ما بعد "قسد".. كيف يعيد سقوطها في الشمال الشرقي لسوريا تشكيل المنطقة؟

قسد بين التسوية والقلق من الإقصاء - جيتي
قدم خبراء في معهد واشنطن للسياسات الشرق أدنى تقييما شاملا للتداعيات المباشرة لتقدم الحكومة السورية في مناطق واسعة من الشمال الشرقي، التي كانت خاضعة لسيطرة قسد “قوات سوريا الديمقراطية”، في تطور يعيد خلط الأوراق العسكرية والسياسية والأمنية في واحدة من أكثر مناطق البلاد حساسية وتعقيدا. 

ويضع هذا التقدم قضايا مصيرية على الطاولة، أبرزها مصير محتجزي تنظيم “داعش”، وشروط الاتفاقات الجديدة مع الأكراد، وحدود الدور الأمريكي، إلى جانب حسابات تركيا و”إسرائيل” والأردن في مشهد إقليمي شديد السيولة.

اختراق التضليل وضباب الحرب

مع تقدم القوات العسكرية والأمنية والقبلية الموالية للحكومة السورية وتراجع “قوات سوريا الديمقراطية” ذات القيادة الكردية، تتركز الأنظار على مصير آلاف سجناء تنظيم “داعش” المحتجزين في مراكز وسجون منتشرة في الشمال الشرقي. وتبرز محافظة الحسكة بوصفها العقدة المركزية في هذه المعادلة، باعتبارها مفتاح السيطرة على ملف الاحتجاز والطريق الوعر الذي ينتظر جميع الأطراف.

ويشير خبراء المعهد إلى أن حكومة الرئيس أحمد الشرع تبدو مصمّمة على بسط سيطرتها على الحسكة، التي شكلت لسنوات شريان التواصل الحيوي بين “قسد” وأكراد شمال العراق، إضافة إلى كونها ركنا أساسيا في الوجود العسكري الأمريكي ضمن الحرب على تنظيم “داعش”. وبذلك، فإن “قسد” التي تجد نفسها اليوم محاصرة، ستنظر على الأرجح إلى معركة الحسكة باعتبارها معركة وجود لا تقبل التراجع.

وتكتسب هذه المواجهة بعدا إضافيا في منطقة غنية بالنفط ومتعددة الأعراق والأديان، تضم عربا وأكرادا وآشوريين وأرمن، ما يجعلها، وفق التقديرات، بيئة هشة قابلة للانزلاق إلى عنف طائفي واسع إذا لم تضبط التحركات العسكرية والسياسية بدقة.

واشنطن بين الضغط والتسوية

وفقا لما ورد في الاتصال الهاتفي الذي أجراه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع الرئيس الشرع في 19 كانون الثاني/يناير الجاري، فإن البيت الأبيض يطالب دمشق بالتركيز على تأمين مرافق احتجاز تنظيم “داعش”، وتعقب الفارين منها، ووقف التقدم العسكري بالقدر الذي يسمح بالتوصل إلى تسوية دبلوماسية. 

وفي السياق ذاته، أعلنت “القيادة المركزية الأمريكية” بدء مهمة جديدة لنقل عدد من محتجزي التنظيم من شمال شرق سوريا إلى العراق، بهدف “المساعدة في ضمان بقائهم في مرافق احتجاز آمنة”.

غير أن خبراء المعهد يرون أن العقبة الكبرى أمام صياغة سياسة أمريكية فعالة تكمن في حملات التضليل الواسعة التي تشنها دمشق و”قسد” ومناصروهما، والتي لا تستهدف الرأي العام السوري فحسب، بل تمتد أيضا إلى واشنطن، ولا سيما الكونغرس. 

ويؤكدون أن هذا “الضباب” الإعلامي يجعل من الصعب بناء صورة دقيقة للوضع الميداني الحقيقي.

ورغم ميل الإدارة الأمريكية الواضح إلى تفضيل دمشق وقدراتها غير المختبرة في تلك المناطق، فإنها مطالبة، بحسب الخبراء، بالتدقيق الشديد في رواية الحكومة السورية للأحداث، خصوصا في ظل تداول تقارير عن مجازر محتملة شبيهة بما شهدته مناطق الساحل السوري ومحافظة السويداء العام الماضي. 

مثل هذه التقارير، إذا لم تفحص بدقة، قد تهدد بعرقلة أو إفشال قرارات سياسية حساسة داخل الكونغرس. وعليه، يدعو الخبراء إلى زيادة تبادل المعلومات الاستخبارية مع المشرعين وحث المسؤولين على التحقق من المعلومات قبل نشرها.

اتفاق دمشق–“قسد”.. أسئلة أكثر من أجوبة

في 18 كانون الثاني/يناير الجاري، توصلت حكومة الشرع إلى اتفاق من 14 نقطة مع “قسد” لوقف القتال في الشمال ووضع أسس جديدة لدمج المناطق الخاضعة لسيطرتها. غير أن صياغة الاتفاق، وفق تقييم المعهد، تثير تساؤلات جوهرية، ولا سيما بشأن مستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة.

فالنقطة الخامسة، على سبيل المثال، تنص على دمج أفراد “قسد” في القوات المسلحة السورية على أساس “فردي”، في تراجع عن تفاهمات سابقة تحدثت عن دمج وحدات كاملة. هذا التحول، من دون تفسير واضح، يترك مصير عشرات الآلاف من المقاتلين الأكراد غامضا.

