أيّ الدول قد تقتدي بطهران وتشرع بتطوير أسلحة نووية؟

السلطات الإيرانية تتناول حاليًّا أحد أكثر السيناريوهات تطرفًا في تاريخ برنامجها النووي، وهو الانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية- جيتي
أكدت صحيفة "إزفيستيا" الروسية، في تقرير لها، أن دولًا كبرى في الشرق الأوسط، على غرار السعودية وتركيا ومصر، قد تنسج على منوال إيران وتحاول تطوير أسلحة نووية في حال انسحاب طهران من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.

وقالت الصحيفة، في تقريرها الذي ترجمته "عربي21"، إن مجرد طرح هذه القضية على الساحة يثير مخاوف جدية من اندلاع سباق تسلح نووي إقليمي ويزيد من تعقيد المشهد الأمني في المنطقة.

طهران تلتزم بتعهداتها

وتضيف الصحيفة أن السلطات الإيرانية تتناول حاليًّا أحد أكثر السيناريوهات تطرفًا في تاريخ برنامجها النووي، وهو الانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. وتشير وسائل الإعلام الإيرانية إلى أن الجهات المختصة، بما فيها البرلمان، تعمل على دراسة هذا الخيار بشكل عاجل، في ظل تصاعد الصراع واستهداف البنية التحتية الإستراتيجية للبلاد.

وقد أعلن سياسيون إيرانيون عن استعدادهم لمناقشة "خطة طوارئ لحماية الحقوق النووية"، التي ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية: الانسحاب الرسمي من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، مراجعة التشريعات المتعلقة بتنفيذ الاتفاق النووي لسنة 2015، وتشكيل أطر تعاون دولية جديدة في مجال الطاقة النووية السلمية، خصوصًا مع دول "بريكس" ومنظمة شنغهاي للتعاون. وقد قدم مشروع القانون المعني إلى البرلمان للنظر فيه قريبًا، على أن يتطلب موافقة مجلس صيانة الدستور – الهيئة فوق البرلمانية – ليصبح نافذًا.

وفي محاولة لتخفيف القلق الدولي، أكد ممثل وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل باقائي أن النقاش حول الانسحاب من المعاهدة جارٍ في البرلمان والمجتمع، مع التأكيد في الوقت نفسه على أن إيران تلتزم بالتزاماتها الدولية ولا تسعى لامتلاك أسلحة نووية.

وبحسب الصحيفة تتصاعد هذه المناقشات في ظل تفاقم الصراع مع "إسرائيل" والولايات المتحدة، حيث تتكرر تصريحات طهران بأن المشاركة في المعاهدة لم تحقق فوائد عملية للبلاد، بل حدّت من تقدمها التكنولوجي. وكانت فكرة الانسحاب من المعاهدة قد أثيرت سابقًا ردًا على ضغوط خارجية، مثل انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي سنة 2018، وتهديدات إعادة فرض العقوبات، أو تصنيف حرس الثورة الإيراني كمنظمة إرهابية. إلا أن المناقشات الحالية تجري في سياق مواجهة عسكرية مباشرة، مما يمنحها وزنًا واستراتيجية جديدة في الحسابات الإقليمية والدولية.

ووفقًا للمادة العاشرة من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، يمكن لأي دولة الانسحاب من المعاهدة بعد إشعار الدول الأخرى ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قبل ثلاثة أشهر. وبعد انتهاء هذه المهلة، تتوقف التزامات الدولة بالامتناع عن تطوير الأسلحة النووية وبالسماح بعمليات التفتيش الدولية. وعلى أرض الواقع، يعني ذلك نهاية الشفافية الدولية وتقليص قدرة المجتمع الدولي على مراقبة البرنامج النووي للدولة، ما يفتح المجال لتحديات جديدة على الأمن الإقليمي والدولي.

جيران إيران سيحذون حذوها

ونقلت الصحيفة عن أندريه باكلانوف، نائب رئيس رابطة الدبلوماسيين الروس أن الانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية لا يعني بالضرورة اتخاذ قرار فوري بتصنيع أسلحة نووية. فطهران، من الناحية النظرية، يمكن أن تتبنى استراتيجية "العتبة النووية"، أي تطوير التقنيات اللازمة دون الانتقال إلى إنتاج رؤوس حربية. إلا أن هذه الخطوة، حتى لو كانت مجرد نقاشات أولية، قد تُعتبر خطأ استراتيجيًا.

ويرى باكلانوف أن حتى القرارات التمهيدية في هذا الاتجاه ستُفسر من قبل المجتمع الدولي على أنها تقويض لنظام عدم الانتشار، وستؤدي إلى زيادة الضغوط الخارجية على إيران، دون تحقيق أي فوائد عملية للبلاد.

ويشير باكلانوف إلى أن رد فعل الدول الإقليمية سيكون سلبيًا بشكل واضح، وقد يسرّع من تطوير إجراءات مضادة تشمل برامج عسكرية وتقنية. فالخطوة المحتملة لإيران قد تُشعل سلسلة من ردود الفعل بين الدول الكبرى في الشرق الأوسط، وعلى رأسها السعودية. فقد أكدت الرياض منذ سنوات موقفها الصارم: أي امتلاك محتمل لإيران للأسلحة النووية سيقابل برد مماثل من المملكة.

