غيب الموت موخراً المؤرخ والمفكر
التونسي
اليساري والكاتب علي المحجوبي عميد كلية الاداب والعلوم الانسانية السابق..
في مرحلة تعاقب فيها رحيل ثلة من كبار المفكرين والجامعيين التونسيين مثل المؤرخين
هشام جعيط ومحمد الطالبي ومحمد الهادي الشريف وعالم الاجتماع المنصف وناس.
المؤرخ والمفكر التونسي اليساري والكاتب علي المحجوبي
وقد نظمت الجامعة التونسية مؤخرا تكريما
للعميد علي المحجوبي أبرزت المداخلات خلاله خاصة على انخراطه مبكرا في تيار
المراجعات الفكرية والثقافية والسياسية وانفتاحه على كل التيارات ورفضة "القوالب
الحزبية والأيديولوجية" رغم تمسكه بـ "المنهجية العلمية الماركسية"
لكتابة
التاريخ طوال عقود .
الإعلامي والأكاديمي كمال بن يونس التقى
بالمناسبة مع المؤرخ أستاذ التاريخ المعاصر محمد ضيف الله الذي ألقى المداخلة
الرئيسة في تكريم علي المحجوبي وأجرى معه
الحوار التالي حول المراجعات الفكرية
والسياسية داخل ثلة من
الجامعيين والمفكرين والنشطاء السياسيين التونسيين :
س ـ اختارك زملاؤك الجامعيون لتأبين المؤرخ والكاتب والحقوقي
اليساري الكبير العميد السابق لكلية الآداب والعلوم الإنسانية علي المحجوبي..
بالرغم من انتقادات البعض للفقيد الذي نشر عددا هائلا من الدراسات والكتب المختصة
لكنها اعتمدت غالبا المنهج الماركسي في كتابة التاريخ.. ما هو تعليقك؟
ـ يمثّل
رحيل الأستاذ علي المحجوبي خسارةً كبيرة للجامعة التونسية وللوسط الأكاديمي
عمومًا، فهو أحد أبرز مؤرخي تونس المعاصرة ومن أعلام التعليم العالي الذين تركوا
أثرًا عميقًا في أجيال من الطلبة والباحثين في التاريخ والعلوم الإنسانية عموما،
فضلا عن مواقفه الحقوقية والديمقراطية المشهود بها..
لم يكن علي المحجوبي مجرد كاتب في التاريخ
المعاصر تخرج منذ ستينيات القرن الماضي من الجامعات الفرنسية.. ولم يكن مجرد
أستاذٍ يلقّن المعرفة، بل كان مدرسة فكرية وإنسانية قائمة بذاتها، جمع بين الصرامة
العلمية والالتزام الوطني والإنساني، فظل حضوره ممتدًا في عقول من تعلّموا على
يديه وقلوبهم، بصرف النظر عن اختلافات مواقفهم الفكرية ومرجعياتهم الثقافية
والسياسية.
وعندما كرمنا في الجامعة التونسية بحضور
عشرات من العمداء والجامعيين من الباحثين في العلوم الإنسانية المؤرخ والمفكر علي
المحجوبي فإننا نكرس وفاءً لذكراه، واستحضارًا لمسيرته العلمية والإنسانية، ولما
تركه من بصمة راسخة في دراسة التاريخ وفي تكوين أجيال من المؤرخين.. وفي دفاعه عن
التعددية والديمقراطية وحقوق الإنسان داخل الجامعة وفي البلاد، فضلا عن دراساته
الفكرية والتاريخبة وومواقفه المعمقة ضد الاستعمار القديم والجديد وضد الاحتلال
الصهيوني لفلسطين و مشاريعه في كامل المنطقة ودوليا ..
العميد علي المحجوبي مثال للجامعيين
والمثقفين والحقوقيين التونسيين الذين رفضوا الانغلاق والتحجر.. بل انفتحوا على
خصومهم و دعموا رصيدا ورثناه في الجامعة التونسية عن حراك الاساتذة والطلاب منذ
مطلع القرن الماضي.. تراث ثقافي ونضالي ربط منذ 115 عاما بين التحرر الوطني وإصلاح
التعليم و فتح الآفاق العلمية للطلاب والأساتذة والتجديد الفكري والثقافي..
