بينما تتصاعد حدة الاشتباكات وتتسع رقعة النزاع في
السودان، برزت الذخائر غير المنفجرة، كخطر يهدد حياة ملايين السودانيين، فمع كل قذيفة لا تنفجر في وقتها، يولد فخ جديد يتربص بسكان البلد المثقل بتبعات الحرب.
هذا التهديد المستمر لم يعد مجرد مخلفات عسكرية في ميادين معزولة، بل تحول إلى ألغام تحت أنقاض البيوت وساحات المدارس والمستشفيات، مما يجعل كل محاولة لعودة النازحين محفوفة بالمخاطر، فيما حذرت تقارير أممية من أن استمرار القتال يحول السودان إلى أكبر حقل تجارب للمتفجرات في المناطق المأهولة بالسكان.
15 مليون سوداني عرضة للخطر
وحذرت الأمم المتحدة من أن نحو 14 مليون شخص في السودان معرضون لمخاطر المتفجرات، بمن فيهم المدنيون والعاملون في المجال الإنساني، مشيرة إلى أن الأطفال هم الأكثر عرضة للخطر بسبب تعاملهم مع أجسام خطرة دون إدراك.
وأكد صديق راشد، رئيس برنامج الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام في السودان أن الذخائر غير المتفجرة أصبحت من أبرز التهديدات لوصول المساعدات الإنسانية، حيث تعيق حركة فرق الإغاثة وتمنع إيصال الدعم بشكل آمن.
وأوضح المسؤول الأممي – في إحاطة قدمها من الخرطوم، عبر الفيديو، للصحفيين ونشر الموقع الرسمي للأمم المتحدة تفاصيلها- أن طبيعة الحرب الحالية، التي تدور في المدن، جعلت حجم التلوث بالمتفجرات مقلقا للغاية، خاصة في العاصمة الخرطوم، حيث تنتشر المخاطر في المنازل والطرق والمدارس والمستشفيات، وغالبا ما تكون مختلطة بالأنقاض.
وأشار إلى ظهور تهديد جديد يتمثل في الألغام الأرضية، مع تحديد سبعة حقول ألغام داخل العاصمة، محذرا من أن العائلات العائدة تجد نفسها في بيئة "شديدة الخطورة" دون إدراك كافٍ للمخاطر.
مخاطر في دارفور وكردفان
وفي تشخيص ميداني يعكس قتامة الأوضاع، وصف رئيس برنامج الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام في السودان صديق راشد، المشهد في إقليم دارفور بأنه "مقلق للغاية" مسلطاً الضوء على الحالة المأساوية لمدينة الفاشر التي خضعت لعمليات قصف متواصلة ومكثفة امتدت لأكثر من 500 يوم بلا انقطاع، ما أدى إلى تلوث واسع النطاق.
ولم يتوقف التحذير عند دارفور فحسب، بل امتد ليشمل ولايات كردفان، حيث أكد راشد أن تصاعد حدة المواجهات العسكرية في مدن كادقلي والدلنج والأبيض، يُسهم بشكل مباشر في زيادة وتيرة التلوث يوماً تلو الآخر، محولاً هذه المناطق إلى بؤر متفجرة تزداد خطورتها مع كل اشتباك جديد.
وشدد المسؤول الأممي في سياق تحليله للمخاطر، على أن استمرار وجود هذه المتفجرات، يمنع عودة السكان النازحين إلى ديارهم بشكل آمن، كما يؤدي إلى شلل تام في محاولات استعادة الخدمات الأساسية الضرورية للحياة، ويضع عراقيل معقدة تؤخر أي جهود مستقبلية لإعادة الإعمار.
وأوضح راشد أن الأزمة الراهنة لا تأتي من فراغ، إذ كان السودان يعاني أصلاً من "تلوث تراكمي" ورثه عن عقود طويلة من النزاعات المسلحة السابقة، غير أن الحرب الحالية أضافت "طبقة جديدة وشديدة التعقيد" من المخاطر، لا سيما وأنها تتركز في قلب المناطق المأهولة بالسكان، مما يجعل التعامل معها تحدياً غير مسبوق.
