هندسة "العتمة".. كيف ترسم الاستثناءات الحكومية خريطة طبقية جديدة لشوارع مصر؟

شهادات من قلب العتمة.. كيف أثر الإغلاق المبكر على حياة المواطنين اليومية وميزانياتهم. - جيتي
في تمام التاسعة مساء، تغرق الحياة كما شوارع التجارة التقليدية في القاهرة والمحافظات المصرية في صمت قسري، تغلق الأبواب وتطفأ أنوار المحال تنفيذا لقرار الحكومة الأخير الصادر في آذار/مارس الماضي٬ لترشيد استهلاك الكهرباء، لكن هذا المشهد "المعتم" ليس عاما؛ فخلف أسوار الكمبوندات الفاخرة، وعلى ضفاف النيل، وداخل محطات الوقود السيادية، تبدو الحياة وكأنها في كوكب آخر؛ حيث الأنوار ساطعة، والنشاط التجاري لا يعرف "ساعة إغلاق".

هذا التباين الحاد يراه مواطنون نتاج ما يمكن تسميته بـ هندسة الاستثناء؛ وهي عملية صياغة قانونية تمنح الشرعية لاستمرار حياة الرفاهية واقتصاد بعض المؤسسات الكبرى، بينما تفرض التقشف على أرزاق صغار الكسبة وتفرض العتمة على عموم المصريين.

شهادات من قلب "العتمة"

أدى القرار إلى تغييرات جذرية في حياة المواطنين اليومية، وأجبر الكثيرين على دفع مبالغ طائلة للحصول على خدمات كانت متاحة بأسعار زهيدة قبل تطبيق القرار، كما أجبر الغالبية على لزوم البيت أو قضاء الوقت على الأرصفة.

تقول داليا (صاحبة شركة خاصة) في تصريح لـ "عربي 21": "توقفت عن النزول من البيت تماما. كنت في السابق أنهي عملي في المقهى، والآن لا أغادر المنزل٬ الأماكن التي يسمح لها بالتشغيل بعد التاسعة مساء أقل فاتورة فيها تبلغ نحو ألف جنيه يوميا، بينما كنت أدفع في السابق مائة جنيه بحد أقصى في أماكن تقدم نفس الخدمة قبل تفعيل القرار"

هذا العبء المالي لم يتوقف عند حدود العمل الفردي، بل امتد ليعيد رسم خريطة الترفيه في مصر لتصبح حكرا على الأثرياء فقط.

تروي غادة تجربتها في البحث عن مكان للخروج مع أصدقاء غير مصريين٬ فتقول: "فشلت تماما في إيجاد مكان مناسب بسبب قرار الإغلاق المبكر، حتى اقترحت علي إحدى صديقاتي مكانا في هضبة الأهرامات يسهر للصبح على حد تعبيرها. وحين سألتها عن التكلفة، صدمت بأنها تبلغ 5 آلاف جنيه للفرد الواحد".



جغرافيا الحظوة كيف تصنع الاستثناءات؟

تعتمد "هندسة الاستثناءات" في القرار الحكومي على ثلاثة محاور رئيسية، يرى منتقدوها أنها تفرغ قرار الإغلاق من شموله، وتجعله "طبقيا" بامتياز.

- الاستثناء الجغرافي٬ استثنى القرار المنشآت الواقعة على كورنيش النيل مباشرة في القاهرة والجيزة، والمدن السياحية كالعلمين الجديدة وجنوب سيناء، والمجتمعات السكنية المغلقة (الكمبوندات). هذا الاستثناء يحمي تلقائياً "جيوب الأثرياء"، بينما تحرم الأحياء السكنية المكتظة في "بولاق" أو "شبرا" أو "المحلة" وحتى "وسط البلد" من أبسط متنفساتها المسائية.

بمجرد حصول المنشأة على ترخيص سياحي"، تصبح محصنة ضد مواعيد الغلق المبكر، وهنا تبرز مجمعات ترفيهية استثمارية ضخمة مثل "B-cairo"٬ والتي تعتمد دعايتها منذ سريان القرار على استثنائها "مفتوح بعد التاسعة"، إذ تظل مساحاتها ومطاعمها مضاءة، بينما يواجه صاحب مطعم مأكولات" بسيط في شارع جانبي بالمطرية شبح الغرامة أو الغلق إذا تأخر دقائق عن التاسعة.

أحمد صاحب مطعم يقول لـ "عربي 21": "خربوا بيوتنا، وكدروا زبائننا، من أصدر القرار يظن كل المصريين قادرين على دفع الآلاف ليحصل على وجبة".

- استثناء سيادي: يعد استثناء "محطات الوقود" من أهم ثغرات القرار. محطات مثل "شيل أوت" التابعة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية، تحولت إلى "مولات مفتوحة" ومقاه تخدم الرواد طوال الليل، بأسعار لا تناسب سوى الطبقات العليا (يصل سعر فنجان القهوة فيها إلى 100 جنيه مقارنة بـ 20 جنيهاً في الأحياء الشعبية).