التاريخ اداة لفهم الحاضر
س ـ لكن جيلا جديدا من المثقفين والسياسيين لا يشاطرون كثيرا
وجهة نظر هشام جعيط ومحمد الطالبي ومحمد الهادي الشريف وعلي المحجوبي وعبد الجليل
التميمي حول تأثير دراسة تاريخ الأفكار والشعوب والدول على دراسات فهم الواقع، ما
هو رأيك؟
ـ باعتباري
باحثا في التاريخ وأستاذا في التاريخ المعاصر أنوه بما تعلمته من أساتذتي
والمؤرخين الذين أثبتوا في أبحاثهم وكتبهم ومقالاتهم المختصة أن علم التاريخ مثل
بقية العلوم الإنسانية من بين أبرز أدوات فهم الواقع المحلي والدولي بتعقيداته
واستشراف المستقبل ..
حين نتحدث عن أستاذٍ من أساتذتنا في التاريخ
وإضافاته الأكاديمية والمعرفية فإننا في الحقيقة نبحث في ذواتنا عن الأثر الذي
تركه في تكويننا العلمي والإنساني وفي منهجيات المعرفة والتفكير والمشاركة في
المناظرات حول مختلف الأطروحات التي تهم الماضي والواقع والمستقبل .وفي لحظات الهدوء،
بعيدًا عن الامتحانات والمناظرات، نستشعر عمق تلك الآثار.
ولكل أستاذ مكانته في حياتنا، غير أن
المرحوم علي المحجوبي ترك بصمة خاصة وعميقة في أجيال طلبة التاريخ بالجامعة
التونسية. ولا شك أن اختيار كثيرين منهم التخصص في التاريخ المعاصر كان نتيجة
تأثيره المباشر، وشغفه بالمعرفة، وقدرته على غرس التفكير النقدي في نفوس طلبته.
إن الأستاذ علي المحجوبي ورفاقه رواد الثقافة والدراسات التاريخية
والإنسانية والاجتماعية لا يغادروننا حقًا، فآثارهم تبقى في كل طالب جلس أمامهم
سواء لتلقي الدرس، أو تقديم عرض، أو مناقشة نص، أو اجتياز امتحان شفاهي، أو مناقشة
أطروحة.
وقد علّمنا أستاذنا علي المحجوبي وجيله من
العلماء والباحثين أن التاريخ ليس مجرد سردٍ للماضي، بل أداة لفهم الحاضر واستشراف
المستقبل، وكان يردد مقتبسًا من لوي ألتوسير: "دراسة الماضي تساعدنا في تسليط
الضوء على الواقع وفهم المستقبل ".
وهي عبارة تختصر رؤية للتاريخ باعتباره
وعيًا ومسؤولية، وتؤكد أن المعرفة موقف، وأن الأستاذ الحقيقي يعلّم بعقله وقلبه
معًا.
بين الثقافي والسياسي والنضال الميداني
س ـ لكن البعض يتهم الجامعيين بـ "العزلة" عن
واقعهم وبعدم انخراطهم في الحراك الثقافي والسياسي الميداني ضد الاحتلال أو ضد
الظلم والفساد والاستبداد؟
ـ هذا
لا ينطبق على عدد كبير من المثقفين والمؤرخين ورواد الحركة الإصلاحية في تونس وفي
المنطقة العربية والإسلامية بل في بلدان أفريقيا واسيا وأمريكا الجنوبية ايضا .
لقد ولد علي المحجوبي مثلا سنة 1939
بجبنيانة، (من محافظة صفاقس 250 كلم جنوبي شرقي العاصمة تونس) بعد عامٍ من ثورة
شباب تونس وطلاب جامعة الزيتونة في أبريل 1938 من أجل برلمان تونسي والتحرر الوطني ..
