عمولات الجهاز العسكري من استيراد الغذاء تطيح بمخصصات دعم فقراء مصر

تبلغ الخسارة التقديرية لاستيراد الجهاز العسكري للقمح وزيت الطعام نحو 12.522 مليار جنيه سنويا - جيتي
تقدم برلماني مصري بطلب إحاطة هو الأول بحق جهاز "مستقبل مصر للتنمية المستدامة" التابع للقوات الجوية بالجيش المصري، كاشفًا عن عمولات ضخمة يتحصل عليها الكيان العسكري المدعوم من رئيس النظام عبد الفتاح السيسي، لقاء استيراده الحصري لمستلزمات الحكومة من القمح وزيوت الطعام بالمخالفة لأنظمة العمل بالدولة.

عضو مجلس النواب عن محافظة بورسعيد أحمد فرغلي، أكد في "طلب الإحاطة" لوزير الزراعة، الخميس، أن الجهاز العسكري يستورد طن القمح بـ270 دولارا، في حين يبلغ السعر العالمي 240 دولارا، بزيادة قدرها 30 دولارا عن الطن الواحد؛ وبناءً على استيراد الحكومة نحو 5 ملايين طن قمح سنويًا، يصل إجمالي فرق السعر إلى 150 مليون دولار سنويًا، (الدولار 46.95 جنيهًا).

وأضاف وفق طلب الإحاطة: "بالنسبة لزيوت الطعام؛ يبلغ متوسط السعر العالمي للطن 1100 دولار، في حين تم استيراده بمبلغ 1250 دولارًا، بفارق 150 دولارًا في الطن الواحد؛ وبما أنه يتم استيراد ما يقرب من 780 ألف طن سنويًا، فإن ذلك يخلق فرقًا في السعر يبلغ نحو 117 مليون دولار سنويًا.

وبتحويل المبلغين: "150 مليون دولار"، و"117 مليون دولار"، إلى العملة المحلية، تبلغ الخسارة التقديرية لاستيراد الجهاز العسكري القمح بأعلى من سعره العالمي نحو 7.035 مليار جنيه، وحوالي 5.487 مليار جنيه في استيراد زيوت الطعام، بإجمالي 12.522 مليار جنيه سنويًا للسلعتين، ما يمثل بحسب محللين، إهدارًا للمال العام وفسادًا في التعاقدات يسبب فجوة مالية تفاقم عجز الموازنة."

وفي السياق، كشف النائب عن أن فارق السعر هذا قلل من قيمة دعم السلع التموينية المخصص لأكثر من 61.5 مليون مواطن بالموازنة العامة، والبالغ حوالي 160 مليار جنيه عام (2025/2026) إلى نحو 139 مليار جنيه، بنسبة تزيد عن 13بالمئة.

وأكد فرغلي أنه "كان يتم الاستيراد في السابق -عبر هيئة السلع التموينية (حكومية)- من خلال ممارسة علنية، تعلن عن طريق وكالات أنباء عالمية تحضرها كل الدول المصدرة لتلك السلع؛ ودائماً ما كان يتم الحصول على أسعار أقل من السعر العالمي، كون مصر الأولى عالمياً في استيراد القمح".



بالأمر المباشر

وحول ما ذكره النائب فرغلي، من أرقام عن رأسمالية "إمبراطورية" الجيش العسكرية وفساد أعمالها، وتربحها من الإضرار بحياة ومعيشة المصريين، قال مستشار وزير التموين الأسبق الدكتور عبدالتواب بركات: "تتزامن قرارات حذف ملايين المصريين المستحقين للدعم من منظومة الخبز المدعم والبطاقات التموينية مع تنامي الفساد بوزارة التموين".

الأكاديمي المصري انتقد في حديثه لـ"عربي21": "إبعاد هيئة السلع التموينية المنوط بها استيراد القمح والزيت التمويني من خلال المناقصات العامة العلنية للحصول على أقل سعر وأفضل جودة، وإسناد استيراد القمح والزيت التمويني لجهات غير مختصة، بعد العام 2013".

