FP: إدمان ترامب على الكذب سيزيد من تآكل ثقة الأمريكيين بالحروب

حرب فيتنام حطمت الثقة التي بناها الأمريكيون في الحكومة الفدرالية - جيتي
حذر خبراء من أن الحرب على إيران، التي شنتها الولايات المتحدة بقيادة الرئيس دونالد ترامب، ستزيد من تآكل ثقة الأمريكيين بالحكومة الفدرالية.

ونشرت مجلة "فورين بوليسي" مقالا لأستاذ التاريخ والشؤون العامة في جامعة برنستون جوليان إي. زيلزر قال فيه إن الحروب التي شنتها الولايات المتحدة من فيتنام إلى إيران هي السبب الرئيسي وراء عدم ثقة الأمريكيين بحكومتهم.

فبعد أن شن الرئيس دونالد ترامب حربا على إيران، وبالتنسيق مع إسرائيل، دون تقديم مبرر متناسق أو عرض القضية على الكونغرس، يبدو من الصواب القول إن النتيجة ستكون تآكلا جديدا لثقة الجمهور في الحكومة الفدرالية.

وقال إن هذه الثقة كانت هشة منذ بداية سبعينيات القرن الماضي. وبينما يشير بعض المعلقين إلى الفضائح (مثل فضيحة ووترغيت) والاستقطاب السياسي، أو من وجهة نظر عزرا كلاين وديريك طومسون إلى الإفراط في التنظيم، لتفسير سبب تشكيك الكثير من الأمريكيين في قدرة الحكومة على الوفاء بوعودها، إلا أن الحرب كانت العامل الأبرز في تقويض الثقة.

ويرى الكاتب أن حرب فيتنام، قد حطمت الثقة التي بناها الأمريكيون في الحكومة الفدرالية خلال برنامج "الصفقة الجديدة" (1933- 1938 في ظل فرانكلين روزفلت) والحرب العالمية الثانية. ولا يزال أثرها على ثقة الجمهور قائما كتذكير بالضرر الذي يمكن أن تلحقه العمليات العسكرية التي تدار بشكل خاطئ.

فعندما صعّد الرئيس ليندون جونسون الحرب في فيتنام عامي 1964 و1965، كانت غالبية الشعب الأمريكي لا تزال تثق بالحكومة الفدرالية. فقد عزز تأثير برنامج "الصفقة الجديدة" للرئيس فرانكلين روزفلت على الاقتصاد في ثلاثينيات القرن العشرين والنجاح في دحر الفاشية العالمية في أربعينياته، ثقة الشعب بشكل كبير في قدرة واشنطن على تحقيق الإنجازات. وتوسع نطاق عمل الحكومة الفدرالية بشكل ملحوظ خلال تلك الفترة، مما خفف معاناة ملايين الأمريكيين الذين كانوا يعانون من انعدام الأمن الاقتصادي وترك بصمة عميقة على جميع مجالات الحياة الأمريكية تقريبا. ولهذا السبب، اعتقد الرئيس الجمهوري دوايت أيزنهاور، الذي حظي بشعبية واسعة وشغل منصب الرئيس لولايتين في خمسينيات القرن العشرين، أن أي محاولة لتقويض إرث روزفلت ستكون لها عواقب سياسية وخيمة. وكتب إلى شقيقه إدغار عام 1954: "إذا حاول أي حزب سياسي إلغاء الضمان الاجتماعي والتأمين ضد البطالة وإلغاء قوانين العمل والبرامج الزراعية، فلن تسمع عن هذا الحزب مرة أخرى في تاريخنا السياسي".

وفي عام 1958، كشفت الدراسة الوطنية للانتخابات، عن  نسبة الأمريكيين الذين يثقون بالحكومة الفدرالية بأنها كانت 73 بالمئة والسبب في  هذه الثقة العالية بالحكومة: "لأنها ستفعل الشيء الصحيح دائما تقريبا أو في معظم الأوقات".

