كيف يبنى ويدار بنك الأهداف الإسرائيلي؟.. العملاء أداة مركزية

الذكاء الاصطناعي يساهم في اقتراح الأهداف وتوقيت ضربها- جيتي
تتنوع الأهداف وخيارات الاستهداف المختلفة التي تتعامل معها دولة الاحتلال الإسرائيلي في الحروب التي تخوضها حديثا على الجبهات المختلفة.

وكشفت تلك الحروب وخاصة الإبادة الجماعية في قطاع غزة المدمر، عن تنوع كبير في الأهداف؛ مدنية وعسكرية وأمنية التي يتم تدميرها أو تحييدها، حيث يجري تحديث لحظي وتعلم آلي وتكامل بين المعلومات من أجل اختيار طريقة التعامل الأمثل مع تلك الأهداف وفقا لتقديرات قادة منظومات الاحتلال المختلفة.

تحديث لحظي للأهداف

وعن الكيفية التي يبني ويدار بها "بنك الأهداف الإسرائيلي"، ذكر الباحث في المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية – مدار، وليد حباس، أن "بنك الأهداف الإسرائيلي يدار ضمن منظومة عسكرية–استخبارية متكاملة تقودها شُعب الاستخبارات في الجيش، وخاصة أجهزة مثل الاستخبارات العسكرية (أمان) التي تتولى جمع المعلومات وتحليلها، بالتوازي مع مراكز القيادة العملياتية التي تتخذ القرار النهائي".

وأوضح في حديثه لـ"عربي21"، أن "بنك الأهداف يبنى عبر عملية تراكمية مستمرة تبدأ بجمع البيانات من مصادر متعددة منها: صور جوية، أقمار صناعية، إشارات إلكترونية، معلومات بشرية (عملاء)، ومتابعة رقمية لحركة الأفراد والبنى التحتية".

وأضاف حباس: "يتم إدخال هذه البيانات لمنظومات تحليل متقدمة تعتمد بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي، الذي يقوم بربط المعطيات، اكتشاف الأنماط، وتحديد العلاقات بين الأهداف المحتملة"، لافتا إلى أن "هذا التحليل لا يقتصر على تحديد موقع الهدف، بل يشمل فهم سلوكه، توقيت وجوده، علاقاته التنظيمية، ودوره العملياتي. وبهذه الطريقة يتحول الهدف من نقطة جغرافية إلى "ملف ديناميكي" قابل للتحديث المستمر".

ونوه إلى أن "أحد المفاهيم المركزية في بناء بنك الأهداف هو تسريع دورة القرار العسكرية المعروفة بـ"OODA" (الملاحظة، التوجيه، القرار، التنفيذ)، علما أن الذكاء الاصطناعي يختصر هذه الدورة بشكل كبير عبر تسريع مرحلتي جمع المعلومات وتحليلها، مما يسمح بإنتاج أهداف بوتيرة عالية جدا، تصل وفق بعض التقديرات إلى عشرات الأهداف في الساعة".

وتابع الباحث: "هذا التسريع يمنح أفضلية عملياتية عبر القدرة على المبادرة وتنفيذ الضربات قبل أن يتمكن الخصم من التكيف"، موضحا أن "شحن بنك الأهداف وتجديده يتمان عبر ثلاث آليات رئيسية".

التوقيت وقرار الاستهداف

الأولى بحسب حباس هي "التحديث اللحظي للمعلومات، حيث تغذى الأنظمة ببيانات جديدة بشكل مستمر من الميدان، والثانية هي التعلم الآلي، حيث تحسن الأنظمة قدرتها على التنبؤ وتحديد الأنماط مع تراكم البيانات".

والآلية الثالثة هي "التكامل بين المصادر، حيث تدمج معلومات من مجالات مختلفة لإنتاج صورة مركبة أكثر دقة، وهذا التكامل يسمح بتحديد أهداف لم تكن مرئية سابقا من خلال الربط بين سلوكيات متفرقة".

وعن آلية اختيار الأهداف، بين الباحث الفلسطيني، أن "إسرائيل تعتمد على مجموعة معايير تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية والاستخبارية والعملياتية، ويتم تصنيف الأهداف وفق أهميتها إلى: أهداف إستراتيجية مثل البنى التحتية العسكرية، أهداف عملياتية مثل مراكز القيادة، وأهداف تكتيكية مثل أفراد أو خلايا ميدانية".