وأضاف: "في البداية كان الإسناد إلى (هيئة الإمداد والتموين) التابعة للقوات المسلحة، ثم مؤخرا إلى (جهاز مستقبل مصر) الذي تأسس في 2022 بقرار رئاسي، كجهاز تابع للقوات الجوية ويعمل تحت إشرافها، لكن القرار لم يُنشر بالجريدة الرسمية وقتها"، مؤكدا أن "هذه الجهات تشتري القمح بالأمر المباشر، في غياب الشفافية والمساءلة، وتحصين العقود بقانون يمنع الطعن عليها".

وأكد أنه "ثبت أن تكلفة فاتورة الفساد في مكتب وزير التموين والهيئات التابعة له والتي ترأسها عدة لواءات والتربح من مخصصات التموين من خلال الشراء بالأمر المباشر؛ كانت أكبر بكثير من تكلفة خفض وزن رغيف الخبز من 135 جرامًا إلى 110 جرامات، ومن تكلفة رفع سعر رغيف الخبز المدعم إلى 20 قرشًا، ومن قيمة الدعم المخصص لـ10 ملايين مصري تم حذفهم من منظومة السلع التموينية".

وختم بالقول: "هذا الحذف كان يتم بالأمر المباشر من رأس النظام، والنتيجة ارتفاع أسعار السلع وزيادة الغلاء والفقر بين المصريين".

الفساد الخفي أكبر. وعبر صفحته بـ"فيسبوك"، أكد الباحث المصري مؤمن أشرف أن "مستقبل مصر" عزل الوزارات وأصبح يتفاوض على سلع استراتيجية، مبيناً أن طلب الإحاطة يكشف عن فرق سعر بنحو 12 مليار جنيه سنوياً.

متسائلاً: لمن يذهب؟، ومشيراً إلى وجود مبالغ أكبر عبارة عن "عمولات وفساد داخلي"، ملمحاً إلى أن هذا الفساد الظاهر فقط، منتقداً نقل رئيس النظام 46 قطعة أراضٍ في 7 محافظات للجهاز إلى جانب ما بحوزته من أراضٍ للاستصلاح، وفي نفس الوقت توقع عقوداً طويلة الأمد لاستيراد سلع زراعية.



نزع ثم تفويض وتفاوض دولي

ومنذ كانون الأول/ ديسمبر 2024، انتزعت السلطات مهمة استيراد القمح من "هيئة السلع التموينية"، ومنحتها لـ"مستقبل مصر"، ليصبح المستورد الحصري للسلعة الاستراتيجية للحكومة، والتي وصلت واردات مصر منها العام الماضي نحو 13.2 مليون طن للقطاعين الحكومي والخاص، توجه نصف الكمية تقريبا إلى برنامج دعم الخبز، في ظل أسعار عالمية بلغت نحو 250 دولارا للطن.

وفي سياق، تعاظم أدوار جهاز "مستقبل مصر" في ملف استيراد القمح للحكومة المصرية، التقى الثلاثاء الماضي رئيس الجهاز العقيد بهاء الغنام مع وزيرة الزراعة الروسية أوكسانا لوت، ورئيس مجلس إدارة اتحاد مصدري ومنتجي الحبوب بروسيا دميتري سيرغييف، على هامش "المنتدى الدولي للحبوب" في دبي.

وذلك للتعاقد على إمدادات السلع الاستراتيجية والقمح الروسي لمصر -7.1 مليون طن العام الماضي- وتسجيل الشركات الروسية بمنصة إدارة الشراء الموحد للسلع الاستراتيجية، وتسجيل الموردين الروس بالبورصة السلعية المصرية، وبحث إنشاء مركز لوجستي بموانئ مصرية لتجارة الحبوب إقليميًا.

وفي تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، قالت وكالة رويترز، إن "مستقبل مصر" تخلت عن نظام المناقصات الرسمية الذي اتبعته هيئة السلع التموينية، واعتمدت آلية التعاقد بالأمر المباشر، من دول مثل روسيا وأوكرانيا ورومانيا.

