير الرقمي.
كما ركزت الحملة على الرد على التصريحات الأمريكية، خصوصاً تلك الصادرة عن ترامب، عبر تصويره بشكل ساخر أو إبراز تناقضات في مواقفه.
ومن بين أبرز الخطابات المتداولة، الردود الإيرانية الساخرة على تهديدات أمريكية تتعلق بمضيق هرمز، حيث تم تداول منشورات تتضمن نبرة تهكمية حول “فقدان مفاتيح” الممر المائي، في إشارة رمزية إلى أهمية المضيق الاستراتيجية.
وفي المقابل، لجأت بعض المواد إلى طابع أكثر جدية، من خلال استخدام الذكاء الاصطناعي لتصوير ضحايا الضربات الأمريكية–الإسرائيلية، في محاولة لإضفاء بعد إنساني على تداعيات الحرب.
إعادة توظيف التاريخ والسياسة
كما استخدمت الحسابات الإيرانية الإشارات التاريخية للرد على تهديدات بإعادة إيران إلى “العصر الحجري”، عبر التذكير بتاريخ البلاد وحضارتها الممتدة، في سياق خطاب يعزز الهوية الوطنية.
ومع إعلان وقف إطلاق النار، تحوّل الخطاب تدريجياً نحو إبراز “الصمود” و”الانتصار”، عبر منشورات تؤكد قوة إيران ومكانتها الإقليمية والدولية، إلى جانب صور ومحتوى رمزي جرى إنتاجه بالذكاء الاصطناعي.
ولم يقتصر النشاط الرقمي على السفارات، إذ شارك عدد من المسؤولين الإيرانيين في هذا الحضور الإلكتروني، من بينهم رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، الذي استخدم في البداية لغة حادة ومحتوى ساخراً قبل أن ينتقل لاحقاً إلى خطاب أكثر رسمية خلال مراحل التفاوض.
كما برزت مقاطع رسوم متحركة بأسلوب “ليغو” على منصات التواصل، استخدمت السرد البسيط والموسيقى لنقل رسائل مناهضة للحرب والولايات المتحدة، عبر إنتاج شركة “إكسبلوسيف ميديا”، التي تصف نفسها بأنها مستقلة رغم تقاطع محتواها مع الرواية الإيرانية.
استهداف الرأي العام الأمريكي
ووفق التقرير، فإن جزءاً من هذا المحتوى موجه بشكل مباشر إلى الجمهور الأمريكي، باستخدام موسيقى “هيب هوب” مولّدة بالذكاء الاصطناعي، ورسائل نقدية حادة تتهم الإدارة الأمريكية بالفساد وتحملها مسؤولية التصعيد، مع إشارات متكررة إلى علاقاتها بإسرائيل.
ويخلص التقرير إلى أن قياس التأثير الفعلي لهذه الحملة الرقمية داخل
الولايات المتحدة يظل صعباً، إلا أن الواضح أنها نجحت في بعض اللحظات في فرض حضورها ضمن الفضاء الرقمي، ومزاحمة الخطاب السياسي الأمريكي، بما في ذلك خطاب الرئيس دونالد ترامب، على منصات التواصل الاجتماعي.