"الدستورية العليا" تصدم المصريين بقرار براءة مروجي "الحشيش الاصطناعي"

الحكم اعتبر أن رئيس هيئة الدواء لا يملك دستوريا أو قانونيا سلطة تعديل جداول المخدرات- جيتي
في سابقة قانونية خطيرة، جاء حكم "المحكمة الدستورية العليا" في مصر، الاثنين، ببطلان قرار إداري بإدراج أحد أنواع "الحشيش الاصطناعي" على قمة جداول المخدرات بالبلاد، صادما للمصريين، لما يترتب عليه من إفراج عن المسجونين بتهم الاتجار بهذا العقار وبراءة المتهمين بقضية "المخدرات الكبرى".

المحكمة المختصة بمراقبة دستورية القوانين واللوائح وأحكامها نهائية وغير قابلة للطعن وملزمة، قضت وبرئاسة المستشار بولس فهمي، بعدم دستورية قرار "هيئة الدواء"، (حكومية) بنقل مادة "الميثامفيتامين" المؤثرة على الجهاز العصبي للإنسان إلى "الجدول الأول" مخدرات.

تضمن الحكم، إلغاء القرارات السابقة واللاحقة الصادرة عن "هيئة الدواء"، بشأن تعديل جداول المخدرات والتي ضمت مواد مخدرة مصنعة أخرى، وتُعد كأن لم تكن منذ صدورها باعتبارها مبنية على أساس غير دستوري، وبحجة أن الهيئة غير مختصة واستلبت اختصاصات وزير الصحة.

وفي حين قالت حيثيات المحكمة إن "رئيس هيئة الدواء لا يملك دستوريا أو قانونيا سلطة تعديل أو استبدال جداول المخدرات"، أكدت أن أي تعديل بجداول المخدرات "يخضع لمبدأ الشرعية الجنائية الذي يقتضي صدور القواعد المنظمة له من السلطة التشريعية أو من جهة خولها القانون صراحة".

خطأ إجرائي.. من يتحمله؟

ووفق حقوقيون ومحامون فإن "قرار المحكمة استمرار العمل بالجداول القديمة دون إضافة المخدرات الجديدة المصنعة أو التخليقية أو ما يطلق عليه (الحشيش الاصطناعي)، يشير إلى أن رفض تعديل قوائم جداول قانون مكافحة المخدرات جاء بسبب خطأ إجرائي أو إداري، يتحمله المجتمع وأجيال الشباب".

وقالوا إن "الحكم رغم أنه أكد على مبدأ الفصل بين السلطات، واحترام حدود الاختصاص، إلا أن الأثر المحتمل عليه أخطر بكثير من المخالفة القانونية والإدارية".

وأوضحوا أنه "بموجب هذا الحكم سيتم اسقاط حجية كافة الأحكام القضائية الصادرة من محاكم الجنايات المصرية بإدانة المتهمين في قضايا العقاقير المخدرة مثل: الآيس، والشابو، والكريستال، والبودرة، وبالتالي المطالبة بإخلاء سبيلهم".

كما أنه يترتب على الحكم "براءة جميع المتهمين في القضايا المنظورة حاليا أمام محاكم الجنايات، ومنها قضايا هزت الرأي العام المصري، وبينها قضية المخدرات الكبرى المتهم فيها المذيعة سارة خليفة، وآخرين".

ما علاقة الحكم بسارة خليفة؟

في نيسان/ أبريل 2025، جرى ضبط سارة خليفة، بتهمة التورط في شبكة لتجارة المواد المخدرة، وتصنيع المُخلقة منها (الحشيش الاصطناعي) بمعمل داخل شقة بالقاهرة، وضبط 750 كيلو غراما منها بقيمة 1.2 مليار جنيه، ثم إحالتها للمحاكمة في تموز/ يوليو و27 آخرين، وسط أنباء لم تتأكد بتورط وكيل نيابة و8 ضباط بالواقعة.


خلال إحدى مراحل المحاكمة أقام محامي سارة خليفة، محمد الجندي، دعوى ضد قرار هيئة الدواء بإدراج هذا النوع من المخدر المخلق بجداول المخدرات، لتحيلها محكمة النقض إلى الدستورية للفصل في دستورية القرار لتصدر حكمها السابق ذكره.

وفي ذات اليوم طالب محامي سارة خليفة، بإخلاء سبيلها، قائلا لموقع  "مصراوي" إن "التصرف الصحيح بالجلسة القادمة بقضيتها والقضايا المماثلة، هو إخلاء سبيل المتهمين أو الحكم ببراءتهم، تطبيقا لأحكام المحكمة الدستورية"، موضحا أن "الحكم يعني أن كل من كان مقبوضا عليه أو حُكم عليه في هذه القضايا يجب إخلاء سبيله أو الحكم ببراءته، بما في ذلك الأحكام النهائية".