وتكشف أرقام أسعار القمح العالمي عن وجود فارق كبير بينه وبين سعر توريد الجهاز العسكري القمح لوزارة التموين وفقًا لطلب الإحاطة، حيث تراجعت أسعار القمح الروسي في أيلول/ سبتمبر الماضي إلى 230 دولارًا للطن، منخفضة بذلك عن 254 دولارًا للطن في نيسان/ أبريل الماضي.

والتي تقل عن أسعار عام 2024، التي سجلت 256.3 دولارًا للطن، فيما بلغت أسعار القمح الأوكراني والروماني 241.2 و252.9 دولار للطن على التوالي، بأقل بنحو 40 و30 و20 دولارًا عن توريد "مستقبل مصر" القمح لحكومة القاهرة.

وفي حديث سابق لرئيس شركة "يورو كوموديتز" لاستيراد الحبوب، خالد عبدالمعطي، قال لموقع "المنصة" إن التكلفة العادلة للقمح الروسي حتى وصوله إلى مصر تُقدر بـ229 دولارا للطن، لكن "عمليًا تستورد مصر طن القمح بسعر زائد عن ذلك بما يتراوح بين 50 إلى 70 دولارا لكل طن"، مشيرًا لعدم الاستيراد من المصدر واللجوء إلى شركات وسيطة ما يفاقم الأسعار.

غموض أعمال الجهاز

وللجهاز نشاط شديد الغموض، وكثير التكليفات، والذي نال الكثير من الأعمال على حساب أجهزة حكومية، ومازال دوره وأعماله وميزانيته وأرباحه من الأمور الغامضة، منذ تدشينه بقرار السيسي (591 لعام 2022)، أيار/ مايو 2022، ومقر أساسي في "محور الضبعة"، ومقر ثانٍ شرق العاصمة القاهرة.

وفي تقرير له كانون الأول/ ديسمبر الماضي، وصف الباحث في "مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط" ببيروت، يزيد صايغ، الجهاز بأنه "نجم السيسي الجديد"، وانتقد غياب الشفافية عن أعماله من صناعات زراعية، وتربية مواشٍ، واستزراع سمكي، وإنتاج دَاجِني.

فضلًا عن تفعيل البورصة السلعية وإدارتها، واستيراد القمح، وإقامة صوامع تخزين ضخمة، واستغلال البحيرات، ومشروعات للطاقة الشمسية، والاستحواذ على حصص بشركات أغذية، واستصلاح أراضٍ، وسياحة.

إضافة إلى بناء مدن جديدة مثل (جريان) على فرع صناعي من مياه النيل بتكلفة 1.5 تريليون جنيه بعد تدشين "نيشنز أوف سكاي"، كذراع عقاري للجهاز، بجانب التعاقد مع "هواوي" الصينية على مشروعات خدمات الحوسبة السحابية، والذكاء الاصطناعي، ومنصات سلاسل التوريد.

صايغ، أكد أن غياب الشفافية يحول دون تقييم جدواه التجارية الحقيقية واستدامته البيئية، ومنفعته الاجتماعية، مبينا أنه "لا يمكن التحقق بصورة مستقلة من التكاليف والعوائد الفعلية"، مشيراً إلى حصول الجهاز على دعم استثنائي من السيسي، ملمحاً إلى أنه جرد بعض الهيئات العسكرية من أصولها وأسندها له.

وكان الرجل الصاعد بقوة من عالم تقنيات سلاح الطيران إلى عالم المال والأعمال، رئيس الجهاز العقيد بهاء غنام، قد أعلن مساهمة "مستقبل مصر" خلال 6 سنوات عمل بـ4.3 مليارات دولار من تصدير محاصيل زراعية.

متوقعًا تحقيق 3.7 مليارات دولار سنويًا من إحلال واردات بعض السلع، و2 مليار دولار من الصادرات عام 2029، وتوفير 40 ألف فرصة عمل مباشرة، ومليوني فرصة غير مباشرة، في 2024.

