ناشونال إنترست: روسيا لم تُهزم وعلى وشك استعادة نفوذها في الشرق الأوسط

أكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن بلاده لم ولن تغادر الشرق الأوسط - الأناضول
نشر موقع "ناشيونال إنترست" مقالا للزميلة الأولى في معهد واشنطن، والمستشارة السابقة لوزارة الخارجية الأمريكية بشأن استراتيجيات الدفاع في منطقة البحر الأسود، آنا بورشيفسكايا والمسؤول السابق في وزارة الدفاع الأمريكية، مات تافاريس، قالا فيه، إن من الخطأ استبعاد روسيا من حسابات الشرق الأوسط.

تشير التوقعات السائدة إلى أن نفوذ روسيا يتراجع بسرعة في المنطقة، (على سبيل المثال، كتب مايكل مكفول وعباس ميلاني من جامعة ستانفورد في تموز/ يوليو 2025: "تراجعت مكانة روسيا في الشرق الأوسط بشكل حاد")، لكن روسيا لا تزال قوة فاعلة في المنطقة، وينبغي على الولايات المتحدة التحرك لإحباط طموحات موسكو في المنطقة.

بالطبع، ضعف أو انهار العديد من حلفاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في المنطقة خلال الأشهر الأخيرة. فقد أطاح الثوار بالدكتاتور السوري بشار الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024، وشنّت (إسرائيل) هجمات ضارية على حماس وحزب الله، وكلاهما مدعوم من إيران، حليف الكرملين القديم.

فيما تستمر حرب بوتين المختارة في أوكرانيا في استنزاف موارد روسيا. لكن هذه النكسات لم تصل بعد إلى حد هزيمة جيوسياسية أو إعادة تشكيل إقليمي ضد روسيا.

روسيا على وشك استعادة نفوذها

ولا تكتفي روسيا بالحفاظ على وجودها في الشرق الأوسط، بل هي على وشك استعادة نفوذها. من شأن هذه العودة أن تضر بالمصالح الأمريكية، خاصة إذا وافق بوتين على وقف حربه ضد أوكرانيا.

ومن الممكن أن يجري هذا في ظل غياب شروط عقابية لما بعد الحرب - وهو أمر يبدو مستبعدا - قد تخرج روسيا من غزوها لأوكرانيا أقوى في الشرق الأوسط مما كانت عليه قبل ذلك، وذلك لثلاثة أسباب على الأقل.

أولا، لا تزال روسيا تتمتع بنفوذ واسع في المنطقة، لا سيما مع تنامي علاقات موسكو مع خصوم الولايات المتحدة. فعلى سبيل المثال، تستمر شراكة بوتين مع إيران في التعزيز، على الرغم من تقاعس روسيا عن مساعدة طهران خلال حرب الأيام الاثني عشر مع إسرائيل والولايات المتحدة خلال الصيف بحسب الموقع.

وتؤكد وثائق دفاعية روسية مسربة حديثا أن موسكو بدأت بتجميع أول 16 مقاتلة روسية من طراز سو-35 لإيران بموجب صفقة بقيمة 6.5 مليار دولار من شأنها تحديث القوات الجوية الإيرانية وتعزيز دفاعاتها الجوية، بما في ذلك ضد إسرائيل. بل إن بوتين يحاول التوسط بين إسرائيل وإيران.

ثانيا، لا تزال روسيا حاضرة بقوة في سوريا ما بعد الأسد. حيث تحتفظ موسكو بقواعدها العسكرية هناك، وتُعد شريكا اقتصاديا رئيسيا، وتتمتع بنفوذ سياسي كبير. ولا يُبدي الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع أي نية للتخلي عن روسيا، حتى مع سعيه لتعزيز علاقاته مع الغرب.

وقد صرّح الشرع بأنه أبرم اتفاقا مع موسكو في كانون الأول/ ديسمبر 2024 للبقاء خارج الصراع، ما يسمح لروسيا بالتخلي عن الأسد مع بقائها في سوريا.

كما تحتفظ روسيا بوجودها في ليبيا، حيث نقلت موسكو معظم أصولها العسكرية من سوريا. كل هذا يُتيح لروسيا البقاء قوة مؤثرة على البحر الأبيض المتوسط ذي الأهمية الاستراتيجية، ولبسط نفوذها على الجناح الجنوبي لحلف الناتو، والشرق الأوسط، وأفريقيا.

ثالثا، تُحافظ روسيا على علاقات اقتصادية ودبلوماسية متينة مع شركاء الولايات المتحدة في جميع أنحاء المنطقة. لم يتراجع أي حليف أمريكي في الشرق الأوسط عن اتفاقية رئيسية مع روسيا؛ كما لم ينحاز أي من شركاء أمريكا في الشرق الأوسط بشكل حاسم إلى الغرب لعزل روسيا على الساحة الدولية بسبب غزو بوتين لأوكرانيا.


حلفاء أمريكا عززوا علاقاتهم مع روسيا

ولم يُقدم حلفاء الولايات المتحدة، على سبيل المثال، أي خطوة للانضمام إلى العقوبات الغربية المفروضة على روسيا، بل على العكس، تعززت العلاقات الاقتصادية الروسية مع تركيا ودول الخليج بعد غزو روسيا لأوكرانيا مطلع عام 2022.