ووفقًا لمعلومات بلومبرغ، تدرس الولايات المتحدة إمكانية نقل تقنيات تخصيب وإعادة معالجة اليورانيوم إلى السعودية، في خطوة يُفترض أنها تعزز مصالح الأمن الأمريكي وتجعل برنامج المملكة النووي أكثر شفافية.

وتستبعد الصحيفة أن تبقى تركيا خارج هذا المشهد؛ فعلى الرغم من عضويتها في حلف الناتو، تُظهر أنقرة استقلالًا استراتيجيًا متناميًا. وقد طرح الرئيس رجب طيب أردوغان سابقًا بشكل علني مسألة ما وصفه بعدم عدالة النظام النووي الحالي.

من جانبه، يُشير عمر عبد العلي، رئيس تحرير صحيفة "الأخبار" المصرية، إلى أنه في حال خروج إيران المفترض من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، فإن السيناريو الأكثر احتمالًا لن يكون الانتشار الفوري للأسلحة النووية، بل تشكيل قدرات نووية كامنة، تتيح للدول الإقليمية امتلاك خيارات استراتيجية دون تجاوز الخطوط الحمراء الدولية مباشرة.

وأشار عمر عبد العلي إلى أن القاهرة، رغم امتلاكها الخبرة النووية، تؤيد الحفاظ على نظام عدم الانتشار وتعزيز فكرة إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية في الشرق الأوسط. وأضاف أن تطوير البنية التحتية النووية المدنية يمنح الدولة قدرة استراتيجية كامنة، لكنه لا يعني بالضرورة التحول الفوري إلى برنامج عسكري.

وأوضح أن الهدف يكمن في تطوير القاعدة العلمية والتقنية والصناعية، التي لا تستلزم تصنيع رؤوس نووية فورًا، لكنها تمنح الدولة إمكانية التحول سريعًا إلى قدرات ردع أقوى إذا ما تغيرت الظروف السياسية والأمنية.

ويخلص عمر عبد العلي إلى أن اتخاذ مثل هذا القرار التحويلي سيكون محتملًا فقط في حال تدهور الوضع الأمني الإقليمي إلى درجة تُشكك في فاعلية الضمانات الحالية للردع.

كيف سيؤثر هذا على المواجهة العسكرية؟

وذكرت الصحيفة أن هناك بعدًا آخر يتصل برد فعل "إسرائيل"، التي تمتلك ترسانة نووية غير معلنة رسميًا. من المرجح أن يعزز قادتها سياسة الإجراءات الاستباقية وعقيدة الغموض النووي، ما قد يؤدي إلى توسيع العمليات العسكرية ضد البنية التحتية الإيرانية وزيادة التوتر على كافة الجبهات الإقليمية.

وفي الولايات المتحدة و"إسرائيل"، تُفسَّر التصريحات الإيرانية على أنها إشارة محتملة لتسريع البرنامج النووي الإيراني. وقد أدانت واشنطن هذه الخطابات في العديد من المناسبات ووصفتها بـ"المزعزعة للاستقرار"، مؤكدة في سنة 2020 أن تهديد إيران بالانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية غير مقبول وسيزيد من عزلة طهران. وكممارسة تقليدية، ردّت الولايات المتحدة بتشديد العقوبات وتوسيع الوجود العسكري في منطقة الخليج.

ومن جهته، كرر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تأكيده على أن إيران لا يجب أن تحصل على أسلحة نووية، وأن إسرائيل تحتفظ بحقها بالتحرك بمفردها إذا فشلت الحلول الدبلوماسية. ويُنظر في إسرائيل إلى أي انسحاب محتمل لطهران من المعاهدة على أنه إشارة للانتقال إلى سيناريوهات أكثر حدة، بما في ذلك تنفيذ ضربات استباقية ضد أهم منشآت البنية التحتية النووية الإيرانية، وخصوصًا المجمعات المحصنة تحت الأرض لتخصيب اليورانيوم.

وفقًا لتقديرات الخبير العسكري أليكسي ليونكوف، فطهران تمتلك برنامج صواريخ متقدم يمكنها من الحفاظ على وسائل النقل حتى في حال استهداف بنيتها التحتية، لكن التحدي الأساسي يكمن في تصنيع الرؤوس النووية نفسها.

ويشير ليونكوف إلى أن تطوير رأس نووي كامل وجعله جاهزًا للاستخدام العسكري قد يستغرق سنوات طويلة. ويستشهد بمثال كوريا الشمالية، التي استغرقت نحو 10 سنوات بين أولى تجاربها النووية وتطوير تقنيات الأسلحة النووية الحرارية. وفي ظل ظروف الحرب والضغوط المستمرة على البنية التحتية العلمية والإطارات الفنية، سيكون هذا المسار أكثر تعقيدًا بالنسبة لإيران.

ويختتم ليونكوف بأن الموارد المحدودة والعوامل السياسية تمثل عائقًا إضافيًا، بدءًا من نقص قاعدة اليورانيوم إلى القيود الدينية التي تمنع إنتاج أسلحة دمار شامل.