وقد ألهم الرئيس جون إف. كينيدي، الذي بدأ ولايته في كانون الثاني/ يناير 1961، جيلا جديدا من الأمريكيين ليؤمنوا بما يمكن أن تحققه واشنطن بمساعدتهم. فقد أعلن في خطابه الافتتاحي: "لا تسألوا عما يمكن أن يقدم لكم وطنكم، بل اسألوا ماذا يمكنكم أن تقدموا لوطنكم".

ثم حلت كارثة فيتنام وبدأ الرأي العام يشعر بأن الإدارة لا تقول الحقيقة بشأن الحرب في عامي 1967 و1968.

وعندما بدأ الصحفيون الميدانيون أخيرا في معارضة التصريحات العسكرية الرسمية التي كانوا يعتمدون عليها. تدريجيا، بدأت الصحافة بنشر عدد أكبر من التقارير التي تكشف المشاكل التي واجهتها القوات الأمريكية في مواجهة الفيتناميين الشماليين والفيت كونغ. كما كانت الحركة المناهضة للحرب تنشر معلوماتها الخاصة، من خلال الصحف والمنشورات والتجمعات، والتي شككت في مصداقية التصريحات الرسمية.

وقد تلاقت هاتان القوتان في شباط/ فبراير 1968 عندما ظهر والتر كرونكايت، مذيع شبكة "سي بي إس"، على الهواء مباشرةً بعد زيارته لفيتنام خلال هجوم تيت - وهو هجوم مفاجئ على القوات الأمريكية تناقض مع الادعاءات الرسمية بأن الحرب تقترب من نهايتها، وتجاوز قواعد الموضوعية الصحافية ليقول: "يتضح لي أكثر فأكثر أن السبيل العقلاني الوحيد للخروج من هذا المأزق، هو التفاوض، لا كمنتصرين، بل كشعب شريف يفي بعهده للدفاع عن الديمقراطية".

ورغم ما قام به جونسون عام 1965، بدفع الكونغرس إلى تمرير أحد أوسع البرامج المحلية في تاريخ الولايات المتحدة، إلا أنه ومع اقتراب نهاية ولايته، واجه أزمة مصداقية جعلت العديد من الناخبين يفقدون الثقة في تصريحاته.

وكشف نشر وثائق البنتاغون عام 1971، وهي دراسة سرية للغاية بتكليف من وزارة الدفاع وسربت إلى الصحافيين بواسطة دانيال إلزبرغ، عن التاريخ الكامل للتضليل والخداع والأكاذيب الصريحة التي أحاطت بالحرب. ورفضت المحكمة العليا محاولة الرئيس ريتشارد نيكسون منع النشر، وقدمت صحيفتا "نيويورك تايمز" و "واشنطن بوست"، إلى جانب التغطية الواسعة في أكثر من اثنتي عشرة وسيلة إعلامية أخرى، للأمريكيين سردا مفصلا لكيفية وقوع الولايات المتحدة في مستنقع الحرب المميت، وهو سرد يناقض إلى حد كبير الروايات التي سمعوها طويلا من الرؤساء وغيرهم من المسؤولين.

ومنحت جلسات الاستماع في الكونغرس والتي حظيت بتغطية واسعة، الأمريكيين فرصة لمعرفة طريقة إخفاء المسؤولين الحكوميين لأفعالهم. وهي جلسات استماع قادها النائب أوتيس بايك والسناتور فرانك تشيرش، والتي حققت في كيفية عمل مؤسسة الأمن القومي خلف الأبواب المغلقة خلال بدايات الحرب الباردة. فبينما كان الرؤساء يتباهون بمحاربة الشيوعية لحماية الديمقراطية، كان مسؤولون في السلطة التنفيذية يحاولون اغتيال قادة أجانب دون تفويض ويتجسسون على مواطنين أمريكيين مشاركين في احتجاجات مناهضة للحرب وينتهكون الحريات المدنية الأساسية بشكل متكرر.

لكل هذا فاز جيمي كارتر بالحملة الرئاسية لعام 1976، بوعده للناخبين: "لن أكذب على الشعب الأمريكي أبدا"، لكنه فشل في تغيير مسار الأمور.

