نشرت صحيفة "
نيويورك تايمز" تقريرا من العاصمة السورية دمشق، لمراسلتها رجا عبد الرحيم، قالت فيه إن عدد
اليهود الذين يزورون
سوريا، التي فرّ بعضهم منها منذ عقود، آخذ في التزايد في حقبة ما بعد سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024.
وبحسب التقرير، فإن أحد أبرز المؤشرات على هذا التحول يتمثل في تقديم الطعام
الكوشر لأول مرة في مطبخ فندق بوسط دمشق، في مشهد لم يكن مألوفا في البلاد طوال سنوات الحرب والقطيعة والهجرة.
مطبخ كوشر في قلب دمشق
في مطبخ فندق "رويال سميراميس" وسط دمشق، وقف طاهٍ عند منضدة مخصصة يُشكّل غموس الفلفل الأحمر المشوي على هيئة كرات أنيقة، بينما يضع الحمص بملعقة على شكل دوامات. كان العشاء سوريا تقليديا، لكن وفق قواعد الكوشر.
وفي مكان قريب، كانت الأطباق وأواني التقديم مكدسة خلف طبقات من غلاف بلاستيكي، وإلى جانبها لافتتان بالإنجليزية كُتب عليهما: "للطعام الكوشر فقط. ممنوع اللمس".
وقال الطاهي عبد الرحمن قهوهجي، الذي يعمل في الفندق: "من الجميل رؤية أفكار وثقافات جديدة"، مضيفا أنه غادر سوريا خلال الحرب الأهلية الطويلة وعمل في مطاعم خارج البلاد.
وأضاف: "كنت في لبنان، وكنت في العراق، ورأيت أشياء كثيرة. لكن هذه هي المرة الأولى التي أرى فيها طعام كوشر".
"لم يبق منها سوى ستة"
وأشارت "نيويورك تايمز" إلى أن سوريا كانت تضم في السابق جالية يهودية صغيرة لكنها نابضة بالحياة، قُدر عددها بنحو 30 ألف نسمة، موزعين على ثلاث مدن رئيسية من بينها مدينة دمشق القديمة.
لكن مع اندلاع الحروب في السنوات التي تلت قيام دولة الاحتلال الإسرائيلي، غادر كثيرون البلاد، ثم غادر معظم من تبقى في أوائل تسعينيات القرن الماضي.
واليوم، لم يتبقَ في دمشق سوى نحو ستة يهود سوريين فقط، وفقا لأفراد من الجالية داخل البلاد وخارجها.
ومع توافد اليهود السوريين وغير السوريين إلى سوريا، تقول الصحيفة إن الحاجة تتزايد لوجود مطعم كوشر، وملحمة كوشر، وكنيس يعمل بشكل سليم.
كما يسعى بعض اليهود السوريين، بحسب التقرير، إلى استعادة منازلهم وممتلكاتهم التي تركوها هم أو عائلاتهم قبل عقود.
من دمشق إلى نيويورك ثم العودة
وتحدث التقرير عن جوزيف
جاجاتي، وهو رجل أعمال يبلغ من العمر 32 عاما، قال إنه كان في الثانية من عمره فقط عندما غادرت عائلته دمشق إلى نيويورك.
وأوضح أنه نشأ في منزل يلتزم بقواعد الكوشر، ما كان يمنع تناول بعض الأطباق السورية التقليدية التي تجمع بين اللحم والزبادي، بسبب تحريم خلط اللحوم والألبان.
وأضاف أنه يتذكر ارتياد كنيس دمشقي كانت الخطب تُلقى فيه باللغة العبرية.
وذكرت الصحيفة أن فكرة إنشاء مطبخ كوشر داخل فندق سميراميس بدأت في أيلول/سبتمبر الماضي، خلال زيارة جماعية نظمتها مؤسسة "الفسيفساء السورية" التي يرأسها جاجاتي، والتي تنظم رحلات لليهود إلى سوريا.
وقال جاجاتي إن خططه للمؤسسة تشمل أيضا إنشاء مركز ثقافي في مدينة دمشق القديمة، يركز على الحرف اليدوية التقليدية التي اشتهر بها اليهود السوريون في الماضي.
وكان ضمن المجموعة التي زارت سوريا في أيلول/سبتمبر الماضي، الحاخام آشر لوباتين، وهو حاخام أرثوذكسي من ولاية ميشيغان الأمريكية.
وقال لوباتين في مقابلة هاتفية مع "نيويورك تايمز" بعد زيارته: "تناولنا عشاء رائعا، لكنني لم أستطع تناول سوى الفاكهة".
وبحسب التقرير، فقد دعا مالك الفندق منذر نزهة المجموعة إلى مأدبة عشاء، بحضور مسؤولين حكوميين، ثم سأل لاحقا عن مدى صعوبة إنشاء مطبخ كوشر وإمكانية تنفيذه داخل الفندق.
23 كيلوغراما من لحوم الكوشر
وعندما عاد جاجاتي إلى سوريا في كانون الأول/ديسمبر الماضي مع مجموعة سياحية أخرى، أحضر معه 23 كيلوغراما من اللحوم الكوشر من نيويورك.
كما اشترى الفندق أسياخا وشوايات جديدة للحوم، إلى جانب أطباق وأدوات مائدة. وذهب جاجاتي إلى المطعم ليشرح للطهاة والموظفين تفاصيل إعداد الطعام الكوشر.
