لماذا ترفض إيران جميع مقترحات وقف إطلاق النار؟

إيران اشترطت وقفا شاملا للحرب لا وقف إطلاق النار فقط- جيتي
نشرت صحيفة "سفابودنايا براسا" الروسية تقريرًا سلطت خلاله الضوء عن أسباب رفض قيادة الجمهورية الإسلامية جميع مقترحات ترامب إلى وقف إطلاق النار.

وقالت الصحيفة، في تقريرها الذي ترجمته "عربي21"، إن ترامب يحاول جرّ أطراف متعددة إلى الصراع، سواء من حلفائه في حلف شمال الأطلسي، أو من الدول التي تعتمد بشكل حاسم على رضا الولايات المتحدة، أو من دول الجنوب العالمي.

وأضافت الصحيفة أنه بعد أن فقد الأمل في الحصول على جائزة نوبل للسلام، أقدم الرئيس الأمريكي السابع والأربعون على اتخاذ مسار أكثر تصعيدًا، متقمصًا دور"التهديد الأكبر للسلام العالمي"، من خلال احتجاز سفن تجارية، واستهداف مسؤولين رفيعي المستوى في دول مستقلة، وشن ضربات صاروخية وجوية على منشآت مدنية ومدارس، وغيرها من الإجراءات. غير أن جميع الحلفاء والشركاء، باستثناء إستونيا، التي فقدت توازنها بشكل كامل، فضّلوا النأي بأنفسهم عن المغامرة الأمريكية الإسرائيلية.

وبحسب الصحيفة فإن السبب يكمن في أن طهران لم تكشف حتى الآن عن أوراقها الأساسية، والتي تُحتفظ بها في مواقع يصعب على الأمريكيين أو الإسرائيليين الوصول إليها.

ويستند مؤيدو "الانتصارات المتكررة لترامب" إلى انخفاض عدد وشدة الضربات الصاروخية كدليل على انهيار الدولة الإيرانية وتدمير قواتها البحرية والجوية. إلا أن أصحاب الرأي الأكثر واقعية ينظرون إلى هذا الأمر بشكل مختلف، معتبرين أن واشنطن وتل أبيب قد تواجهان في المستقبل عددًا من المفاجآت غير السارة.

وفي هذا السياق، علّق بطل روسيا الاتحادية، اللواء سيرغي ليبوفوي، قائلاً: "أعلنت القيادة السياسية والعسكرية في الجمهورية الإسلامية عن بدء مرحلة جديدة من الحرب، تتسم بطابع طويل الأمد، وتتميز باستخدام تكتيكات جديدة تمامًا، بالإضافة إلى توظيف كامل الترسانة الصاروخية المتوفرة في التسليح".

وبعبارة أبسط؛ فإن فشل ما أعلنه ترامب من "حرب خاطفة" والتحول إلى عمليات عسكرية طويلة الأمد، يفرض اعتماد سياسة ترشيد في استخدام الأسلحة، والتركيز على وسائل إصابة دقيقة، وبالتالي أعلى تكلفة.

ووفق الصحيفة فإن "الورقة الرابحة" التي تحتفظ بها إيران تتمثل في ترسانات الأسلحة المخزنة في عمق الأرض، وبالتالي فهي بعيدة عن متناول الولايات المتحدة وإسرائيل.

لا يقتصر ذلك على الصواريخ فحسب، بل يشمل أيضًا الطائرات المسيّرة الهجومية، التي تُقدَّر أعدادها بما يتراوح بين عشرة وخمسة عشر ألف طائرة. وفيما يتعلق بالصواريخ، تجدر الإشارة إلى تصريح أحد كبار مسؤولي فيلق الحرس الثوري الإيراني، الذي قال: "الصواريخ التي تم إنتاجها حديثًا، وخاصة تلك التي دخلت الترسانات بعد حرب الاثني عشر يومًا، لم نستخدمها بعد. إن معظم الترسانات لم تُمس حتى الآن.  في الوقت الحالي، لم نستهلك أكثر من 7 بالمئة من مخزوننا الصاروخي، بينما يُقدَّر إجمالي مخزوننا بنحو مئة ألف صاروخ".