وقد دخلت ثقة الجمهور بالحكومة في فترة طويلة من التراجع خلال منتصف الستينيات، ثم ازدادت حدة نتيجةً لفضيحة ووترغيت واستقالة نيكسون، ولم تتعاف منها تماما حتى الآن. وقد توالت الأكاذيب: كشفت التحقيقات في فضيحة إيران-كونترا عام 1987 أن إدارة ريغان باعت أسلحة لإيران وحولت عائداتها سرا إلى الكونترا في نيكاراغوا، رغم الحظر الصريح الذي فرضه الكونغرس على ذلك، مع أن الكونغرس لم يجد دليلا قاطعا على أن الرئيس نفسه هو من أدار العملية برمتها.

كما أن الإشادة التي أعقبت النجاح السريع لعملية عاصفة الصحراء عام 1991، حين قاد الرئيس جورج بوش الأب الولايات المتحدة وتحالفا عسكريا لإخراج القوات العراقية من الكويت، صرفت الأنظار عن الادعاءات الكاذبة العديدة التي أطلقتها الإدارة قبيل الحرب، بما في ذلك قصص ملفقة عن قيام القوات العراقية بإخراج أطفال رضع من حاضناتهم في مستشفى كويتي.

إلا أن التاريخ السياسي الأمريكي لم تمر عليه تصرفات ومنذ حرب فيتنام كتلك التي خرجت من إدارة الرئيس جورج دبليو بوش وشنه الحرب على حرب العراق عام 2003.

فبينما كان الأمريكيون لا يزالون يعانون من تداعيات أحداث 11 أيلول/سبتمبر، زعمت الإدارة الأمريكية أنها بحاجة إلى مهاجمة العراق لأن نظام صدام حسين قد راكم ترسانة من أسلحة الدمار الشامل التي يمكن استخدامها ضد الولايات المتحدة ولأنه كان على صلة بشبكات القاعدة المسؤولة عن هجمات 11 أيلول/سبتمبر.

ورغم عدم صحة أي من هذين الادعاءين، إلا أن بعضا من أكثر المسؤولين موثوقية في إدارة بوش، بمن فيهم وزير الخارجية كولن باول، روجوا لهذه الحجج علنا أمام العالم. وبعد فترة وجيزة من بدء الحرب، اتضح جليا أن الرئيس قد ضلل الرأي العام. ومع استمرار الصراع لما يقرب من تسع سنوات، وبقائه في ظل استياء شعبي واسع، أصبحت عواقب هذه الادعاءات جزءا لا يتجزأ من إرث بوش.

ويقول الكاتب إن هذه العقود الخمسة من الأكاذيب وشن الحروب أدت لولادة أمة ساخرة، لا تثق بأي شيء تقريبا تفعله الحكومة، بل وتشكك بما تفعله.

ويرى الكاتب أن الجمهوريون كانوا في وضع أفضل للتعامل مع ثقافة الشك السائدة في المجتمع، إذ كانت برامجهم تركز وبشكل كبير على الحد من دور الحكومة. في المقابل، تحمل الديمقراطيون عبئا كبيرا من هذا التاريخ لأن حزبهم ظل يدافع عن دور حكومي قوي في بلد يتجذر فيه انعدام الثقة بشكل كبير.

وأضاف أن الحرب على إيران ستزيد من معدلات تراجع الثقة بالحكومة وما تفعله، سوءا. فعدم سعي ترامب قط للحصول على دعم الكونغرس خلق وضعا يفتقر فيه الأمريكيون إلى فهم واضح لأسباب شن الولايات المتحدة لهذه الهجمات الخطيرة، التي ما زالت تتصاعد. ولم تسهم الحجج المتغيرة والادعاءات المتناقضة من مسؤولي الإدارة، بما في ذلك مزاعم دحضت سريعا بأن إيران تمتلك صواريخ قادرة على الوصول إلى الولايات المتحدة، في تعزيز الدعم الشعبي.