لم يكن المطر هو الصوت الوحيد الذي أيقظ سكان مدينة
القصر الكبير، الواقعة شمال
المغرب بين طنجة والعرائش، إذ علت أصوات أخرى مثل خرير الماء المتدفق بقوة في الأزقة، وصرير الأبواب الخشبية التي حاول أصحابها إغلاقها بما استطاعوا، وصيحات الجيران الخائفين وهم ينادون: "اخرجوا.. الماء يرتفع".
عاشت المدينة على إيقاع واحدة من أصعب لياليها في السنوات الأخيرة، عقب ارتفاع منسوب "
وادي اللوكوس" بشكل غير مسبوق، كما غمرت المياه أحياء كاملة، محولة الطرقات خلال لحظات إلى مجارٍ مفتوحة، والمنازل إلى جزر معزولة.
مع ساعات الفجر الأولى ليوم الخميس، كانت صور السيارات الغارقة والبيوت المغمورة حتى النوافذ قد غزت منصات التواصل الاجتماعي، ناقلة حجم الكارثة إلى واجهة النقاش الوطني، حيث تساءل المدونون: "أين التدابير؟".
من قلب الأحياء الغارقة
في أحياء مثل البوعناني، سيدي الكامل، عزيب الرفاعي، الأندلس، المرينة، الأمل، الشروق، الضحى وأخرى.. لم يكن الفيضان مجرد حدث، بل خسارة مباشرة لأثاث المنازل، ومحاصيل زراعية صغيرة، وذكريات عائلية جرفها الماء في دقائق.
جرّاء ذلك، اضطرّ شباب المدينة لابتكار حلول سريعة لإنقاذ ما يمكن من التلف، فيما سارعت السلطات المحلية، بمعية عناصر الوقاية المدنية والقوات المسلحة الملكية، إلى تنفيذ عمليات إجلاء عاجلة، شملت مئات الأسر، بعضهم نُقل عبر شاحنات، وآخرون بواسطة قوارب مطاطية، في سباق مع الزمن قبل أن يبلغ منسوب المياه مستويات أخطر.
وحين وصلت المياه إلى محيط المستشفى المحلي، كان الوضع قد وصل ذروته، ما استدعى إجلاء المرضى، في مشهد أثار قلقًا متسارعًا بخصوص جاهزية البنية الصحية لمواجهة الكوارث.
ومع انحسار نسبي للمياه صباح اليوم التالي، كانت السلطات قد شرعت في نصب عدة خيام مؤقتة، مع فتح مراكز داخل مؤسسات تعليمية ودور شباب لإيواء المتضررين. وهي ما وُصفت بـ"الإجراءات الضرورية"، غير أنها لم تمنع السكان من طرح تساؤلات من قبيل: إلى متى؟ وماذا بعد؟ وهل سيتم تعويض ضررنا في منازلنا ومستلزماتنا التي أتلفتها المياه الجارفة؟.
وبحسب عدد من سكان القصر الكبير، وهي المدينة التي ظلّت مساجدها العتيقة وساحاتها القديمة محافظة على عبق التاريخ الممزوج بإرث الأندلس العريق. قالوا في حديثهم لـ"
عربي21": "القلق لا ينحصر فقط في فقدان المأوى المؤقت، بل في غياب تصور واضح للتعويض، وضمان عدم تكرار السيناريو ذاته مع كل موسم مطري قوي".
وبيّن رئيس المجلس الجماعي لمدينة القصر الكبير، محمد السيمو، أن: "تعليمات ملكية سامية قد صدرت للقوات المسلحة الملكية من أجل التدخل العاجل ونصب خيام لإيواء الساكنة المتضررة من
الفيضانات التي تجتاح المدينة".
ودعا السيمو، خلال كلمة ميدانية وجّهها إلى سكان مدينة القصر الكبير، إلى الإخلاء الفوري لمنازل عدد من المناطق التي أعلن عنها بالاسم، خاصة الطوابق السفلية، والتوجّه نحو المناطق المرتفعة، محذّراً من وضعية مائية حرجة جرّاء تجاوز منسوب المياه الداخلة إلى سد وادي المخازن قدرته التصريفية.
المسؤول الحكومي نفسه أكد أن السلطات المحلية حشدت كافة إمكانياتها لإيواء المتضررين، خاصة الفئات الهشة، داخل مرافق عمومية تشمل دور الشباب والمؤسسات التعليمية ودور الثقافة الواقعة في مناطق آمنة.
من جهتها، أفادت وكالة الحوض المائي لسبو، الخميس، أنها ستشرع في عملية تصريف مائي انطلاقًا من سد الوحدة بصبيب قد يصل إلى 250 مترًا مكعبًا في الثانية، وذلك في إطار التدبير الاستباقي والعقلاني للموارد المائية.
وهو إجراء قالت لضمان سلامة المنشآت المائية، خصوصًا مع الارتفاع الملحوظ في منسوب المياه المسجَّل خلال الأيام الأخيرة، نتيجة التساقطات المطرية المهمة التي عرفتها المنطقة.
