يتواصل الهجوم الإسرائيلي–الأمريكي على
إيران منذ السبت الماضي، في تصعيد عسكري يعد الأكبر من نوعه في الشرق الأوسط منذ عام 2003 قبيل الاحتلال الأمريكي للعراق، بعدما حشدت واشنطن قواتها في المنطقة في أكبر تعزيز عسكري لها خلال عقدين.
وكشفت التطورات الميدانية عن استخدام ترسانة متطورة شملت مقاتلات شبحية، وقاذفات استراتيجية عابرة للقارات، وصواريخ كروز بعيدة المدى، ومسيّرات انتحارية، إلى جانب
صواريخ فرط صوتية من الطرفين، في مواجهة عالية الكثافة التكنولوجية.
وأصدرت القيادة المركزية الأمريكية (
سنتكوم) الأحد قائمة مفصلة بالأسلحة المستخدمة حتى الآن فيما تسميه وزارة الحرب الأمريكية “عملية الغضب الملحمي” (Epic Fury)، بحسب ما نقلته شبكة "
سي إن إن" الأمريكية، التي استعرضت الأصول العسكرية المشاركة في العمليات، من قاذفات شبحية ومقاتلات وحاملات
طائرات إلى أنظمة دفاع صاروخي ومنصات دعم لوجستي.
وفي الوقت نفسه، سلطت صحيفة “
إزفيستيا” الروسية الضوء على أبرز الأسلحة المستخدمة من جميع الأطراف، إلى جانب تحليلات لخبراء عسكريين بشأن السيناريوهات المحتملة خلال المرحلة المقبلة.
قاذفات شبحية لضرب المنشآت المحصنة
اعتمدت الولايات المتحدة بشكل رئيسي على القاذفات الشبحية الأمريكية "B-2"، المزودة بقنابل تزن 2000 رطل، لاستهداف منشآت الصواريخ
الباليستية الإيرانية المحصنة.
وتعد "B-2" أقوى منصة في سلاح الجو الأمريكي، ويبلغ سعر الواحدة منها أكثر من مليار دولار. وتستخدم أربعة محركات نفاثة، ويمكنها حمل أسلحة تقليدية أو نووية، وتتمتع بمدى عابر للقارات مع قدرة على التزود بالوقود جوا.
ويقود القاذفة طاقم من شخصين، وتنطلق عادة من قاعدة ويتمن الجوية في ميزوري، كما حدث العام الماضي عندما نفذت مهمة ذهاب وإياب استغرقت 34 ساعة لضرب مجمعات نووية إيرانية.
"ضرب دون اختراق الأجواء"
كما استخدمت واشنطن صواريخ كروز من نوع “توماهوك” تطلق من مدمرات بحرية، ما يسمح بضرب أهداف في عمق الأراضي الإيرانية بدقة عالية، دون الحاجة لاختراق أجواء الدول المجاورة.
ويتراوح مدى هذه الصواريخ بين 1600 و2500 كيلومتر، وتحمل رأسا حربيا تقليديا يزن نحو 450 كيلوغراما، بدقة إصابة تقدر بأمتار معدودة.
وتستطيع مدمرات “أرلي بيرك” الأمريكية المنتشرة في المنطقة حمل ما يصل إلى 96 صاروخا من هذا النوع، كما أنها مزودة بأنظمة الدفاع الصاروخي الباليستي “إيجيس” لحماية حاملات الطائرات والأصول الساحلية.
تكامل المقاتلات الشبحية والهجومية الثقيلة
شاركت في الضربات مقاتلات شبحية وأخرى هجومية ثقيلة، لتجنب الاعتماد على الاختراق العميق والمستمر للمجال الجوي الإيراني.
وشملت العمليات مقاتلات "أف35" الشبحية القادرة على تنفيذ ضربات دقيقة ببصمة رادارية منخفضة، إلى جانب مقاتلات "أف15" التي توجه ضربات ثقيلة من خارج مدى الدفاعات الجوية بذخائر قادرة على تدمير التحصينات.
