لماذا تقف إثيوبيا وإريتريا مجددا على حافة الحرب؟

بعد ثلاثة سنوات على نزاعٍ دامٍ حصد نحو 600 ألف شخص في إقليم تيغراي شمال إثيوبيا يقف الإقليم مجددا على شفا مواجهة عسكرية جديدة- جيتي
نشرت صحيفة "لوموند" الفرنسية تقريرا سلطت خلاله الضوء على أسباب تصاعد التوتر بين أثيوبيا و إريتريا، والذي تعود جذوره إلى نزاعات تاريخية على الحدود وخسارة أديس أبابا المنفذ الوحيد على البحر بعد استقلال إريتريا.

وقالت الصحيفة في تقريرها الذي ترجمته "عربي21"، إن العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا تشهد تصاعداً ملحوظاً للتوتر على خلفية أزمة إقليم تيغراي.

وأضافت الصحيفة أن أديس أبابا دفعت بتعزيزات عسكرية كبيرة إلى تخوم مقاطعتها الشمالية، بينما اتجهت أسمرة نحو التقارب مع متمردي التيغراي، في تحوّل لافت مقارنة بمواقفها السابقة.

ملامح صراع جديد

بعد ثلاثة سنوات على نزاعٍ دامٍ حصد نحو 600 ألف شخص في إقليم تيغراي شمال إثيوبيا، يقف الإقليم مجدداً على شفا مواجهة عسكرية جديدة. ففي كانون الثاني/ يناير الماضي، استهدفت طائرات مسيّرة تابعة للجيش الإثيوبي مواقع لقوات تيغراي. ومنذ ذلك الحين، دفعت أديس أبابا بتعزيزات عسكرية شملت قوات وأرتالاً من المدفعية إلى محيط الإقليم.

وتوازياً مع هذا التصعيد، تم تعليق الرحلات الجوية المتجهة إلى تيغراي مطلع العام، فيما أوقفت السلطات عدداً من مراسلي وسائل الإعلام الدولية ومنعتهم من الوصول إلى المنطقة. وأضافت الصحيفة أن أديس أبابا صعّدت في مطلع شباط/ فبراير لهجتها تجاه أسمرة، وطالبتها بـ"سحب قواتها فوراً من الأراضي الإثيوبية ووقف أي شكل من أشكال التعاون مع الجماعات المتمردة".

ويأتي هذا التطور -حسب الصحيفة- في ظل تحوّل لافت في موقف إريتريا التي كانت قد قاتلت إلى جانب الجيش الإثيوبي خلال حرب تيغراي بين عامي 2020 و2022، قبل أن تتجه مؤخرا نحو التقارب مع المتمردين.

تنافس تاريخي

وأوردت الصحيفة أن العلاقة بين أديس أبابا وأسمرة تتأرجح منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بين العداء البارد والصدامات المفتوحة. ففي عام 1960، وبعد نهاية حقبة الاستعمار الإيطالي، قام الإمبراطور الإثيوبي هيلا سيلاسي الأول بضمّ إريتريا، ما رسّخ الهيمنة الإثيوبية على الإقليم.

وقد تفاقمت هذه السيطرة في عهد نظام "الدرغ" العسكري الشيوعي بقيادة منغستو هيلا مريام، الذي أطاح بالإمبراطور هيلا سيلاسي عام 1974.

وفي مواجهة السلطة المركزية الإثيوبية، سواء في العهد الإمبراطوري أو الشيوعي، تقارب الإريتريون بقيادة أسياس أفورقي خلال سبعينيات القرن الماضي مع قوة متمردة، وهي "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" بزعامة ملس زيناوي. وضمن تحالف ضمّ مكوّنات أخرى مناوئة للنظام الإثيوبي تمكن التيغراي والإريتريون عام 1991 من إسقاط نظام منغستو هيلا مريام.

غير أن التحالفات التي بُنيت في ميادين القتال سرعان ما بدأت تتصدع. ففي أديس أبابا، فرض التيغراي سيطرتهم على مفاصل الدولة سياسيا واقتصاديا، وتصاعدت الخلافات مع الإريتريين على خلفية النزاعات الحدودية المستمرة.

وفي 1998، اندلعت حرب شاملة بين البلدين بعد مناوشات حدودية، أودت بحياة نحو 100 ألف شخص خلال عامين. وقد تم لاحقا توقيع اتفاق سلام إلا أنه لم يُطبَّق بالكامل.

حرب التيغراي

تضيف الصحيفة أن الوضع بقي متأزماً حتى وصول آبي أحمد إلى سدة السلطة في إثيوبيا عام 2018. فعند توليه رئاسة الوزراء، أنهى آبي أحمد نحو ثلاثة عقود من سيطرة "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" على مفاصل الدولة الإثيوبية، كما وضع أسس المصالحة مع إريتريا بقيادة الرئيس أسياس أفورقي، وقد نال على إثر ذلك جائزة نوبل للسلام عام 2019.