أيضاً، نقلت وكالة الأنباء المغربية عن وزارة النقل واللوجيستيك إعلانها عن إغلاق مطار تطوان- سانية الرمل بشكل مؤقت، ابتداءً من الخميس، على إثر تقييم دقيق للوضعية الحالية للمطار بعد الأمطار الغزيرة التي عرفتها المنطقة خلال الساعات الأخيرة.
بالتوازي مع التدخلات الميدانية، احتضن مقر وزارة الداخلية بالرباط اجتماعًا للجنة الوطنية لليقظة، بحضور وزراء ومسؤولين من مختلف القطاعات، خُصِّص لتتبع تطورات الوضع بالقصر الكبير (تبعد عن العاصمة الرباط بحوالي 143 كلم) وتنسيق التدخلات.
وفي إطار "تنسيق محكم ومستمر بين الجهات المعنية"، جرى خلال الاجتماع نفسه استعراض التدابير المتخذة لاحتواء ارتفاع منسوب مياه وادي اللوكوس ووادي سبو والمجاري المرتبطة بهما، والحد من اتساع رقعة المناطق المتأثرة بالغمر، وتقليص الانعكاسات المحتملة على السكان والممتلكات والبنى التحتية.
وشدّد البلاغ الرسمي، على "التعبئة القصوى"، و"التنسيق المحكم"، و"الجاهزية للتدخل الفوري"، كما ثمّن في الوقت نفسه، التعليمات الملكية القاضية بتدخل القوات المسلحة الملكية لدعم الساكنة المتضررة، لكن، وبين لغة البلاغات وواقع الأحياء الغارقة، ظلّ سؤال أساسي، يتم تداوله على نحو واسع، خاصة على مختلف مواقع التواصل الاجتماعي: "لماذا لم تُعلن المدينة منطقة منكوبة؟".
ووفق معطيات توصّلت لها "عربي21" فإنّ: "إعلان مدينة منكوبة في المغرب لا يخضع فقط إلى منطق حجم الأضرار الظاهرة، بل لمسار إداري وتقني معقّد، يشمل تقييم الخسائر، وحصر المتضررين، وتقدير الكلفة المالية للتدخل".
في سياق متصل، أوضح عدد من المتابعين للشأن المحلي أن: "حجم الخسائر بالقصر الكبير، وإجلاء مئات الأسر، وتعطّل مرافق حيوية، كلها مؤشرات كانت كافية على الأقل لفتح نقاش علني حول هذا التصنيف.
ويتم ذلك وفق ما متاح من آليات دعم وتعويض استثنائية"، مردفين: "غياب هذا الإعلان، حتى الآن، أعاد إلى الواجهة شعورًا قديمًا لدى سكان المدينة: الإحساس بالهامشية، وكون القصر الكبير لا تحضر بقوة في قرارات المركز إلا حين تقع الكارثة".
المدير الجهوي للاستثمار الفلاحي لجهة الرباط -سلا- القنيطرة، المحجوب الحرش، أوضح، وفقاً لتصريحات رسمية، الجمعة أن: "السلطات المحلية والمصالح المعنية في حالة تعبئة قصوى وتواجد ميداني مستمر لاتخاذ التدابير اللازمة لحماية المواطنين والممتلكات، وذلك على إثر التساقطات المطرية المهمة التي شهدتها المنطقة، والتي أدت إلى ارتفاع حقينة سد الوحدة".
علمًا أن نسبة الملء في حقينة السد قد ناهزت الـ 87 بالمائة، وهو ما استدعى البدء في عملية تنفيس مياه السد لتخفيف الضغط وتفادي أي فيضان غير متحكم فيه". تابع الحرش، مبرزًا أن: "المياه المتدفقة عبر واد سبو في اتجاه المحيط الأطلسي تتطلب يقظة ومراقبة دقيقة".
وتابع المسؤول الجهوي، بالقول إنه: "في سياق التدابير التقنية المتخذة، تم الشروع، ابتداء من يوم الخميس، في إطلاق شحنات مائية بمعدل 250 متر مكعب في الثانية، قبل أن يتم رفع هذا الصبيب ليصل إلى 500 متر مكعب في الثانية"، مضيفاً: "تراقب المصالح المختصة، عن كثب، تطور منسوب المياه على مستوى "قنطرة بلقصيري"، حيث بلغ العلو حالياً 8 أمتار".
وأبرزت أنّ: "السلطات المحلية وجميع المسؤولين متواجدون في الميدان لمواكبة هذه الوضعية، واتخاذ كافة الإجراءات الاستباقية الضرورية لحماية سكان الدواوير المجاورة لواد سبو، مع تأمين الماشية والأراضي الفلاحية؛ بهدف التخفيف من حدة الأضرار المحتملة التي قد تنجم عن ارتفاع منسوب المياه".