كما تنص النقطة السابعة على تعيين مسؤول محلي لإدارة محافظة الحسكة ذات الغالبية الكردية، بهدف “ضمان” التمثيل السياسي المحلي، من دون توضيح آلية الاختيار أو الجهات المشاركة فيها. 

وتتعهد النقطة العاشرة بتعيينات تخضع لمراجعة كردية في مناصب أمنية ومدنية مركزية، لكنها تفتقر إلى تفاصيل التنفيذ. أما النقطة الحادية عشرة، التي تعترف بالحقوق اللغوية والثقافية والقانونية للأكراد، فهي، رغم أهميتها الرمزية، لا تتضمن التزامات دستورية أو قانونية ملزمة.

ويرى الخبراء أن معالجة هذه الثغرات عبر حوار ثلاثي بين واشنطن ودمشق و”قسد” بات أمرا ملحا لتجنب انهيار جديد لوقف إطلاق النار.

التزام أمريكي “تكتيكي”

ويرد خبراء المعهد على الاتهامات التي تتهم واشنطن بـ”خيانة” الأكراد، مؤكدين أن الموقف الأمريكي المعلن منذ سنوات يعتبر العلاقة مع “قسد” مؤقتة وتكتيكية ومعاملاتية. وقد تبنت الإدارات الأمريكية هذا النهج لتجنب التدخل في مستقبل البنية الداخلية لسوريا أو استفزاز تركيا، بسبب ارتباط “قسد” بـ”حزب العمال الكردستاني” المصنف إرهابيا.

كما شددت واشنطن باستمرار على أن قرار مجلس الأمن 2254 هو الإطار الناظم لحل سياسي تقوده عملية سورية–سورية، وأن التزاماتها العسكرية تجاه الأكراد كانت دائما محصورة بمواجهة تنظيم “داعش” ونظام الأسد وحلفائه.

قنبلة المحتجزين الموقوتة

تشكل قضية نحو 35 ألف محتجز من عناصر تنظيم “داعش” وأفراد عائلاتهم أحد أخطر التحديات الأمنية والإنسانية في سوريا اليوم. فالمخيمات، وعلى رأسها “الهول” و”روج”، والسجون المنتشرة في الشمال الشرقي، لطالما أديرت من قبل “قسد” بدعم من التحالف الدولي، من دون أفق قانوني أو سياسي واضح.

ومع تصاعد العنف الأخير، تزداد المخاوف من انهيار منظومة الاحتجاز أو انتقالها بشكل فوضوي، ما قد يتيح للتنظيم إعادة تجميع صفوفه. وتحذر التقديرات من أن أي فراغ أمني أو نقل غير منظم للسلطة قد يشكل فرصة ذهبية لبعث التنظيم من جديد.

الحكومة السورية ومعركة “داعش”

تشير التقديرات إلى أن حكومة الشرع ستواجه تحديا معقدا في الشمال الشرقي، حيث لا يزال تنظيم “داعش” نشطا رغم ضعفه النسبي منذ عام 2019. ففي عام 2025 وحده، نفذ التنظيم أكثر من 200 هجوم في المنطقة، ما يجعلها الساحة الأخطر لنشاطه داخل سوريا.

وتؤكد دمشق أنها تعتزم مواصلة مكافحة التنظيم عبر استيعاب هياكل “قسد”، وتجنيد عناصر متمرّسة، وتدريب كوادر جديدة، مشيرة إلى إعادة القبض على 81 من أصل 120 محتجزا فروا من سجن الشدادي خلال القتال الأخير. غير أن واشنطن لا تزال تشكك في قدرة الحكومة على إدارة هذا الملف بالتوازي مع احتمالات تمرد كردي مستقبلي.

تركيا “إسرائيل” والأردن.. حسابات متشابكة

بالنسبة لتركيا، تبقى أولوية الأزمة نزع سلاح “قسد” المرتبطة بـ”حزب العمال الكردستاني”، في مسعى ينسجم مع مقاربة أنقرة الداخلية لإنهاء الصراع المسلح وتحويل الحركة الكردية إلى كيان سياسي. وتنسق أنقرة بشكل وثيق مع دمشق لتحقيق هذا الهدف.

أما “إسرائيل” والأردن، فيراقبان التطورات بقلق بالغ. فـ”تل أبيب” تخشى أن يفضي تراجع النفوذ الكردي إلى تعاظم دور تركي–إسلامي معاد لها، لكنها مقيدة بالحفاظ على تنسيقها الوثيق مع واشنطن.

والأردن بدوره يرى في انسحاب الأكراد وتوسع النفوذ التركي مؤشرا مقلقا على اختلال موازين الردع والاستقرار الإقليمي.

وفي المحصلة، يرى خبراء معهد واشنطن أن ما يجري في الشمال الشرقي السوري لا يقتصر على إعادة رسم السيطرة الميدانية، بل يفتح فصلا جديدا من التحديات الأمنية والسياسية التي ستختبر قدرة الحكومة السورية وحلفائها وخصومها على إدارة مرحلة ما بعد “قسد” دون الانزلاق إلى فوضى أوسع أو عودة تهديد تنظيم “داعش” بقوة أكبر.