واشنطن تشهر سلاح المساعدات.. العراق أمام خيار صعب بين طهران وأمريكا

العراق لا يزال يعاني من تداعيات الغزو الأمريكي - جيتي
أكدت صحيفة نيويورك تايمز في تقرير موسع أعدّه عدد من مراسليها أن العراق يواصل السير في مسار دقيق بين علاقتين متشابكتين مع كل من الولايات المتحدة وإيران، وهو ما يضعه في موقع بالغ الحساسية مع تصاعد التوترات بين الطرفين، خاصة بعد دخولهما في مواجهة مفتوحة خلال الفترة الأخيرة، الأمر الذي دفع واشنطن إلى تكثيف ضغوطها على بغداد لدفعها نحو الابتعاد عن طهران واتخاذ موقف أكثر وضوحًا.

وأشارت الصحيفة إلى أن الحكومة العراقية تتعرض لضغوط أمريكية متزايدة تدعوها إلى النأي بنفسها عن إيران، والعمل على كبح القوات العراقية المرتبطة بها، والتي تتهمها واشنطن بالوقوف وراء الهجمات الأخيرة التي استهدفت مصالح أمريكية داخل العراق، موضحة أن الولايات المتحدة صعّدت بالفعل من خطواتها عبر تعليق التعاون والتمويل المقدمين للأجهزة الأمنية العراقية، وذلك وفق ما أفاد به مسؤولان عراقيان.

ولفتت إلى أن وزارة الخارجية الأمريكية امتنعت عن التعليق المباشر على قرار تعليق الدعم، لكنها أكدت في الوقت نفسه أن واشنطن طالبت الحكومة العراقية بشن حملة صارمة ضد القوات المدعومة من إيران، بما في ذلك فصائل لها ارتباطات بمسؤولين داخل الحكومة العراقية، وهو ما يعكس حجم التعقيد في المشهد الداخلي العراقي.

ونقلت الصحيفة عن نائب المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية، تومي بيغوت، تأكيده أن الولايات المتحدة “لن تتسامح مع أي هجمات على مصالحها”، وأنها تتوقع من الحكومة العراقية اتخاذ إجراءات فورية وحاسمة لتفكيك القوات الموالية لإيران داخل البلاد.

وبيّنت الصحيفة أن قرار تعليق التعاون الأمني لا يقتصر على جانب واحد، بل يشمل وقف العمليات المشتركة بين الجانبين في مجال مكافحة الإرهاب، لا سيما ضد تنظيم الدولة الإسلامية، إضافة إلى تعليق برامج التدريب والدعم التي كانت تقدمها الولايات المتحدة للقوات المسلحة العراقية، وهو ما قد يؤثر بشكل مباشر على كفاءة تلك القوات في مواجهة التهديدات الأمنية.

وأشارت إلى أن وزارة الدفاع الأمريكية لم ترد في البداية على طلبات التعليق، لكنها أصدرت لاحقًا بيانًا أكدت فيه أنها تقوم بشكل مستمر بتقييم برامج المساعدات الأمنية المقدمة لحلفائها، لضمان توافقها مع أولويات السياسة الأمريكية.

وفي سياق متصل، أوضحت الصحيفة أن هذا التصعيد يأتي في أعقاب سلسلة من الهجمات التي استهدفت مواقع أمريكية في العراق منذ اندلاع المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى في أواخر فبراير الماضي، حيث تعرضت السفارة الأمريكية في بغداد وقواعد عسكرية ومرافق أخرى لهجمات متعددة، أعلنت ميليشيات مدعومة من إيران مسؤوليتها عن عدد منها، وذلك عقب غارة جوية استهدفت أحد مقار هذه الفصائل وأسفرت عن مقتل ثلاثة أشخاص، فيما حمّلت تلك القوات الولايات المتحدة وإسرائيل مسؤولية تنفيذ الغارة.

وأكدت الصحيفة أن التوتر تصاعد بشكل ملحوظ في التاسع من أبريل، عندما استدعى نائب وزير الخارجية الأمريكي، كريستوفر لاندو، السفير العراقي لدى واشنطن، نزار الخير الله، إلى مقر وزارة الخارجية، حيث أدان الهجمات الأخيرة، لا سيما الهجوم الذي وقع في اليوم السابق بالقرب من دبلوماسيين أمريكيين في بغداد، مشيرة إلى أن وزارة الخارجية الأمريكية أعلنت لاحقًا أن إحدى القوات استخدمت عدة طائرات مسيّرة في ذلك الهجوم.

وأشارت الصحيفة إلى أن مسألة تشكيل الحكومة العراقية الجديدة تحظى باهتمام بالغ من كل من الولايات المتحدة وإيران، حيث يسعى كل طرف إلى التأثير في شكل الحكومة المقبلة، لافتة إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كان قد هدد في يناير الماضي بسحب الدعم الأمريكي للعراق في حال عودة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي إلى منصب رئيس الوزراء، رغم أنه كان قد وصل إلى السلطة لأول مرة عام 2006 بدعم أمريكي، قبل أن تتدهور العلاقات خلال فترتي حكمه مع تزايد التقارب مع إيران.

وأضافت أن المالكي رد على هذه التهديدات عبر منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدًا أن العراقيين “يرفضون رفضًا قاطعًا هذا التدخل الأمريكي السافر”، في إشارة إلى حساسية التدخلات الخارجية في الشأن السياسي العراقي.

ونقلت الصحيفة عن مستشار الأمن لرئيس الوزراء العراقي، حسين علاوي، قوله إن الولايات المتحدة علّقت دعمها للأجهزة الأمنية العراقية إلى حين تشكيل حكومة جديدة، موضحًا أن عملية تشكيل الحكومة قد تستغرق أيامًا أو أسابيع، رغم عدم وضوح التوقيت بشكل دقيق، ومؤكدًا في الوقت نفسه ضرورة استمرار التعاون والتنسيق بين بغداد وواشنطن.