وتجد اليوم مدينة القصر الكبير، التي ظلّت حاضرة في ذاكرة الثقافة والأدب بشخصيات كبيرة مرّت بها، بينهم الشاعر نزار قباني بزيارته لها في 28 تشرين الثاني/ نوفمبر 1965؛ نفسها، في مواجهة مفارقة قاسية: موقع جغرافي منحها الحياة، ويهدّدها في الآن ذاته.
ناهيك عن بنية تحتية لم تُحدّث بما يكفي، وتوسّع عمراني اقترب أكثر من مجرى الوادي، ما جعلا المدينة عرضة لكل ارتفاع مفاجئ في الصبيب.
وسط الفوضى.. تفنيد الإشاعات
في خضمّ خوف السكّان العارم من الفيضان، وبعض الفوضى التي حلّت بالأرجاء، شهدت مواقع التواصل الاجتماعي، خلال الساعات القليلة الماضية، انتشار عدّة مزاعم عن حالات نهب وسرقة لممتلكات المتضررين.
جرّاء ذلك، سارعت المديرية العامة للأمن الوطني إلى نفي هذه الادعاءات، مؤكدة عدم تسجيل أي شكاوى، ومشددة أيضًا على أنّ مختلف الوحدات الأمنية كانت مجندة لضمان النظام العام وحماية الممتلكات.
فيضانات استثنائية.. وسيناريو متكرر
لم تكن مدينة القصر الكبير وحدها في قلب العاصفة. إذ شهدت مدن ومناطق عدة في شمال المغرب تساقطات مطرية وُصفت بـ"الغزيرة"، كما صنّفتها المديرية العامة للأرصاد الجوية ضمن مستوى يقظة "برتقالي"، مع تسجيل كميات تراوحت بين 40 و60 ملم في أقاليم الشمال.
وبحسب عدد من سكان المدينة أنفسهم، فإن: "خصوصية القصر الكبير تكمن في موقعها الجغرافي عند ضفاف وادي اللوكوس، وتحت تأثير مباشر لتصريف مياه سد وادي المخازن، الذي بلغت حقينته مستويات حرجة، ما اضطر السلطات المختصة إلى فتح بواباته لتخفيف الضغط، فارتفع الصبيب بشكل مفاجئ وتجاوز الوادي مجراه الطبيعي".
إلى ذلك، باتت "وفرة المياه" من خبر مفرح بعد سنوات طويلة من الجفاف، إلى مصدر تهديد مُباشر للسكان، في مشهد يعيد إلى الواجهة سؤال الاستعداد المغربي المسبق لتدبير المخاطر الطبيعية. مع تحدي تخزين الماء، وإدارة تدفقه، وحماية المدن التي نشأت تاريخيا حول الأودية.
ووفقًا لشهادات متفرقة لمواطنين مغاربة من شمال المغرب، فإن: "آثار الفيضانات لم تتوقف عند المجال الحضري، إذ تسببت كذلك التساقطات الغزيرة في إتلاف مساحات فلاحية واسعة، خصوصًا زراعات البطاطس في العرائش ودكالة، ما أنذر بارتفاع الأسعار وتكبيد المزارعين خسائر مباشرة".
أي التخطيط المستقبلي؟
بعد سبع سنوات من الجفاف، وجد المغرب نفسه فجأة أمام معادلة جديدة: كيف ندبّر وفرة المياه دون تحويلها إلى خطر؟ فيما سبق لعدّة تقارير رسمية، من بينها تقارير المجلس الأعلى للحسابات، أن نبّهت إلى فجوات في التخطيط الاستراتيجي لتدبير الموارد المائية، وإلى الحاجة لاستباق المخاطر، لا الاكتفاء برد الفعل.
التقرير السنوي لأعلى هيئات الرقابة العمومية في المغرب، رصد أيضاً أن القطاع يعاني مما يوصف بـ"بطء المشاورات"، ما أدى إلى عدم صدور تسعة نصوص تطبيقية للقانون رقم 36.15 المتعلق بالماء (الصادر منذ 2016)، بينها: نصوص قانونية تتعلق بـ "كيفية المصادقة على عقود امتياز التحلية وإعادة استعمال المياه العادمة".
وساهمت هذه الأمطار في رفع نسبة ملء السدود إلى ما يناهز 55.2 في المائة حتى 28 كانون الثاني/يناير، مقابل 27.6 في المائة خلال الفترة نفسها من العام الماضي، أي بزيادة تقارب نسبة 27 في المائة. كما يشهد المغرب أيضًا تساقطًا كبيرًا للثلوج، ما عوّض النقص الذي شهدته المياه الجوفية خلال سبع سنوات مضت.
في القصر الكبير، وغيره من المدن التي عاشت على إيقاع تساقطات مطرية كبيرة، لم ينتهِ الفيضان بانحسار المياه، بل ترك خلفه أسئلة مفتوحة حول حدود الجاهزية، وجدوى التدخل بعد وقوع الكارثة. وبين البلاغات الرسمية وقلق السكان، يظلّ الخوف الأكبر هو أن تتحوّل كل موجة مطر قوية إلى اختبار جديد لقدرة المدينة على الصمود.