كما شاركت طائرات "أف16"، و"إف/إيه-18" التابعة للبحرية ومشاة البحرية، إضافة إلى المقاتلات الشبحية "أف22" و"أف35". وأظهرت مقاطع صادرة عن “سنتكوم” طائرات "إف/إيه-18"و"أف35" تقلع وتهبط من على متن حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن”، فيما كانت الحاملة “جيرالد فورد” متمركزة في شرق المتوسط قبالة إسرائيل عند بدء الضربات.
أول استخدام لمسيّرات “لوكاس”
أكدت القيادة المركزية الأمريكية الأحد٬ أن عملية “الغضب الملحمي” شهدت أول استخدام قتالي أمريكي لطائرات “لوكاس” المسيّرة أحادية الاتجاه، التي دخلت الإنتاج المتسلسل قبل أشهر فقط.
وقال الخبير العسكري الروسي ديمتري كورنيف إن هذه المسيّرات تمثل نسخة مطابقة تقريبا لطائرات “شاهد” الإيرانية و”جيران” الروسية، وتحاكيها في معظم الخصائص.
ورجح أن تكون المواد اللازمة لاستنساخ هذه الطائرات قد جمعت عقب حرب 2025 بين إيران والاحتلال الإسرائيلي، وكذلك من المعارك في أوكرانيا حيث استخدمت طائرات “جيران” على نطاق واسع.
صواريخ إسرائيلية فرط صوتية تمهّد الطريق
بحسب تقرير صحيفة “إزفيستيا” الذي أعدّه بوغدان ستيبوفوي ورومان كريتسول ويوليا ليونوفا، استخدم الاحتلال الإسرائيلي صواريخ فرط صوتية جو–جو من طراز “رامبيج” و”بلو سبارو”، والتي سبق استخدامها خلال حرب حزيران/يونيو 2025.
وأوضح كورنيف أن هذه الصواريخ تُطلق من مقاتلات "أف15" على مسافة تزيد عن ألف كيلومتر من الهدف، دون دخول الأجواء الإيرانية، ما يجعل اعتراضها مهمة شبه مستحيلة.
وتستهدف هذه الصواريخ أنظمة الدفاع الإيرانية، بما في ذلك الرادارات ومنصات الإطلاق والمنظومات المضادة للطائرات، ويعتقد أنها شاركت في استهداف مراكز القيادة، ما يمهد الطريق أمام ضربات لاحقة بوسائل أخرى.
إيران ترد بصواريخ فرط صوتية
في المقابل، ردت إيران باستخدام مكثف لصواريخ فرط صوتية من طراز “ذو الفقار” و”فتاح 2″ المزودة بمحركات صلبة ورؤوس قتالية موجهة، بعد أن كانت تعتمد بشكل أساسي على صواريخ تعمل بالوقود السائل في حزيران/يونيو الماضي.
وأوضح كورنيف أن اعتراض هذه الصواريخ باستخدام أنظمة الدفاع الجوي الحالية يمثل مهمة شبه مستحيلة نظرا لسرعتها العالية، مشيرا إلى أن الرؤوس الحربية لهذه الصواريخ أخف وزنا مقارنة بالصواريخ التي تعمل بالوقود السائل، ما يفرض على إيران اختيار أهدافها بعناية.
وأضاف أن أنظمة الدفاع الصاروخي الأمريكية “باتريوت” فعالة ضد الصواريخ الباليستية القديمة مثل “سكود”، لكنها محدودة جدا أمام الصواريخ الإيرانية الفرط صوتية الحديثة، وهو ما يفسر وصول بعضها إلى أهدافها وإحداث أضرار في منشآت أمريكية في الخليج العربي.
