في خطوة تعد الأولى من نوعها، أعلنت
السفارة الأمريكية في مدينة القدس المحتلة أنها ستبدأ يوم الجمعة القادم تقديم خدمات قنصلية لمواطنيها في مستوطنات إسرائيلية بالضفة الغربية المحتلة.
ويعدّ هذا الإجراء خروجًا عن نهج السياسة الخارجية الأمريكية لعقود، التي لطالما اعتبرت المستوطنات في الضفة الغربية عائقًا أمام السلام، إلا أنه خلال ولاية ترامب الأولى، تراجعت واشنطن عن موقفها عندما صرّح وزير الخارجية آنذاك، مايك بومبيو، بأن المستوطنات لا تتعارض مع القانون الدولي.
قرار يكشف التناقض الصارخ في مواقف واشنطن
بدورها، نددت حركة حماس بإعلان السفارة الأمريكية بمدينة القدس المحتلة اعتزامها للمرة الأولى تقديم خدمات قنصلية داخل مستوطنة للاحتلال بالضفة الغربية المحتلة.
وقالت الحركة في بيان، أن هذا القرار الجديد يكشف التناقض الصارخ في مواقف الولايات المتحدة، التي تدّعي رفض
ضم الضفة الغربية، بينما تتخذ خطوات ميدانية تعزز الضم وتكرس السيادة الإسرائيلية على الأراضي
الفلسطينية المحتلة.
وأشارت حماس إلى أن تقديم خدمات رسمية أمريكية داخل المستوطنات يعد انتهاكًا علنيًا للقانون الدولي، الذي يجرم الاستيطان، ومحاولة لفرض وقائع سياسية جديدة تمهّد لتصفية الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.
وحذرت حماس من خطورة هذه الخطوة وتداعياتها، وتعد تشجيعًا للاحتلال على توسيع سيطرته، الأمر الذي يتطلب موقفًا دوليًا ضاغطًا لوقف هذا التغول والعدوان.
من جهته، قال عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية واصل أبو يوسف إن إعلان السفارة تقديم خدماتها في مستوطنة "إفرات" غير قانوني، ويؤكد أن واشنطن تتعامل مع المستوطنات كما لو كانت جزءًا من "إسرائيل" في محاولة لشرعنة الاحتلال.
وأكد أبو يوسف وجود قرارات صادرة عن مجلس الأمن الدولي توثق عدم شرعية الاستيطان، فضلًا عن فتاوى وآراء قانونية صادرة عن محكمة العدل الدولية أكدت عدم جواز الاستيطان في الأراضي المحتلة، معتبرًا إعلان السفارة بأنه موافقة ضمنية أمريكية على ضم الضفة الغربية.
شرعنة أمريكية للمستوطنات
أما مدير مكتب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان بوسط الضفة الغربية صلاح الخواجا، فقال إن هذه الخطوة تطور خطير نحو تشريع البؤر والمستوطنات.
وأضاف أن تقديم خدمات قنصلية بمستوطنات مثل "إفرات وبيتار عيليت" بالتوازي مع مدن مثل حيفا، يهدف إلى مساواة الوضع القانوني للمستوطنات بالمدن في الداخل المحتل.
كما اعتبر أن هذا القرار ينسجم مع نهج ترامب، الساعي إلى تفريغ المنظومة الدولية من مكانتها وحضورها، ودعم ضم الاحتلال للضفة الغربية، وتحويلها إلى مناطق معزولة.
أما أمين عام حزب المبادرة الوطنية الفلسطينية مصطفى البرغوثي، فوصف القرار بأنه غير مسبوق تجاه القضية الفلسطينية، وقال إنه أكبر تطور خطير في السياسة الأمريكية.
لافتاً إلى أن إدارة ترامب انتقلت من الموقف التقليدي للولايات المتحدة الرافض للاستيطان أو المعارض له إلى موقف يتعامل مع المستوطنات ويقبلها، وشدد على أن هذا خرق فاضح للقانون الدولي، إذ لطالما أدان مجلس الأمن والأمم المتحدة المستوطنات الإسرائيلية.
ودعا البرغوثي إلى تحرك جامِع فلسطيني وعربي وإسلامي يرسل رسالة واضحة إلى الولايات المتحدة بأن هذا التطور الخطير يتطلب إعادة النظر في كل المصالح الأمريكية بالمنطقة، وحذر من أنه دون إجراءات فعلية ملموسة، لن تتراجع إسرائيل عن سياساتها في الضفة الغربية.
موقف الكنيسة من ضم الضفة
بدوره، قال رئيس الكنيسة الإنجيلية اللوثرية في بيت لحم وبيت ساحور منذر إسحاق، إن واشنطن بتقديمها خدمات قنصلية بمستوطنة غير شرعية تحاول إضفاء طابع طبيعي على ضم إسرائيل للضفة.
كما قال المتحدث السابق بدائرة المفاوضات بمنظمة التحرير كزافييه أبو عيد، إنه بعد 5 أشهر من تصريح الرئيس الأمريكي بمعارضته للضم، يُقدّم ممثلوه على الأرض خدماتهم داخل المستوطنات الإسرائيلية.
خدمات أمريكية في القدس ورام الله
ومساء الثلاثاء، أعلنت السفارة الأمريكية في القدس المحتلة أنها تعتزم تقديم خدمات جوازات السفر يوم الجمعة 27 شباط/فبراير الجاري في مستوطنة "إفرات"، التي تقع جنوب مدينة بيت لحم بالضفة، وتضم كثيراً من المستوطنين الأمريكيين.
كما قالت إنها تعتزم تقديم خدمات مماثلة في مدينة رام الله بالضفة وفي مستوطنة "بيتار عيليت" بالقرب من بيت لحم.
وتقدم الولايات المتحدة الخدمات القنصلية بسفارتها بالقدس المحتلة وفي مكتبها الفرعي في "تل أبيب، ويُقدَّر عدد المواطنين الأمريكيين الإسرائيليين الذين يعيشون في الضفة الغربية بعشرات الآلاف.
الإعلان جاء بعد يوم من تصريحات هاكابي
ويأتي إعلان السفارة الأمريكية عقب مقابلة مثيرة للجدل أجراها مقدم البودكاست تاكر كارلسون مع السفير الأمريكي لدى دولة الاحتلال مايك هاكابي، والذي أثار ردود فعل غاضبة من العرب والمسلمين عندما صرّح بأنه "لا يمانع" في سيطرة إسرائيل على مساحة واسعة من الشرق الأوسط.
واستحوذ هذا التصريح على معظم اهتمام وسائل الإعلام، لكن كبير الدبلوماسيين الأمريكيين لدى الاحتلال ادعى أيضًا أن مساحة واسعة من الضفة الغربية المحتلة جزء من إسرائيل، وقال لـكارلسون: "هؤلاء إسرائيليون يعيشون في إسرائيل. المنطقة (ج) هي إسرائيل".
في شباط/فبراير، وافقت حكومة نتنياهو على خطة تسمح للاحتلال باتخاذ القرارات وإنفاذها بشأن الشؤون المدنية في المنطقتين (أ) و(ب) من الضفة الغربية المحتلة، مما يقوض بشكل مباشر سيطرة السلطة الفلسطينية.