وقد بدأت إيران بالفعل في تنفيذ عمليات بناء مكثفة لمخازن تحت الأرض على أراضيها منذ العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

وشُيدت هذه المنشآت داخل سلاسل جبلية تمتد إلى عمق يصل إلى عدة مئات من الأمتار تحت سطح الأرض. وتضم هذه المواقع خطوط إنتاج، ومستودعات للصواريخ، ومراكز قيادة وسيطرة، بالإضافة إلى منصات إطلاق.

ورغم أن وجودها لا يشكل سراً على أجهزة الاستخبارات الأمريكية، إلا أن الإحداثيات الدقيقة لهذه المواقع تظل شديدة السرية، وهو ما يشكّل شرطًا أساسيًا لبقاء البنية العسكرية الإيرانية واستمراريتها.

وفي المقابل، واجهت واشنطن وتل أبيب تحديًا آخر يتمثل في الخصائص التقنية المتقدمة للأسلحة الإيرانية، حيث تركز القوات المسلحة للجمهورية الإسلامية على استخدام صواريخ تُصنّف كأهداف بالغة الصعوبة أمام أنظمة الدفاع الجوي، فضلًا عن أنها تحمل رؤوسًا حربية يتجاوز وزنها الطن الواحد.

وبناءً عليه، يمكن الحديث عن صواريخ تصل سرعتها إلى ما بين 4 و 5 ماخ (أي ما يعادل 4896–6120 كيلومترًا في الساعة)، والتي تُعد منظومة الدفاع الجوي الأمريكية "إم آي إم 104 باتريوت" عاجزة عن التصدي لها.

وقال سيرغي ليبوفوي في هذا السياق: "إن مثل هذه الصواريخ هي التي استُخدمت في استهداف القواعد العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط. وفي المقابل، أطلقت منظومات الدفاع الجوي الأمريكية من أربعة إلى خمسة صواريخ اعتراض مقابل كل صاروخ إيراني، ولكن دون جدوى".

وبالمثل، فإن منظومة الدفاع الصاروخي التكتيكي الإسرائيلية، المعروفة باسم القبة الحديدية، لم تُثبت فعالية تُذكر في مواجهة صواريخ بهذه السرعات العالية، على الرغم من الترويج الكبير لها من الجانب الإسرائيلي.

في الأيام الأولى للهجوم على الجمهورية الإسلامية صرّح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قائلاً: "سنعمل بالتأكيد على تهيئة الظروف اللازمة لإسقاط نظام آيات الله في طهران، لكن من غير الواقعي أن نُطالب بضمانات بخروج الشعب الإيراني إلى الشوارع للاحتجاج". ولمح في الوقت نفسه إلى أن لدى إسرائيل "العديد من المفاجآت" التي لم تُكشف بعد. كما قدّم مصدر رفيع آخر تصريحات أكثر تحديدًا، مشيرًا إلى أرقام مزعومة للخسائر الإيرانية في منظومة منصات إطلاق الصواريخ، حيث تحدث عن تعطيل 200 منصة وتدمير ما بين  160 و  190 منصة.

وأردفت الصحيفة أنه في ظل هذه التصريحات التي تُصوَّر على أنها انتصارات، برزت نقطة سلبية تمثلت في تعطل سبع طائرات من أسطول القوات الجوية الأمريكية من طراز  "بوينغ كيه سي  135"، وهي من طائرات التزود بالوقود التي تُعدّ شديدة الأهمية. وبغضّ النظر عن التفسيرات التي قدّمها البنتاغون لهذه الحوادث، تبقى الحقيقة أن أسطول التزود بالوقود الجوي الأمريكي قد تقلّص بسبع طائرات.

وفي المحصلة، فإن الهجوم على إيران، الذي كان يُنظر إليه في البداية من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل على أنه مهمة سهلة وسريعة، تحوّل إلى حرب استنزاف طويلة الأمد.

وعلى الرغم من المقابلات اليومية التي يجريها دونالد ترامب، والتي يكرّر فيها الحديث عن تحقيق النصر على الجمهورية الإسلامية، يبدو واضحًا أن طهران لم تبدأ بعد باستخدام كامل قدراتها، وأن أوراقها الرابحة لا تزال مخفية في مواقع محصّنة بعيدة عن متناول الخصوم.

وفي ختام التقرير نوهت الصحيفة بأن "أمريكا التي تسعى مجددًا إلى أن تصبح عظيمة" قد تحتاج إلى الاستعداد للأسوأ، بينما لا يُطلب من إسرائيل سوى محاولة الصمود.