أنظمة الدفاع تحت ضغط واستنزاف محتمل
من جانبه، رأى الخبير العسكري فلاديسلاف شوريغين أن الصواريخ والطائرات المسيّرة أصبحت الأسلحة المفضلة للأطراف المتنازعة، لكنه أشار إلى أن القدرات الإيرانية تبدو محدودة بسبب قلة عدد هذه الأنظمة في ترسانتها.
وفي المقابل، اعتبر أن المشكلة الأساسية بالنسبة للولايات المتحدة تكمن في محدودية أنظمة الدفاع الجوي والصواريخ المتوفرة لحماية قواعدها في المنطقة، والتي قد تكفي لمدة أسبوعين أو ثلاثة فقط وفق وتيرة العمليات الحالية.
ورجح شوريغين أن تحاول واشنطن تدمير أكبر عدد ممكن من الصواريخ الإيرانية قبل أن تخفف من حدة ضرباتها، ما يعني أن هذه الفترة قد تمثل المرحلة الأساسية من النزاع.
منظومة دعم استخباري وقتالي متكاملة
شملت العمليات الأمريكية استخدام طائرات الإنذار المبكر والمراقبة الجوية (AWACS)، من طراز "يبوينغ إي-3 سينتري" التابعة للقوات الجوية و"طائرة إي-2 هوك آي" التابعة للبحرية، القادرتين على رصد الأهداف الجوية والبحرية على مدى يصل إلى نحو 250 ميلا، ونقل المعلومات في الوقت الفعلي إلى مراكز القيادة والسفن.
كما شاركت طائرات الهجوم الإلكتروني "EA-18G Growler" المزودة بأنظمة تشويش ورادارات لتحديد التهديدات الإلكترونية وقمعها، وطائرات ترحيل الاتصالات "EA-11 BACN" المعروفة باسم “واي فاي في السماء”، التي تربط البيانات والصوت بين القوات الجوية والبرية متجاوزة العوائق الجغرافية.
واستخدمت الولايات المتحدة أيضا طائرات الدورية البحرية "بي-8 إيه بوسيدون"، و"طائرات الاستطلاع RC-135" لجمع وتحليل المعلومات الاستخباراتية في الوقت الفعلي، إضافة إلى طائرات "إم كيو-9 ريبر" الهجومية المجهزة بصواريخ "Hellfire" وقنابل موجهة.
وشاركت أنظمة الدفاع الصاروخي “باتريوت” و”ثاد” لاعتراض الصواريخ الباليستية والمسيّرات، إلى جانب منظومات "صواريخ هيمارس إم-142" القادرة على تنفيذ تكتيك “إطلاق النار والانسحاب” بصواريخ يصل مداها إلى أكثر من 300 ميل.
دعم لوجستي حاسم في الجو والبحر
اعتمدت العمليات على ناقلات التزود بالوقود "KC-135" و"KC-46" لضمان استمرار الطلعات الجوية، لا سيما لقاذفات "B-2" التي تنفذ رحلات طويلة من البر الأمريكي إلى الشرق الأوسط.
كما تتزود السفن الحربية الأمريكية بالوقود في البحر عبر سفن إمداد تديرها أطقم مدنية في الغالب، باستخدام خراطيم تمتد بين السفن أثناء الإبحار، بما يشبه محطة وقود عائمة في عرض المحيط.
تعكس طبيعة الأسلحة المستخدمة، من قاذفات شبحية وصواريخ كروز بعيدة المدى إلى صواريخ فرط صوتية ومسيّرات انتحارية، انتقال المواجهة إلى مستوى عالي التعقيد العسكري والتكنولوجي.
ومع استمرار تبادل الضربات، تبدو المرحلة الحالية أقرب إلى سباق استنزاف استراتيجي يسعى فيه كل طرف إلى تحييد قدرات الآخر الدفاعية والهجومية، في نزاع قد يعيد رسم موازين القوى في الشرق الأوسط إذا ما طال أمده.