توسع بلا حدود

وبينما يشرف الجهاز على زراعة وتوريد القمح المحلي، استلمت الحكومة المصرية 4 ملايين طن من القمح المحلي الموسم السابق، فيما تبلغ المساحة المزروعة الموسم الجاري 3.5 مليون فدان، في بلد يبلغ سكان الداخل 108 ملايين نسمة، يستهلكون حوالي 20.3 مليون طن، تمثل 2.6 بالمئة من الاستهلاك العالمي، وفق تقرير وزارة الزراعة الأمريكية.

وفي آخر قرارات رأس النظام بتوسعة سلطات الجهاز، في قطاع الزراعة جرى الثلاثاء الماضي نقل ولاية 46 قطعة أرض في 7 محافظات لـ"مستقبل مصر"؛ هي: البحر الأحمر، ومطروح، والوادي الجديد، وأسيوط، وبني سويف، والغربية، والبحيرة.

وفي تموز/ يوليو الماضي، نزع مجلس الوزراء ملكية 70 فداناً، بمحافظة الجيزة من "معهد البحوث الزراعية"، و14.39 فداناً من وزارة الري، للجهاز العسكري، ما قلل من أعمال ورصيد المعهد الذي يضم 16 مركزاً بحثياً و10 معامل متخصصة و23 إدارة تجارب زراعية، و19 محطة بحوث بالمحافظات.

وفي 18 آب/ أغسطس الماضي، حصل الجهاز على 89.66 بالمئة من أسهم الشركة "العربية لاستصلاح الأراضي"، مقابل 23.3 مليون جنيه فقط، بما قيمته 5 جنيهات للسهم وفقًا للقيمة الدفترية، بينما كانت القيمة السوقية للسهم 122 جنيهًا.

وتخضع "نصف مساحة مصر المزروعة لقيادته وإشرافه"، وفق هيئة الاستعلامات الحكومية، حيث توسعت محفظة مشروعاته الزراعية بعد استصلاح 200 ألف فدان عام 2021، ليسند السيسي له زراعة 2.2 مليون فدان بمشروع الدلتا الجديدة ومشروعات أخرى بمحافظات: المنيا، وبني سويف، والفيوم، وأسوان، وواحة الداخلة، ومنطقة العوينات، لزراعة 4.5 مليون فدان بحلول 2027.

وذلك رغم وجود شركات حكومية عملاقة، ومنها "تنمية الريف المصري الجديد"، و"القابضة لاستصلاح الأراضي"، و"الهيئة العامة لمشروعات التعمير والتنمية الزراعية"، وشركتا الجيش "الوطنية لاستصلاح وزراعة الأراضي" و"الوطنية للزراعات المحمية".

وبجانب ما أُسند إلى الجهاز من مشروعات استصلاح أراضٍ وزراعتها، أصبح يدير أكبر محطات معالجة مياه الصرف الزراعي بالدلتا الجديدة -تعالج 7.5 مليون متر مكعب مياه يوميًا- مع تنفيذ مشروع فرع جديد لنهر النيل عبر أنابيب بطول 500 كيلومتر للدلتا الجديدة.

ما تبعه بناء: ثلاجات بطاطس بسعة 80 ألف طن، ومحطات فرز وتعبئة، وصوامع تخزين غلال سعة 20 ألف طن، ومحطات غربلة وإنتاج تقاوي، ومعامل تحليل التربة وأمراض النباتات، وأنفاق تجميد خضروات وفاكهة، ومصانع: سناكس، وبصل وثوم مجفف، وتعبئة وتغليف بقوليات، وتعبئة وتكرير زيوت، وإنتاج زيوت، وسكر، وأعلاف، ومحطة فرز وتعبئة برتقال.



ويثير تعاظم أدوار الجهاز مخاوف ملاك الأراضي من نزع أملاكهم بمناطق استحواذه الجديدة: بالدلتا الجديدة، وتوشكي، والعوينات، والوادي الجديد وغيرها، ما دفع المحامي أشرف الخواجة، لتحذير أصحاب الأراضي الملك بمنطقة الكثبان الرملية والبستان وزاوية حمور بمحافظة البحيرة ودعوتهم للتواجد بها لمرور جهاز مستقبل مصر لحصر الأراضي بتلك المناطق.