وبعد أيام، استضاف المطعم أول عشاء كوشر له بمناسبة عيد الأنوار (حانوكا).
وفي الوقت الحالي، وصف الحاخام لوباتين مطبخ سميراميس بأنه "كوشر بشكل غير رسمي"، موضحا أنه سيحتاج لاحقا إلى تفتيش من قبل حاخام متخصص في شهادات الكوشر.
ويرى جاجاتي أن وجود مطاعم كوشر قد يشجع مزيدا من اليهود السوريين على العودة، مؤقتا أو بشكل دائم.
غير أن التقرير لفت إلى أن استعادة المنازل والمتاجر والمدارس وغيرها من الممتلكات التي تركتها العائلات اليهودية قبل عقود، قد تمثل تحديا كبيرا، إذ بيعت بعض هذه الممتلكات أو أُجّرت، بينما استولى النظام السابق أو مواطنون آخرون على الكثير منها.
أكثر من 12 كنيسا بلا استخدام
وبحسب أفراد من الجالية، كانت مدينة دمشق القديمة تضم أكثر من اثني عشر كنيسا، لكن لم يعد أي منها يستخدم بانتظام.
وتقول الحكومة السورية إن أي سوري يثبت ملكيته للممتلكات يملك الحق في استعادتها.
وفي أوائل كانون الثاني/يناير الماضي، اصطحب جاجاتي مجموعة من أصدقائه لزيارة كنيس الفرانج، وهو أحد دور العبادة المغلقة في الحي اليهودي بمدينة دمشق القديمة.
وأوضح أن مفاتيح المعابد كانت خلال حكم الأسد لدى الأجهزة الأمنية، لكنها أصبحت الآن في حوزة لجنة حكومية تابعة لوزارة الخارجية.
"لسنا ضيوفا.. نحن مالكو هذا الكنيس"
وخلال زيارة المجموعة، كان مسؤول من وزارة الخارجية في الفناء يشرف على عمال تنظيف وترميم الكنيس، الذي يُقال إنه تأسس في القرن الخامس عشر على يد يهود سفارديم هاربين من محاكم التفتيش الإسبانية.
غير أن المسؤول أخبر جاجاتي أنه لا يملك تصريحا بدخول الزوار حتى اكتمال أعمال التنظيف.
وعندها قال جاجاتي، وقد ازداد انزعاجه وهو يقف خارج المكان الذي تزوج فيه والداه وأُجريت له طقوس الختان: "لسنا ضيوفا، نحن مالكو هذا الكنيس".
وأضاف جاجاتي أن هذا الموقف ذكّره بما كان يواجهه سابقًا عندما كان يضطر إلى التوسل لمسؤولي نظام الأسد، الذين كانوا يستدعونه للاستجواب في كل مرة يزور فيها سوريا لفتح الكنيس له.
وتابع عن الحكومة الجديدة: "والآن يفعلون الشيء نفسه"، ثم أشار إلى اليهود السوريين الآخرين قائلا:
"كيف لي أن أتصل بهم الآن وأحثهم على الحضور؟".
"كوشر خاص".. وسط مطبخ مزدحم
وبعد ساعات، ظل موضوع الكنيس وتسليم مفاتيحه لأحد أفراد الجالية اليهودية السورية حاضرا بقوة في نقاشات الحاضرين.
وفي مطعم سميراميس، كان العشاء محددًا وفق العادات السورية عند الساعة 7:30 مساء، لكن الضيوف بدأوا يتوافدون بعد الثامنة بقليل.
دخل جاجاتي قرابة الساعة 8:30، وفي يده مشروب طاقة.
وفي المطبخ، كانت الصواني التي تحتوي على البروكلي وشرائح البطاطس وعجين خال من منتجات الألبان مغطاة بالبلاستيك ومكتوب عليها بخط اليد بالعربية: "كوشر خاص".
وصرخ مساعد الطاهي مجد مارينا، وهو يشوي خمس شرائح من لحم الضلع على رفوف خاصة ويقلبها مرارا: "أحضروا لي أطباق الكوشر".
وفي الوقت نفسه، كان الإقبال يتزايد من زبائن غير ملتزمين بقواعد الكوشر، لكن الطهاة حرصوا على عدم اختلاط الأطباق وملاعق التقديم وحتى القفازات.
"هذه مجرد بداية"
وفي قاعة الطعام، تنقل النادلون بين الأطباق، مقدّمين المحمرة والحمص وورق العنب المحشو وسلطة الباذنجان.
وقال جاجاتي: "هذه مجرد بداية"، مشيرًا إلى أن طموحه لا يقتصر على العشاء، بل يمتد إلى امتلاك مطعم كوشر كامل في دمشق.
وأوضح أنه خلال أول رحلة له إلى سوريا بعد سقوط نظام الأسد، قطع وعدا بمحاولة تنظيم مكان واحد على الأقل لتناول الطعام الكوشر، لتشجيع اليهود السوريين الآخرين على العودة.
ومع تقدم العشاء، بدا عليه الرضا لأن رؤيته بدأت تتحقق. وضع قطعة من الكباب في فمه ومضغها، ثم قال: "وعود قطعتها، ووعود أفي بها".