بدا مشهد الرئيس التنفيذي للشركة وهو يستهزئ ضاحكا بالتربح من قتل الفلسطينيين باستخدام الذكاء الاصطناعي، مستفزا للنشطاء على منصات التواصل، وعلى نحو جارف على منصة "إكس".
في غالبية المقابلات الصحفية والمؤتمرات والحوارات بالكاد يستطيع الرئيس التنفيذي لشركة التكنولوجيا العمالقة، ألكسندر كارب، Alex Karp، أحد حلفاء إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، البقاء جالسا على كرسيه وهو يقول بفخر، مخاطبا المساهمين والإعلام، "نقتل الناس أحيانا".
وتزعم مؤلفة كتاب "شفرة كوفيد"، زوي سميث أن برنامج الشركة استخدم سرا لمعرفة من تلقى لقاح "كوفيد-19" أو جهاز تنفس صناعي، أو دواء ريمديسيفير. وشبهت النظام بمركز "استخبارات مركزي" للمستشفيات، يتحكم في تدفق الموارد الطبية.
يصفها نشطاء على منصات التواصل ومتظاهرون بأنها "شركة تكنولوجيا تجسس أمريكية سرية "، كما وضعتها تقارير أممية ودولية في قائمة تضم 15 شركة عالمية، متورطة في حرب الإبادة في قطاع
غزة.
وتظهر سجلات هيئة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك أن شركة "
بالانتير/Palantir "، حصلت أخيرا على عقد بقيمة 30 مليون دولار لبناء منصة لتتبع تحركات المهاجرين ولإنشاء قاعدة بيانات رئيسية للهجرة لتسريع عمليات الترحيل القسري.
ونتيجة تعاونها مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وتوقيعها عقودا مع الجيش الأمريكي ارتفعت القيمة السوقية بشكل لافت لشركة "بالانتير تكنولوجيز" التي حققت أداء ماليا قويا في عام 2025، حيث تجاوزت أرباحها وإيراداتها توقعات بورصة "وول ستريت" بشكل كبير.
تأسست "بالانتير" لتحليل البيانات على يد بيتر ثيل، والرئيس التنفيذي الحالي للشركة أليكس كارب، وثلاثة آخرين، بعد هجمات 11 سبتمبر/ أيلول 2001.
كانت طبيعة عمل الشركة دائما تحت دائرة الضوء بسبب أدوات المراقبة التي تصنعها، والتي تم تطويرها في أعقاب تلك الهجمات، بأتمتة العمل الذي كان يقوم به ضباط المخابرات الأمريكية يدويا في السابق.
أحد المؤسسين الرئيسيين للشركة هو بيتر ثيل، ملياردير ألماني أمريكي صنع ثروته من خلال "فيسبوك"، كما أنه مشارك في تأسيس "باي بال"، بالإضافة إلى "بالانتير" طبعا. معروف بأنه يميني يكره الديمقراطية وحقوق النساء، وصديق للملياردير إيلون ماسك، وداعم لدونالد ترامب، وله تأثير قوي على نائب الرئيس الأمريكي، جيه دي فانس.
أما ألكسندر كارب فهو رجل أعمال أمريكي يهودي، بدأ مسيرته المهنية بالاستثمار في الشركات الناشئة والأسهم، وشارك في تأسيس "بالانتير"، وفي عام 2025، تجاوزت ثروته الصافية 12 مليار دولار، مما يجعله من بين أغنى 300 شخص في العالم كما ذكرت مجلة "فوربس".
شهدت الشركة دفعة قوية بفضل حملة الرئيس ترامب لتعزيز دور الحكومة، ومنح الجيش الأمريكي عقدا لشركة بالانتير تصل قيمته إلى 10 مليارات دولار، على مدار العقد المقبل، ما يرسخ قيمة الشركة كمحلل بيانات رئيسي للجيش وفي مجال استخراج البيانات واستخدام الذكاء الاصطناعي في الحروب.
وتشهد الشركة صعودا سريعا في واشنطن، إذ أبرمت عقودا جديدة مع سبع وكالات فيدرالية.
ويشير تقرير منفصل نشرته "نيويورك تايمز" إلى استثمار جيفيري إبستين أكثر من 40 مليون دولار في إحدى شركات ثيل الاستثمارية التي استثمرت لاحقا في "بالانتير".
وتملك الشركة بشكل عام برمجيتين أساسيتين، الأولى وهي "فاوندري" المخصصة للشركات المدنية وتجمع بيانات هذه الشركات وتحللها بشكل مناسب، كما تحتفظ به في الأرشيف الخاص بها.