وحسب الصحيفة، بقي شبح الحرب الأهليّة يهدد استقرار إثيوبيا، إذ رفض قادة "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" الذين يسيطرون على إقليم تيغراي الاعتراف بالسلطة المركزية. وفي محاولة لقمع أي توجه نحو الانفصال، أطلق رئيس الوزراء الإثيوبي في تشرين الثاني/ نوفمبر 2020 حربا شاملة ضد الإقليم المتمرد.

وتؤكد الصحيفة أن الرئيس الإريتري، حليف الحكومة الإثيوبية الانتهازي، أرسل حينذاك قواته لمساندة الحكومة الإثيوبية ضد خصومه التاريخيين "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي"، وأسفر الصراع عن هزيمة المتمردين في تشرين الثاني/ نوفمبر 2022.

ورغم الأوضاع المأساوية وجرائم الحرب الواسعة التي ارتكبتها القوات الإثيوبية خلال النزاع، واستمرار وجود الجنود الإريتريين على أراضي إقليم تيغراي، شهدت المرحلة التالية تطوراً مفاجئاً، من خلال التقارب غير المعلن بين قادة التيغراي و الحكومة الإريترية.

وقد أفضى هذا التقارب -وفقا للصحيفة- إلى اتفاق ضمني على مواجهة طموحات آبي أحمد للسيطرة مجدداً على إقليم تيغراي والحصول على منفذ بحري، الأمر الذي سيؤدي حتمًا إلى صراع مفتوح مع إريتريا.

أهمية المنفذ البحري

توضح الصحيفة أن إثيوبيا، وهي ثاني أكثر دول القارة الأفريقية من حيث عدد السكان الذي يقدّر بـ 130 مليون نسمة، فقدت منذ استقلال إريتريا عام 1993 المنفذ الوحيد على البحر الأحمر.

لم تستسلم الحكومات الإثيوبية المتعاقبة لهذه العزلة، وكان استعادة المنفذ البحري من أسباب النزاع مع أسمرة عام 1998. ومنذ عام 2023، جعل آبي أحمد من هذا الأمر "قضية وجودية"، منددًا بـ"السجن الجغرافي" الذي يحاصر إثيوبيا على حد تعبيره.

وذكرت الصحيفة أن أديس أبابا تعتمد اليوم على ميناء جيبوتي في تجارتها الخارجية، إلا أن السلطات الإثيوبية تعتبر أن الرسوم المرتفعة التي تفرضها جارتها تشكّل عائقاً أمام طموحاتها الاقتصادية.

وفي 14 شباط/ فبراير، وعلى منبر الاتحاد الإفريقي، شدد رئيس الوزراء الإثيوبي على أن "الحصول على منفذ بحري أمر أساسي لنمو الاقتصاد الوطني ولتحقيق الاستقرار في القرن الأفريقي"، في تحذير مبطن لإريتريا.

الموقف من الصراع في السودان

ترى الصحيفة أن التوترات المتجددة بين إثيوبيا وإريتريا ترتبط بفوضى الحرب الأهلية السودانية، حيث يقف البلدان الواقعان في القرن الأفريقي على طرفي نقيض في هذا الصراع.

وحسب تحقيق نشرته وكالة "رويترز" في 10 شباط/ فبراير، تستضيف إثيوبيا قاعدة عسكرية تابعة لقوات الدعم السريع، يأتي تمويلها من الإمارات العربية المتحدة، وقد دان السودان بشدة وجود هذه البنية التحتية. في المقابل، تتهم أديس أبابا الخرطوم بتقديم دعم لوجستي وتسليح لمقاتلي "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" عبر ميناء بورتسودان.

أما إريتريا، فهي حليف وثيق للقوات المسلحة السودانية، وهي تدرب -وفقا للصحيفة- ميليشيات سودانية متحالفة مع حكومة بورتسودان، وتوفر ملاذا للطائرات الحربية السودانية.

وتؤكد الصحيفة أن هذا التعاون العسكري بين السودان وإريتريا تُشرف عليه مصر بشكل مباشر ضمن مساعيها لتشكيل تحالف إقليمي لاحتواء النفوذ الإثيوبي.

وتشهد العلاقة بين القاهرة وأديس أبابا تشهد توتراً حاداً بسبب مشروع سد النهضة الإثيوبي الذي يُعد أكبر مشروع للطاقة الكهرومائية في أفريقيا.

وتختم الصحيفة بأن تركيا وقطر والمملكة العربية السعودية تتفق مصالحها في القرن الأفريقي مع مصر، وتعمل على تنسيق جهودها تدريجياً لمواجهة النفوذ الإماراتي.