كما نقلت عن مسؤول في وزارة الدفاع العراقية، طلب عدم الكشف عن هويته، أن التعاون والتمويل الأمريكيين قد توقفا حتى إشعار آخر بسبب الهجمات التي نفذتها ميليشيات مدعومة من إيران ضد المصالح الأمريكية، موضحًا أن هذا التوقف سيؤثر بشكل خاص على الدعم اللوجستي للقوات الجوية العراقية، إضافة إلى برامج التدريب التي تعتمد عليها القوات المسلحة.

وأشارت الصحيفة إلى أن العراق يُعد من الدول ذات الأغلبية الشيعية في الشرق الأوسط، وهو ما جعل الأحزاب السياسية الشيعية، الأقرب إلى إيران، تشكل القوى الأكثر نفوذًا داخل الحكومة العراقية، الأمر الذي يزيد من تعقيد محاولات تقليص النفوذ الإيراني.

وبيّنت أن القوات الشيعية العراقية نشأت في أعقاب الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، حيث تشكلت في البداية لمهاجمة القوات الأمريكية، وتلقى بعضها تدريبًا وتسليحًا من إيران، قبل أن تنضم لاحقًا إلى التحالف الذي قادته الولايات المتحدة لمحاربة تنظيم “داعش” بعد سيطرته على مساحات واسعة من العراق، ثم أُدرجت معظم هذه الفصائل تحت إشراف رسمي ضمن قوات الأمن، بينما بقيت جماعات أكثر تشددًا خارج سيطرة الدولة، محتفظة بعلاقات وثيقة مع طهران.

وفي هذا السياق، نقلت الصحيفة عن المحلل السياسي رمزي مارديني، مؤسس شركة “جيوبول لابز”، تحذيره من أن القادة العراقيين يواجهون خطر انهيار الدولة إذا ما أقدموا على تفكيك القوات المرتبطة بإيران في الوقت الحالي، نظرًا لتغلغل هذه الجماعات داخل مؤسسات الدولة العسكرية والسياسية والاقتصادية.

وأوضح مارديني أن المشكلة لا تكمن فقط في نقص الإرادة أو القدرة لدى الحكومة العراقية، بل في غموض حدود الدولة نفسها، معتبرًا أن الضغوط الأمريكية تستند إلى افتراض خاطئ بأن الحكومة العراقية قادرة على التصرف ككيان موحد ومستقل، في حين أن الواقع أكثر تعقيدًا.

وأضاف متسائلًا: ما الذي يُعرّف “الدولة” في العراق في ظل وجود جهات مسلحة مستقلة متداخلة في بنيتها؟، مؤكدًا أن هذا الواقع لم تنجح إدارة دونالد ترامب في استيعابه بشكل كامل.

وفي مؤشر آخر على تصاعد التوتر، أشارت الصحيفة إلى أن السفارة الأمريكية في بغداد نشرت تحذيرًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي يفيد بأن ميليشيات مدعومة من إيران تخطط لتنفيذ هجمات ضد مواطنين أمريكيين وأهداف مرتبطة بالولايات المتحدة، كما جددت تحذيراتها من السفر إلى العراق، وأعلنت تعليق جميع خدماتها القنصلية.

كما لفتت إلى حادثة اختطاف صحفية أمريكية في بغداد من قبل إحدى القوات المتحالفة مع إيران، قبل أن يتم إطلاق سراحها بعد أسبوع من الاحتجاز، حيث أعلنت “كتائب حزب الله” الإفراج عنها “تقديرًا للمواقف الوطنية” لرئيس الوزراء العراقي الذي تدخل للإفراج عنها.

وأشارت الصحيفة إلى أن مسؤولين أمنيين عراقيين أفادا بأن هجوم الطائرة المسيّرة الذي وقع في الثامن من أبريل بالقرب من وفد السفارة الأمريكية خلال عملية الإفراج عن الصحفية، أثار غضبًا واسعًا لدى الجانب الأمريكي، الذي اعتبره بمثابة كمين، رغم تأكيد المسؤولين أن الهجوم لم يكن يستهدف الصحفية أو مرافقيها.

كما أوضحت أن تعليق الدعم الأمريكي جاء بعد أيام قليلة من زيارة قائد فيلق القدس الإيراني، إسماعيل قاآني، إلى العراق، حيث شدد في تصريحات له على أن اختيار رئيس الوزراء شأن عراقي داخلي، منتقدًا ما وصفه بالتدخلات الأجنبية، في إشارة واضحة إلى الولايات المتحدة، كما أعرب عن تقديره لما وصفه بتضامن الشعب العراقي وقياداته الدينية والسياسية.

وبيّنت الصحيفة أن “فيلق القدس” يُعد أحد أبرز أذرع الحرس الثوري الإيراني، ويتولى إدارة العمليات الخارجية ودعم الحلفاء في المنطقة، بما في ذلك جماعات في لبنان وغزة واليمن.

واختتمت الصحيفة تقريرها بالتأكيد على أن العراق لا يزال يعاني من تداعيات الغزو الأمريكي عام 2003، الذي أدى إلى إضعاف مؤسسات الدولة وإدخال البلاد في دوامة من الصراعات الداخلية، ما جعله ساحة مفتوحة للتنافس بين القوى الإقليمية والدولية، في وقت تمكنت فيه إيران من استغلال الفراغ السياسي الذي أعقب سقوط نظام صدام حسين، لتعزيز نفوذها داخل العراق بشكل متزايد.