الجزائر تعوّل على مواردها الهيدروكربونية لتعزيز نفوذها الإقليمي

يبدو أن الجزائر تستغل الحرب الجديدة في الخليج كفرصة لتلطيف علاقاتها الدبلوماسية - جيتي
نشرت صحيفة "لاكروا" الفرنسية تقريرًا تحدثت فيه عن تعوّيل الجزائر على مواردها الهيدروكربونية لتحويل الطاقة إلى أداة دبلوماسية لكسر العزلة وتعزيز نفوذها الإقليمي والدولي.

وقالت الصحيفة، في تقريرها الذي ترجمته "عربي21"، إن إسبانيا وإيطاليا أعلنتا عن تعزيز شراكتهما مع الجزائر، التي تحوّل قطاع الطاقة إلى أداة دبلوماسية لاستعادة مكانتها على الساحة الدولية وجذب الاستثمارات الأجنبية. 




وأضافت الصحيفة أنه في خطوة مماثلة، بدأت ديناميكيات التقارب تتشكل مع النيجر، بعد سنوات من البرود والتوتر في العلاقات.

وبعد سلسلة من الخلافات مع النيجر حول مسائل الأمن، ومع الولايات المتحدة وإسبانيا وفرنسا بشأن ملف الصحراء الغربية؛ يبدو أن الجزائر تستغل الحرب الجديدة في الخليج كفرصة لتلطيف علاقاتها الدبلوماسية.

ووفق الصحيفة؛ تشير العديد من المؤشرات إلى ذلك، إذ وافقت الجزائر على المساهمة في تخفيف تداعيات ارتفاع أسعار الغاز والنفط نتيجة غلق مضيق هرمز. وفي خطوة عملية، زارت رئيسة الحكومة الإيطالية، جورجيا ميلوني، الجزائر في 25 آذار/ مارس بهدف "زيادة إمدادات الغاز"، في وقت تعتمد فيه روما على الجزائر لتأمين نحو 30 بالمئة من احتياجاتها من الطاقة.

العرض الكبير


وأفادت الصحيفة أنه في اليوم التالي، استقبل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون وزير الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس، في زيارة تحمل نفس الهدف الإستراتيجي لتعزيز الإمدادات الطاقوية؛ حيث تمتلك مدريد القدرة الأكبر على التوريد عبر خط أنابيب "ميدغاز".

ومن جانبها، تضمن فرنسا – الأقل تعرضًا لمخاطر نقص الغاز مقارنة بجيرانها – أن تعتمد محطاتها على الغاز الطبيعي المسال من "سوناطراك"، الشركة الجزائرية الرائدة في النفط والغاز والأكبر في إفريقيا. وقد  سارت  بريطانيا على خطى فرنسا في نفس الاتجاه.

وبحسب الصحيفة؛ فمنذ بداية العقد الحالي، شكلت الجزائر محورًا مؤثرًا للأمن الطاقوي في منطقة البحر الأبيض المتوسط، ما يمنحها فرصة للخروج من حالة العزلة التي عاشتها على الصعيد الدبلوماسي. ويستفيد الرئيس عبد المجيد تبون اقتصاديًا من تأكيد مكانة بلاده كملاذ آمن للطاقة لأوروبا.




وأشارت توقعات ميزانية 2026 إلى سعر برميل النفط عند  مستوى ال60 دولارًا، إلا أن الأسعار ارتفعت اليوم إلى 110 دولارات، فيما سجل الغاز الطبيعي قفزة بنسبة 45 بالمئة، مع ارتفاع الصادرات بنسبة 74 بالمائة. ويُقدّر المكسب الاقتصادي للجزائر بين 15 و20 مليار دولار، ما يعكس مدى استفادتها من التقلبات العالمية في أسواق الطاقة.

تداخل المصالح


وذكرت الصحيفة أن هذه المكاسب الاقتصادية ليست بمعزل عن الجهود الدبلوماسية؛ فقد عُقدت اجتماعات متتابعة في مدريد وواشنطن لتأكيد استمرار الجزائر كلاعب رئيسي على طاولة المفاوضات، خصوصًا حول خيار منح الصحراء الغربية حكمًا ذاتيًا ضمن السيادة المغربية، استنادًا إلى قرار مجلس الأمن الدولي في تشرين الأول/أكتوبر 2025 بدعم من الولايات المتحدة وإسبانيا وفرنسا وبريطانيا، ما يعكس التوافق الدولي ويعزز موقع الجزائر الإستراتيجي في المنطقة.

من جانبها، تواصل الجزائر الدفاع عن حق شعب الصحراء الغربية في تقرير المصير، وفق موقفها التقليدي منذ رحيل المستعمرين الإسبان سنه 1975. لكن التطورات الأخيرة في المجال الطاقوي تشير إلى تليين هذا الموقف؛ فقد أبرمت واشنطن والجزائر بين 2025 و2026 شراكة إستراتيجية تتجاوز مجرد بيع الهيدروكربورات، لتتيح لشركتي النفط الأمريكتين العملاقتين، إكسون موبيل وشيفرون، تعزيز قدرة الإنتاج الجزائري التي وصلت اليوم إلى حدها الأقصى.

وتعكس هذه الخطوة رغبة الجزائر في الانخراط في شراكات دولية طويلة الأمد، تجمع بين المنفعة الاقتصادية والتوازن الدبلوماسي.

مخطط استراتيجية عالمية


وأشارت الصحيفة إلى أن آلية مماثلة للتقارب السياسي تُطبّق اليوم مع النيجر، مدفوعة بالفرص الطاقوية؛ فقد شهد  الربع الأول من العام الجاري تقاربًا ملفتًا بين الجزائر ونيامي، مع عودة السفير الجزائري، ما يمهد لنهاية الخلاف الذي ساد منذ الانقلاب العسكري سنة 2023.




وفي صلب هذه المصالحة، يبرز مشروع خط أنابيب الغاز العابر للصحراء، الذي سيمر عبر النيجر ليصل في نهاية المطاف إلى نيجيريا، مع منفذ على خليج غينيا. وإذا تحقق هذا المشروع، فإن الجزائر ستتمكن من الوصول إلى المحيط الأطلسي دون المرور عبر الصحراء الغربية، ما يعزز قدرتها على لعب دور محوري في أمن الطاقة الإقليمي والدولي.

وفي ختام التقرير نوهت الصحيفة إلى أن جميع هذه التحركات مترابطة ضمن الإستراتيجية الشاملة للجزائر. وتشير التسريبات من المناقشات الأخيرة حول الصحراء الغربية إلى أن السلطة الجزائرية تسعى، مقابل مشاركتها الفاعلة، للحصول على ضمانات دولية تحمي سيادة حدودها، وتعزز موقعها كمركز محوري لأمن المنطقة، التي تطمح إلى استثمار منافذها الطاقوية مستقبلاً.