وبلغ حجم التبادل التجاري غير النفطي بين روسيا والإمارات العربية المتحدة 11.5 مليار دولار أمريكي في عام 2024، بزيادة قدرها 5% عن العام السابق، في ظل استمرار الشركات الإماراتية في الاستثمار في قطاعات روسية حيوية كقطاعي الطاقة والنقل.

وفي آب/ أغسطس 2025، زار رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، محمد بن زايد آل نهيان، روسيا لتعزيز العلاقات الاقتصادية بين البلدين، وذلك عقب مشاركته في قمة البريكس التي استضافها بوتين في مدينة كازان الروسية في تشرين الأول/ أكتوبر 2024.

ومؤخرا، وقّعت روسيا والسعودية اتفاقية نادرة للإعفاء من التأشيرة على هامش منتدى استثماري سعودي روسي عُقد في الرياض في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، ومن المتوقع أن يعود النفوذ الروسي في المنطقة بقوة، لا سيما إذا ما توقفت الحرب الأوكرانية.

حيث سيُتيح ذلك لروسيا مزيدا من الوقت والموارد، مما يسمح للكرملين بإعادة تركيز جهوده على الشرق الأوسط. لطالما سعت موسكو، على مرّ القرون، إلى السيطرة على شرق المتوسط، وهو هدف سيبقى قائما حتى بعد انتهاء حكم بوتين.

ولطالما تطلعت روسيا إلى موانئ المياه الدافئة في المنطقة وموقعها الاستراتيجي لبسط نفوذها في أوروبا، بما في ذلك الجناح الجنوبي الحالي لحلف الناتو، ولا تزال القاعدة الصناعية الدفاعية الروسية متينة، وإذا ما انتهت الحرب الأوكرانية أو توقفت مؤقتا، فستتمكن روسيا فجأة من بيع دول الشرق الأوسط قدرات أكبر بكثير.

يسخر بعض المحللين من جودة المعدات العسكرية الروسية، لكن لدى العديد من المشترين المحتملين طلب مكبوت على المعدات الروسية. ولم يفقد العديد من الفاعلين في الشرق الأوسط اهتمامهم بالأسلحة الروسية، حتى مع خشيتهم من العقوبات الغربية.

نفاق أمريكا جعل المنطقة مُتقبلة لصالح لروسيا

يتهم كثيرون في الشرق الأوسط الولايات المتحدة بالنفاق وازدواجية المعايير، وقد لاحظوا أن واشنطن قدمت دعما أكبر بكثير لكييف مقارنة بدعمها لشركائها العرب. هذه التصورات، سواء كانت صحيحة أم خاطئة، تجعل المنطقة مُتقبلة لروسيا. وبالطبع، تلعب روسيا أيضا دورا محوريا في سوق الطاقة العالمي.

تُتيح كل هذه المجالات من الترابط فرصا لموسكو لبث روايتها في جميع أنحاء المنطقة، بما في ذلك من خلال وسائل إعلام دعائية مثل "RT" وسبوتنك العربية، التي تصل بالفعل إلى ملايين المشاهدين يوميا.

وفي عام 2015، احتلت "RT" العربية مرتبة ضمن القنوات الثلاث الأكثر مشاهدة في مصر والمغرب والسعودية والأردن والإمارات العربية المتحدة والعراق. وفي عام 2024، أفادت التقارير أن "RT" العربية وصلت إلى 46.9 مليون مشاهد، مع خمسة أضعاف عدد متابعي الجزيرة أو العربية على فيسبوك.

ويضيف المقال أن دعوة بوتين للانضمام إلى "مجلس السلام" الذي تقوده الولايات المتحدة للإشراف على إعادة إعمار غزة خطوة في الاتجاه الخاطئ. بدلا من ذلك، ينبغي على صانعي السياسة الأمريكيين اتخاذ خطوات فورية لمنع عودة روسيا المحتملة إلى الساحة الدولية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. لقد أبرزت الحرب الروسية في أوكرانيا عمق الروابط بين مسرحَي الشرق الأوسط وأوروبا.

بإمكان الولايات المتحدة التنافس على النفوذ في الشرق الأوسط، ولا سيما في البحر الأبيض المتوسط، كجزء من استراتيجية شاملة لمواجهة روسيا. ويمكنها إعطاء الأولوية لسوريا والبحث عن سبل لدعم أوكرانيا في المنطقة كبديل لروسيا. تتمتع أوكرانيا بموقع جيد لمواجهة روسيا في المنطقة، وخاصة في سوق الأسلحة.

تختتم الباحثتان مقالهما بالقول، إن الوقاية خير من العلاج. إذا لم تتحرك الولايات المتحدة الآن، فسيكون من الصعب عليها مواجهة روسيا في الشرق الأوسط، وفي أوروبا أيضا، بدءا من تمكين روسيا للجهات المعادية وصولا إلى احتمال تقويض حرية الولايات المتحدة في المناورة في شرق المتوسط، على سبيل المثال لا الحصر. بوتين يتبنى استراتيجية طويلة الأمد. وينبغي على الرئيس دونالد ترامب أن يحذو حذوه.