أزمة لا تحظى بتغطية إعلامية
ووصف المتحدث الأممي وضعية الألغام في السودان بالقول: "يُعيدني التلوث الذي نشهده اليوم في السودان إلى ذكريات عملي في مجال الألغام في أفغانستان في التسعينيات، لكن ثمة فرق جوهري، كان معظم ذلك التلوث في المناطق الريفية، أما في السودان فيحدث هذا في بيئات حضرية مكتظة بالسكان، مما يُعرّض ملايين المدنيين لخطر مباشر ويومي".
ونبه إلى أن أزمة السودان الحالية لا تحظى بالتغطية الإعلامية الدولية التي تستحقها، على الرغم من أنها تمثل اليوم "أكبر أزمة نزوح في العالم" وتشهد تدهوراً إنسانياً متسارعاً يفوق التوقعات، داعياً الصحفيين الدوليين والمنظمات الإعلامية إلى ضرورة زيارة البلاد والوقوف ميدانياً على حجم الكارثة التي يعيشها السودانيون بعيداً عن الأضواء".
استجابة محدودة
وأقرّ رئيس برنامج الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام في السودان صديق راشد، بأن المنظومة المخصصة لإزالة الألغام والذخائر قد تعرضت لضربات موجعة ومباشرة جراء اشتعال فتيل النزاع المسلح وتمدده.
ولفت إلى فقدان معدات حيوية، فيما كشف عن لحظات حرجة عاشها البرنامج خلال العام المنصرم، مؤكداً أنه كان قاب قوسين أو أدنى من التوقف التام والإغلاق النهائي نتيجة النقص الحاد والمزمن في التمويل الدولي.
وأوضح أن الجهود الحالية تشمل التوعية بالمخاطر، وعمليات المسح والتطهير، ودعم الضحايا، مع تركيز خاص على الخرطوم بسبب عودة السكان، بينما تظل مناطق أخرى، خاصة في دارفور، دون تغطية كافية.
وتمكن الجيش السوداني في مايو الماضي من استعادة ولاية الخرطوم بشكل كامل وتطهيرها من أي وجود لعناصر قوات
الدعم السريع، التي كانت تتمدد في مفاصل العاصمة ومواقعها الاستراتيجية قرابة العامين.
وأتاحت سيطرة الجيش بشكل كامل على الخرطوم عودة تدريجية للسكان، رغم الدمار الواسع الذي طال الأحياء والأسواق والبنية التحتية.
وأشار المسؤول الأممي إلى الدور المحوري للكوادر الوطنية والمنظمات المحلية، مع الحاجة إلى دعم مستمر وتعزيز القدرات.
وفي ختام إحاطته، حذر راشد من اتساع فجوة الاحتياجات، قائلا: "يتزايد حجم التلوث بينما تبقى الاستجابة محدودة. يُعدّ العمل المتعلق بالألغام شرطا أساسيا لضمان وصول المساعدات الإنسانية بشكل آمن اليوم، وللتعافي وإعادة الإعمار غدا".
ودعا المجتمع الدولي إلى زيادة الدعم بشكل عاجل عبر تمويل مرن وتعزيز القدرات والخبرات الفنية، مشددا على ضرورة تسهيل عمل برامج إزالة الألغام دون عوائق.
وأكد أن الاستجابة الشاملة وحدها الكفيلة بـ"الحد من المخاطر، وحماية المدنيين والعاملين في الإغاثة، وتمكين العودة الآمنة، ووضع أسس التعافي".
ويستمر منذ أكثر من ثلاث سنوات الاقتتال الضاري في السودان، مخلفا آلاف القتلى والمصابين ونحو 15 مليون نازح، بينما دمرت الحرب على الخدمات الأساسية، حيث قٌصفت العديد من المستشفيات والمدارس والمؤسسات الخدمية.