ولد علي المحجوبي في بيئة وُصفت ضمن ما
يُسمّى "أماكن التمرد"، وقد حمل في شخصيته بذور تلك الروح.
وقد برز ذلك منذ كان طالبًا بباريس في مطلع
الستينيات، حين انخرط ضمن صفوف الطلبة التقدميين الذين مثّلوا أولى أصوات المعارضة
في ظل دولة الاستقلال. وكان من الناشطين في فرع باريس للاتحاد العام لطلبة تونس،
الذي حُلّ سنة 1963، ثم خاض الانتخابات بعد ذلك وفاز بأصوات القاعدة الطلابية، بما
يعكس حضوره ووعيه السياسي وتشبثه بالديمقراطية والحرية.
كانت تلك التجربة الطلابية مؤشّرًا مبكرًا
على استقلاليته الفكرية، ومقدمة لمسيرة علمية اتسمت بالشجاعة في التفكير والصدق في
البحث.
وقد كانت خطواته الأولى مع أطروحته التي
ناقشها في السربون سنة 1969 حول البلاد التونسية تحت بول كامبون، والتي صدرت
لاحقًا سنة 1977 بعنوان: "تركيز نظام الحماية الفرنسية في البلاد التونسية".
ثم شرع منذ سنة 1972 في إعداد أطروحة
دكتوراه الدولة تحت إشراف المؤرخ الفرنسي الكبير أندري نوشي، باحثًا في جذور
الحركة الوطنية التونسية، متفاعلًا مع أساتذته ومختلف التيارات الفكرية رغم اختلاف
المناهج والتوجهات.
ما الجديد؟
س ـ ما هي اهم الإضافات الفكرية والمعرفبة التي قدمها المثقف
والمؤرخ والمفكر علي المحجوبي الذي توفي وهو في العقد التاسع من عمره؟
ـ كان
الأستاذ علي المحجوبي من أوائل المؤرخين التونسيين الذين طرقوا أبواب الأرشيفات
الفرنسية في أواسط الستينات، معتمدًا منذ بداياته على أرشيف وزارة الخارجية
الفرنسية (الكي دورساي)، في خطوة سبّاقة نحو كتابة تاريخ وطني قائم على الوثيقة لا
على الرواية المتداولة.
غير أن دراسة تاريخ الحركة الوطنية لم تكن
سهلة، لما يثيره الموضوع من عواطف وجدالات.
وكان يستحضر في هذا السياق قولة مونتسكيو
التي كان يرددها: "يمكن أن نموت من أجل وطننا لكن لا يجب أن نكذب من أجله".
وبهذه الروح عاش أستاذنا: مؤمنًا بالوطن،
صادقًا مع الحقيقة، مدافعًا عن الموضوعية، متخذًا من العلم منهجًا ومن النزاهة
موقفًا.
وتكشف مسيرته العلمية الحافلة، التي تجسدت
في أحد عشر عنوانًا أكاديميًا، عن تطور فكره واهتماماته. فقد بدأ الكتابة
بالفرنسية بحكم تكوينه الجامعي، ثم تحول منذ الثمانينات إلى العربية إيمانًا
بأهمية الإسهام في اللغة الوطنية، فترجمت أعماله لتصل إلى جمهور أوسع.
ولم يقتصر على دراسة الفترة الاستعمارية، بل
لامس تاريخ الزمن الراهن من خلال آخر مؤلفاته حول الخيارات السياسية للحبيب
بورقيبة، الصادر بالفرنسية سنة 2021.
كما لم يقتصر اهتمامه على المجال التونسي،
بل وسّع أفق أبحاثه لتشمل الفضاء المغاربي والعالم العربي وقضايا إنسانية كبرى.
ومن أبرز أعماله في هذا السياق كتابه حول
جذور الاستعمار الصهيوني في فلسطين، حيث وظف المنهج التاريخي لفهم الحاضر ومناصرة
قضية تحرر وطني. واهتم كذلك بقضايا التحديث في مصر وتونس واليابان، بما يعكس طموحه
إلى الإشعاع عربيًا وإنسانيًا.