يقول أحمد معلقاً على هذا التباين المكان ملك جهاز الخدمة الوطنية، المؤسسة الاقتصادية للجيش، وبالتالي لا تنطبق عليه قواعد المنافسة؛ سواء كان مستثنى بالقانون لأنه يتبع محطة وقود، أو بحكم الواقع لأنه لن يجرؤ أحد على دخوله ليطلب منه الإغلاق".

مصر بين عاصمتين

تكتمل الصورة عند النظر في المدن الجديدة، خاصة تلك التي يمكن اعتبارها "مدن السلطة" كجزء من مخططها نحو بلد جديد وعواصم جديدة؛ ففي حين يُلزم الموظفون في العاصمة الإدارية بإنهاء عملهم في السادسة مساءً لتوفير الطاقة، يمكن لعابر على الطريق الرئيسي بمحاذاة الأسوار، ملاحظة كيف تظل الأبراج والمساجد والمباني والمساحات المفتوحة والمهجورة بها، مضاءة وسط الصحراء.

أثار هذا التباين حالة واسعة من الغضب والجدل على منصات التواصل الاجتماعي. ونشر مواطنون مقاطع مصوّرة وتعليقات غاضبة تعبر عن موقفهم الرافض لهذه الاستثناءات وانصبت الانتقادات على الفواتير الباهظة التي لا يستطيع تحملها أغلب المصريين في الأماكن المستثناة، فضلا عن الغضب من قطع أرزاق أصحاب المحال البسيطة في حين تظل منشآت أخرى ساطعة الإضاءة فقط لكونها مملوكة لجهات سيادية أو لكونها مخصصة للأغنياء.



وأمام هذا الزخم، جاء رد الفعل الرسمي سريعا. إذ نشر المتحدث الرسمي للقوات المسلحة يوم الجمعة الماضي٬ تقريرا مصورا حول أزمة الإغلاق وترشيد الاستهلاك.

وقد تركز المضمون الرسمي للرد على التأكيد على الاضطرار لهذا القرار الصعب" لمواجهة أزمة الطاقة وعقد مقارنات عديدة مع دول أخرى مثل الهند الإمارات، وبعض البلدان الأوروبية، والولايات المتحدة الأمريكية)

اختتم المتحدث العسكري التقرير بتوجيه سؤال للمنتقدين" لماذا نشيد بإجراءات مشابهة لدول مختلفة باعتبارها قادرة على "إدارة الأزمة، بينما ننتقد القرار في مصر كدليل على الفشل؟

احتراف التحايل

يعد التأقلم والتحايل سمتان مصريتان أصيلتان، سجلهما علماء الاجتماع في كل مرحلة بتاريخ هذا البلد٬ وكما ينظر إليهما نقدا، يتعامل معهما المصريين أنفسهم كاليّة بقاء تحفظهم من الاندثار، إذ لم يعبّروا عن سخطهم من هذه القرارات التي تؤذيهم في أرزاقهم وحياتهم عامة، سوى بالسخرية والتحايل.

وفي فيصل الحي المكتظ والمعتاد سهر الناس فيه إلى الساعات الأولى من الفجر، يقول محمد وهو محام  لـ "عربي 21"٬ للقاء صديق يلزم ترتيب كالذي يرتبه تجار المخدرات، أين سنلتقي وكيف سنتحرّك، ثم الكثير من الالتفاتات، قبل الدخول بعد مكالمة هاتفية من باب خلفي يكاد لا يُرى، وفي الداخل ستجد زحاما ونشاطا لا يتوقف حتى مطلع الفجر، طاولات وكراسي ومشاريب و"شيشة"، في صمت مفتعل، وضحكات تواطؤ جماعيّة يشعر أصحابها بانتصار لا يخفي المرارة.

لكن دوريات أمنية نشطة، في غالب هذه الأحياء، يتعامل هو الآخر مع هذا التحايل كجريمة، يضبط مرتكبوها ويُغلق المكان، وتصادر البضائع كما تصادر المخدرات أيضا، وهو ما يجعلها مغامرة مرتفعة التكلفة ستميل الغالبية لتجنبها".

ولم تعد "هندسة الاستثناءات" في مصر مجرد تدابير إدارية لمواجهة نقص الطاقة، بل أصبحت مرآة تعكس أولويات السلطة؛ حيث يتم الحفاظ على تدفق الأرباح في اقتصاد المؤسسات الكبرى والكيانات السيادية، وتأمين نمط حياة الطبقة العليا، في مقابل "تأديب" الشارع التجاري التقليدي بقرارات إغلاق صارمة.

في المحصلة، يبدو أن الكهرباء في مصر ليست فقط "طاقة"، بل هي "امتياز"؛ يمنح لذوي الحظوة وأصحاب التراخيص السياحية واقتصاد الأجهزة، ويُسحب من شوارع البسطاء تحت لافتة "المصلحة العامة".