ولفت إلى أن القائمين على هذا البنك "يأخذون بعين الاعتبار عامل التوقيت، حيث تزداد قيمة الهدف عندما يكون في حالة نشاط أو عند توفر فرصة لضربه بدقة عالية"، منوها إلى أن "تحديد الأولويات يتم وفق مبدأ "الأثر العملياتي"؛ أي "مدى مساهمة تدمير الهدف أو تحييده في تحقيق هدف عسكري أوسع".

وبين حباس في حديثه لـ"عربي21"، أن "الأهداف التي تؤدي إلى شل قدرات الخصم أو تقويض بنيته التنظيمية تحظى بأولوية أعلى، كذلك تلعب إمكانية التنفيذ دورا مهما، حيث يتم تفضيل الأهداف التي يمكن ضربها بسرعة وبدقة وبكلفة منخفضة نسبيا".

ونبه إلى أن "الذكاء الاصطناعي يساهم في اقتراح الأهداف وتوقيت ضربها، مثل تحديد اللحظة التي يكون فيها الهدف موجودا في موقع معين، أو عندما يكون الضرر الجانبي أقل"، مؤكدا أن "القرار النهائي يبقى بيد القادة، حيث يتم تقييم التوصيات الآلية ضمن سياق أوسع يشمل اعتبارات قانونية وسياسية وعملياتية".

تجسس تكنولوجي متطور

من جانبه، أوضح  الخبير في الشأن الإسرائيلي نظير مجلي، أن "بنك الأهداف لدى جيش الاحتلال قائم، وهو دائرة تعمل على مدار الساعة وتعلق عليها أهمية كبيرة، ويتم اختيار الأهداف وفقا للأهداف الحربية التي تضعها إسرائيل لنفسها".

وأضاف في حديثه لـ"عربي21": "يتم وضع الأهداف دون تحديد المهمات بشكل عيني، فعندما يتناولون موضع لبنان مثلا، يختارون بنك أهداف لضرب حزب الله، وبنك أهداف آخر للضغط على الجمهور اللبناني للضغط على حزب الله، وبنك ثالث يكون هدفه تحطيم لبنان، وهكذا".

وبين مجلي، أن "بنك الأهداف الإسرائيلي، تشتغل عليه تلك الدائرة وتقوم بتطويره وتزويده بأهداف جديدة باستمرار ، ومن الممكن أن يكون من ضمن بنك الأهداف عملية اغتيال رؤساء بلدات مثلا، لذا نجد أن بنك الأهداف يحتوي على قائمة بأسماء رؤساء البلديات في كل مكان مع عناوين سكنهم وأرقام هواتفهم وغير ذلك من المعلومات التي تخصهم".

وتابع: "كما يمكن لهذا البنك أن يشمل العديد من الأهداف التي تؤدي إلى تصفية القدرات المالية لحزب الله مثلا، فنجده يضم كافة الصرافين وغيرهم ممن له علاقة بأموال حزب الله أو من يتعاطى مع الحزب من الدولة اللبنانية ويكون ضمن إطار هذا البنك".

ونوه الخبير إلى أنه "حينما تتواجد شخصيات إيرانية في بيروت مثلا لدعم حزب الله ويقومون باستئجار بيوت في أحياء مسيحية، تقوم إسرائيل بتعزيز بنك أهدافها، بإعداد قائمة بالبيوت التي يتم تأجيرها في تلك الأحياء".

وذكر أن "جيش الاحتلال لديه القدرة على الوصول لهذه المعلومات، وهذه القدرة مبنية على استخبارات مباشرة؛ بمعنى وجود عملاء يتم تجنيدهم لهذه المهمات أو عبر الطرق التكنولوجية وغيرها".

وأكد أن "عمليات التجسس التكنولوجي تطورت جدا في إسرائيل، وهي لديها القدرة على اختراق أي هاتف في العالم إلا إذا كان مشفرا بطريقة عجيبة من دولة أقوى منها، وهي تستطيع أن تتجسس على الهواتف وترصد تحركات الأشخاص المستهدفين".