وفي حديثها لموقع "القاهرة 24"، قالت المحامية هدى العسال، إن قرار المحكمة الدستورية العليا، بعدم دستورية قرار إدراج الحشيش الاصطناعي على جداول المخدرات، يبطل محاكمة المتهمين في قضية سارة خليفة، وكذلك الإفراج عن جميع المحكوم عليهم في قضايا: (الآيس، والشابو، والكريستال، والبودر).



قرار سياسي ومعيب

وفي قراءته لدلالات حكم الدستورية، قال السياسي المصري ممدوح إسماعيل: "من الواضح أنه قرار سياسي لنشر المخدرات لتغييب عقل الشعب ونشر الجريمة؛ ذلك لأن أعضاء المحكمة الدستورية معينين لخدمة الدولة؛ وطبيعة عمل المحكمة أنها بطيئة ولا تصدر أحكامها إلا بعد سنين وبعلم الدولة ولمصلحة الدولة".

المحامي بالنقض، أوضح في حديثه لـ"عربي21"، أنه "لذلك قامت ثورة قضائية ضد هذه المحكمة من قضاة محكمة النقض عند بداية إنشائها"، مبينا أن "الشاهد من قرار عدم دستورية إدراج الحشيش الاصطناعي كجدول أول مخدرات مصيبة اجتماعية وجنائية والمحكمة تعلم ذلك، ويترتب عليه إباحة المواد المخدرة ورجوع بعضها من جناية إلى جنحة مما يخفف العقوبة ويسهل الانتشار".


ويرى عضو مجلس الشعب المصري سابقا، أن "الأعجب والذى يفضح تناقض المحكمة والنظام المصري هو تسبيب المحكمة لهذا الحكم المصيبة على مصر، بقولها إن قرار هيئة الدواء معيب وباطل لأنه يهدر مبدأ سيادة القانون، ويخل بمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، ويفتأت على مبدأ الفصل بين السلطات، ويعد بهذه المثابة مخالفا لنص المواد ( 5 و94 و95 و101 ) من الدستور".

قرار مريب

من جانبه، أكد الباحث الحقوقي عباس قباري، إن "الموضوع مريب"، موضحا أن "الدستورية تتسم حركتها بالكسل ولا تتحرك في قضايا أهم من ذلك إلا بمرور سنوات"، متسائلا: "لماذا العجلة في مثل هكذا قضية؟، ولماذا لم تعلق تنفيذ الحكم، كما فعلت في حكمها الخاص بالإيجار الذي علقته حتى تمكنت الحكومة من استصدار قانون الإيجار؟".

وأضاف عبر "فيسبوك": "يبدو أن الأمر مرتب لإنهاء هذه القضية التي شاعت بشأنها إشاعات عن تورط ضباط وقضاة مع المتهمة الرئيسية"، متوقعا أن يجري بعد إخلاء سبيل سارة خليفة تعديل الحكومة قراراتها لـ"حبس باقي الحرافيش".



الإفراج عن داليا فؤاد

في ذات السياق، أثار جدلا مماثلا، إخلاء سبيل المذيعة والبلوجر داليا فؤاد، الأحد الماضي، بعد عام من حبسها بتهم تعاطي المخدرات، وذلك إثر إلغاء محكمة الجنايات في آذار/ مارس 2025، اتهامها بحيازة والاتجار بـ"مخدر الاغتصاب" (GHB) المدرج بالجدول الأول من قانون المخدرات، لعدم كفاية الأدلة.

النيابة، وفي تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، وإثر القبض عليها وضبط 180 لترا من مخدر "جاما هيدروكسي بيوتيرك"، بقيمة 145 مليون جنيه بحوزة متهم آخر، وُجهت لفؤاد، تهمة حيازة مواد مخدرة بقصد الاتجار، بعد العثور بشقتها على زجاجة 120 ملليلتر من نفس العقار.

وكان قد تم ضبط المغني الشهير سعد الصغير في أيلول/ سبتمبر 2024، بمطار القاهرة أثناء عودته من أمريكا وحبسه 6 أشهر بتهمة حيازة مواد مخدرة في قضية لم تصنف كجلب من الخارج، وذلك بعد واقعة مماثلة للممثلة منة شلبي في مطار القاهرة في تشرين الثاني/ نوفمبر 2022، ليتم إخلاء سبيلها والحكم بحبسها سنة مع وقف التنفيذ و10 آلاف جنيه غرامة.