ويتذكر طلبته دروسه بالجامعة حول قضايا
التحرر من الاستعمار، حيث تناول التطور الاقتصادي في أوروبا وانعكاساته على
البلدان المستعمَرة، كما درس حركات التحرر الوطنية في المغرب العربي والتفاعل
بينها في مرحلة ما بين الحربين.
ولم تقتصر تجربته على دور الأستاذ الباحث،
بل تولى عمادة كلية 9 أفريل بين 1993 و1996، وأثبت خلالها أن الشجاعة الأخلاقية
ليست شعارًا، بل ممارسة فعلية. وقد وقف بكل جرأة إلى جانب الطلبة العائدين من
السجون، مؤمنًا بحق الجميع في التعليم والكرامة ضمن إطار القانون.
أما على المستوى الإنساني، فقد كان خلوقًا
متواضعًا، تعلو وجهه ابتسامة صادقة تعكس نظرته للحياة. عاش إنسانيًا في جوهره،
صادقًا في نضاله من أجل الحرية.
وقد عرف عنه انفتاحه على الطلبة والأساتذة
المستقلين والمعارضين . كما بادر بترسيم الطلبة الإسلاميين واليساريين المعارضين
للسلطات في الجامعة وفي الامتحانات وان كانوا في مرحلة ملاحقة امنية وتتبعات من
قبل المحاكم . و كان يلقى دعما من عدد من أساتذة الجامعة وطلبتها رغم معارضة اخرين
وعدد من مسؤولي الدولة.
لكنه كان ونخبة من الأساتذة من مختلف
التيارات يحرصون على استقلالية الجامعة والجامعيين وعلى تنوع التيارات الثقافية
والمعرفية فيها. وكانوا يرفضون حرمان الطلاب الذين سجنوا او أبعدتهم قوات الامن
والمحاكم بسبب أنشطتهم النقابية والسياسية المعارضة للسلطات.
معارضة "الإقصاء" و"الإقصاء
المضاد"
س ـ هل اتخذ العميد والمؤرخ علي المحجوبي مواقف مساندة
للديمقراطية والتعددية والإصلاح بعد "انهيار تجارب الانتقال الديمقراطي"
في مصر ثم في كل بلدان "ثورات الربيع العربي"؟!!
ـ يذكر
المثقفون والإعلاميون في تونس أن العميد والمؤرخ علي المحجوبي شارك بعد ثورة يناير
2011 في البرلمان الانتقالي واللجان الاستشارية دعما للانتقال الديمقراطي وتنظيم
انتخابات عامة تعددية وشفافة.
كما شارك في حوار مفتوح بثته وسائل الإعلام
التونسية والعربية حول مستقبل التعددية الفكرية والسياسة والانتقال الديمقراطي في
العالم العربي بعد الانقلاب العسكري في مصر في صائفة 2013.
كان الحوار من تنظيم منتدى ابن رشد للدراسات
الاستراتيجية المغاربية الأوروبية وساهم فيه مع المحجوبي المفكر العربي المصري
فهمي هويدي والأمين العام السابق لرابطة
حقوق الإنسان التونسية الوزير السابق حمودة بن سلامة والمفكر التونسي الشاب سامي
إبراهم.
وحضر الحوار وشارك في النقاش العام سياسيون
ومثقفون علمانيون وإسلاميون بارزون كان بعضهم من بين قيادات أحزاب حكومة الوحدة
الوطنية والبعض الآخر من بين زعامات الجبهة السياسية المعارضة لها رغم تحفظاتها
وقتها على " المنعرج العسكري في مصر ."
وفي كل الحالات تثبت المسيرة العلمية
والسياسية للمؤرخ علي المحجوبي وجيل من زملائه الجامعيين والحقوقيين من مختلف
التيارات إيمانهم بـ "المشترك" وبـ "الحوار" ورفض "كل
أنواع الإقصاء والإقصاء المضاد"…