والثانية وهي برمجية "غوثام" المخصصة لهيئات القانون والحكومات، وتقوم بجمع البيانات من مختلف المصادر الموجودة بالفعل تحت تصرف الهيئات الحكومية المختلفة، ثم تربطها ببعض وتجمعها في واجهة واحدة تسهل مراقبتها وتتبعها.
يسمح تطبيق " بالانتير" بربط المعلومات الخاصة بشخص ما من عدة مصادر مختلفة، سواء المعلومات الشخصية كأرقام الهواتف والمكالمات أو المعلومات الرسمية مثل تلك الخاصة بالضمان الصحي أو الجامعات أو الشرطة، وحتى مخالفات السير والمرور، ويقوم التطبيق بفضل تقاطع هذه المعلومات بالتنبؤ بتصرفات هذا الشخص مستعينا بالذكاء الاصطناعي.
هذا التطبيق هو بامتياز أداة للتجسس على الأشخاص، وقد بيع لبعض الدول في العالم، ومن الجهات التي اشترته مخابرات الجيش الإسرائيلي، وهم ما تم فضحه قبل أكثر من عام بعد بيعه لعدة دول في العالم.
كان موقف شركة بالانتير من غزة مكشوفا وفاضحا بطريقة لم ينكرها حتى قادة الشركة، فقد أدلى ألكسندر كارب بوصفه الرئيس التنفيذي للشركة بعدد من الملاحظات حول حرب غزة، معلنا دعمه لدولة الاحتلال بقوة.
كما أدان بشدة الاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين في الجامعات الأمريكية، واصفا آراءهم بـ"الدين الوثني" و"العدوى داخل مجتمعنا". وقال إنه يجب إرسال المتظاهرين إلى كوريا الشمالية، وأعلنت "بالانتير" تخصيص 180 وظيفة لخريجي الجامعات اليهود.
ويستخدم جيش الاحتلال الإسرائيلي برنامج الذكاء الاصطناعي الذي تنتجه الشركة لقصف أهداف في غزة، كما تستخدمه وزارة الحرب الإسرائيلية في تحليل لقطات الطائرات بدون طيار. وقدمت الدعم العسكري وتكنولوجيا المراقبة المدعومة بالذكاء الاصطناعي للإسرائيليين في حربهم على غزة.
وتشمل هذه القدرات تزويد جيش الاحتلال وأجهزة الاستخبارات بالبيانات اللازمة لإطلاق الصواريخ على أهداف محددة في غزة، سواء داخل المنازل أو في المركبات المتحركة.
وقد شاركت الشركة، على حد تعبير كارب في "عمليات حاسمة في إسرائيل".
ووفقا للجنة خدمة الأصدقاء الأمريكية (AFSC)، فإن بالانتير هي واحدة من عشرات الشركات "المستفيدة من
الإبادة الجماعية في غزة"، ونشرت على منصة "أكس" تقول: "بعض أنواع الشر لا تُحارب إلا بالقوة. بالانتير تدعم إسرائيل".
كما سلط تقرير المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فرانشيسكا ألبانيز، الضوء عن تواطؤ مئات الشركات العالمية الكبرى في دعم ما وصفته بـ"اقتصاد الإبادة" في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ومن بينها "بالانتير"، وأشارت ألبانيز إلى أن تعاون "بالانتير" مع الاحتلال الإسرائيلي يعود لسنوات، معتبرة أن استمرار دعمها رغم الأدلة على انتهاكات محتملة يرتقي إلى "تواطؤ في جرائم دولية".
ورغم إقبال كثير من الدول والجهات الأمنية والعسكرية على برامجها إلا أن "بالانتير" تواجه مقاطعة من قطاعات أخرى فقد تخلت شركة ستوربراند لإدارة الأصول النرويجية، أحد أكبر المستثمرين في منطقة الشمال الأوروبي، عن "بالانتير" بسبب عملها مع الاحتلال الإسرائيلي، وبيع الشركة منتجات وخدمات بما في ذلك أنظمة تنبؤية قائمة على الذكاء الاصطناعي تدعم المراقبة الإسرائيلية للفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة.
اسم الشركة مشتق من سيد الخواتم حيث كانت الحجارة السحرية والتي توصف بأنها كرات من الكريستال غير قابلة للتدمير تستخدم للتواصل ولرؤية الأحداث في أجزاء أخرى من العالم، في هذا العالم الخيالي، تمثل "بالانتير" حجارة الرؤية القادرة على اختراق حجب الزمان والمكان وأيضا الرقابة، تجسيدا حيا لمعضلة أخلاقية عميقة في عصر الذكاء الاصطناعي حيث مخاطر المراقبة الشاملة وانتهاء عصر الخصوصية.