ومن آن إلى آخر، يظهر شباب في الشارع المصري في حالة هستيرية وغير طبيعية تحت تأثير أنواع جديدة من المواد المخدرة المنتشرة بين فئات شعبية وأنواع أخرى منتشرة بين طبقات راقية من المجتمع.



وفي ظل غياب الأمن تنتشر أوكار تصنيع مخدر الآيس، والشابو، والاستروكس، مع انتشار "دواليب المخدرات" وتوزيعها علنا ونهارا وفق ما رصدته "عربي21"، تحت الطريق الدائري حيث يتجمع حول أحد التجار شباب وأطفال للحصول على حصتهم في توزيع المخدرات.

تناقض مثير

ويكشف حكم الدستورية وإخلاء سبيل داليا فؤاد، وفق مراقبين، عن "استمرار تسبب خطأ الإجراءات القانونية، أو خطأ إداري لدى الجهات الحكومية كما في حكم المحكمة الدستورية، أو عدم كفاية الأدلة، في هروب تجار مخدرات من العقوبة، ما يساعد عن انتشارها بالبلاد".

وأشاروا إلى أنه "في المقابل لا يجري الاعتداد بأي خطأ في الإجراءات بحق آلاف المعتقلين السياسيين ومنهم المرضى، وكبار السن، والأطفال، والفتيات والنساء اللاتي جرى اعتقال كثيرات منهن في الشهور الأخيرة".



ويتزامن حكم الدستورية ومطالبات محامي سارة خليفة بإخلاء سبيلها مع مطالبة لجنة الدفاع عن سجناء الرأي عبر مذكرة للنائب العام بالإفراج عن المتجاوزين الحد الأقصى للحبس الاحتياطي، مؤكدة أن استمرار احتجازهم مخالفة صريحة لقانون الإجراءات الجنائية.

فجور قانوني

ذهب السياسي المصري ممدوح إسماعيل، للقول إنه "من عجائب الفجور القانوني في مصر، أن يتم احتجاز الآلاف بالمعتقلات، ورهن الحبس الاحتياطي لـ٨ سنوات، بالمخالفة للقانون والدستور؛ لكن المحكمة تعامت عن ذلك تماما، ما يؤكد أنها (مسيسة) كونها معينة من الدولة".

ولفت إلى أمر عجيب ثاني، وهو "استناد المحكمة لمواد كلها مهجورة تماما"، مبينا أن "(المادة 5) من الدستور، تختص بـ(التعددية السياسية والحزبية، والتداول السلمي للسلطة، والفصل بين السلطات واحترام حقوق الإنسان)، وهي مادة غائبة تماما".

وألمح إلى "استناد الدستورية في حكمها على (المادة 94)، التي تقول إن (سيادة القانون أساس الحكم، وأن استقلال القضاء، وحصانته، وحيدته، ضمانات أساسية لحماية الحقوق والحريات)، بينما يتم اقتحام البيوت وانتهاك الحريات بدون سند من القانون".

وأشار إلى أن (المادة 95)، تقول إن العقوبة شخصية، ولا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون، ولا توقع عقوبة إلا بحكم قضائي، ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لتاريخ نفاذ القانون)"، موضحا أن "هذه أفضح مما سبق لأنه يتم القبض على عائلات للاشتباه في شخص واحد من العائلة، ويجري إخفاء قسري لآلاف بدون حكم قضائي، وسجن الناس دون جريمة".

وخلص للقول: "هذا الحكم مصيبة اجتماعية وسياسية وأخلاقية على شعب مصر وفضيحة قانونية لأنه يفضح التناقض للدولة ومحاكمها في التنكيل بالمعارضين والسياسيين، ومحاباة وتدليل مروجي المخدرات".


و"يجري التنكيل بالنشطاء والحقوقيين، والذين كان آخرهم استدعاء مؤسسة (مركز النديم) عايدة سيف الدولة، للتحقيق معها الأحد الماضي، ثم إخلاء سبيلها على ذمة القضية (809 لسنة 2026) بعد دفع مبلغ 100 ألف جنيه، وهو ما تكرر مع الناشط أحمد دومة قبل أسابيع.

وفي السياق، أدانت منظمة "هيومينا لحقوق الإنسان"، "استمرار الاستدعاءات والتحقيقات أمام نيابة أمن الدولة العليا"، مؤكدة أن "نمط التحقيق ثم إخلاء السبيل بكفالات مرتفعة بات يُستخدم كأداة استنزاف مالي وترهيب عبر اتهامات فضفاضة ومتكررة، بما يضيّق على حرية التعبير".