قصة تاريخية ترتبط بغرينلاند.. كيف اشترت واشنطن جزر دنماركية قبل قرن؟

واشنطن هددت الدنمارك عام 1916 بالاحتلال قبل شراء جزر العذراء مقابل 25 مليون دولار ذهبا- جيتي
أعاد إصرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الاستحواذ على غرينلاند إلى الواجهة نقاشا تاريخيا قديما، بعدما هدد أخيرا بفرض تعريفات جمركية بنسبة 10 في المئة على حلفاء أوروبيين يعارضون مساعيه المتعلقة بالجزيرة الدنماركية، إذ يتمسك ترامب بتبرير هذه الخطوة بدواع ترتبط بالأمن القومي الأمريكي، من دون أن يستبعد اللجوء إلى القوة العسكرية لتحقيق هدفه.

وقوبلت مطالب ترامب برفض من قيادات غرينلاند والدنمارك، في وقت تتمتع فيه الجزيرة بحكم شبه ذاتي، ورغم أن الطموحات التوسعية الأمريكية اكتسبت زخما جديدا خلال عهد ترامب، فإن فكرة سيطرة الولايات المتحدة على أراض دنماركية ليست جديدة، بل تعود إلى أكثر من قرن.

وفي هذا السياق، استعرض تقرير لشبكة "بي بي سي" قصة جزر الهند الغربية الدنماركية، التي أصبحت تعرف لاحقا باسم جزر العذراء الأمريكية، وكيف تنازلت قوة أوروبية آخذة في الأفول عن أراض عبر البحار لصالح قوة صاعدة في ذلك الوقت.


وتقع جزر العذراء الأمريكية في البحر الكاريبي، إلى الغرب من بورتوريكو، وهي قريبة جغرافيا من جزر العذراء البريطانية، لكنها تختلف عنها، حيث يعيش في هذه الأراضي الأمريكية نحو 83 ألف نسمة، موزعين على ثلاث جزر رئيسية هي سانت جون وسانت توماس وسانت كروا، إضافة إلى أكثر من 40 جزيرة صغيرة وتكوينات رملية.

ورغم أن سكان الجزر يحملون الجنسية الأمريكية، فإن الإقليم غير مندمج بالكامل في النظام السياسي والقانوني للولايات المتحدة، إذ لا يحق لسكانه التصويت في الانتخابات الرئاسية إلا إذا انتقلوا للإقامة في إحدى الولايات.

ويمكن تتبع أصول معظم السكان إلى أجداد أفارقة جرى جلبهم كرقيق عبر الأطلسي للعمل في زراعة قصب السكر.

وعلى مدى قرون، خضعت هذه الجزر للاستعمار الدنماركي، وعرفت باسم جزر الهند الغربية الدنماركية. وخلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، تناوبت إسبانيا وإنجلترا وفرنسا وهولندا على المطالبة بملكيتها، في منطقة كانت ملاذا شائعا لقراصنة البحر الكاريبي.

وفي عام 1648، فرضت الدنمارك سيطرتها على جزيرة سانت جون، ثم أكدت نفوذها سريعا على جزيرة سانت توماس.

وبعد ذلك، توسعت في زراعة قصب السكر معتمدة على أيدي الرقيق الأفارقة الذين جلبهم التجار الأوروبيون.

وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بدأت موازين القوى تتغير. فقد تراجع النفوذ الدنماركي عالميا، في وقت كانت فيه الولايات المتحدة تخرج من الحرب الأهلية، ورأت إدارة الرئيس أندرو جونسون في التوسع على حساب النفوذ الأوروبي خطوة استراتيجية، فوجه وزير خارجيته وليام هنري سيوارد اهتمامه إلى جزر الهند الغربية الدنماركية ضمن خطة توسع سلمي.

واكتسب ميناء سانت توماس أهمية خاصة لدى الاستراتيجيين الأمريكيين، باعتباره قاعدة مناسبة للسيطرة على منطقة الكاريبي.

وفي المقابل، تراجعت أسعار السكر، ما جعل الدنمارك تنظر إلى الجزر باعتبارها عبئا اقتصاديا. وعلى هذا الأساس، بدأت مفاوضات بين واشنطن وكوبنهاغن لبيع الجزر.


وفي عام 1867، وقع الطرفان معاهدة تقضي ببيع الجزر للولايات المتحدة مقابل ذهب بقيمة 7.5 مليون دولار، أي ما يعادل اليوم نحو 164 مليون دولار، غير أن هذه المعاهدة لم تنفذ، خاصة بعد أن أتمت واشنطن شراء ألاسكا من الإمبراطورية الروسية مقابل سبعة ملايين دولار، وهي صفقة أثارت حينها سخرية وانتقادات واسعة، وأسهمت في رفض الكونغرس التصديق على اتفاقية جزر الهند الغربية.

وأغلق ملف الجزر لنحو نصف قرن، إلى أن أعيد فتحه مع اندلاع الحرب العالمية الأولى. فقد سادت مخاوف من احتمال احتلال ألمانيا لهذه الجزر بسبب موقعها الاستراتيجي، في وقت مالت فيه الدنمارك سياسيا نحو الولايات المتحدة، بينما كانت أوروبا غارقة في أتون الحرب.

ورغم فشل الرئيس وودرو ويلسون في إقناع الكونغرس والرأي العام بدخول الحرب، فإن المخاوف الأمريكية تصاعدت مع تزايد هجمات الغواصات الألمانية، لا سيما بعد إغراق السفينة البريطانية "آر إم إس لوسيتانيا" عام 1915 ومقتل 1200 شخص، بينهم أكثر من 120 أمريكيا.

وتشير الباحثة أستريد أندرسون من المعهد الدنماركي للدراسات الدولية إلى أن حياد الدنمارك أثار خشية واشنطن من وقوع الجزر وميناء سانت توماس في قبضة الألمان، واستخدامها قاعدة لشن هجمات بحرية أو حتى ضد الأراضي الأمريكية. وزاد افتتاح قناة بنما عام 1914 من أهمية السيطرة على الجزر لحماية طرق الملاحة.

وعلى ضوء هذه المعطيات، استؤنفت المفاوضات بين واشنطن وكوبنهاغن. ووفق الموقع الإلكتروني لوزارة الخارجية الأمريكية، حذرت إدارة ويلسون الدنمارك من احتمال احتلال الجزر إذا رفضت بيعها.


وتشبه أندرسون هذا الموقف بما يطرحه ترامب اليوم، في منطق يقوم على خيار البيع أو المواجهة.

وفي أغسطس/آب 1916، توصل الجانبان إلى اتفاق نهائي لبيع الجزر الحصول على ذهب ناهزتْ قيمته آنذاك 25 مليون دولار، أي ما يعادل اليوم نحو 630 مليون دولار، وفقا لبلومبرغ.

ومهد الاتفاق لاعتراف الولايات المتحدة بسيادة الدنمارك على غرينلاند، وتعهد واشنطن بعدم معارضة نفوذ كوبنهاغن السياسي والاقتصادي هناك.

وصادق البرلمانان في البلدين على الاتفاق، في وقت لم يكن معظم الدنماركيين يعدون الجزر جزءا أساسيا من دولتهم. وتشير أندرسون إلى أن السكان المحليين لم يؤخذ رأيهم في أي من مراحل البيع.
أما اليوم، فتختلف الحالة مع غرينلاند، إذ ترفض كوبنهاغن بيع الجزيرة، ما يعيد إلى الواجهة سجالا تاريخيا حول الطموحات الأمريكية وحدود القوة والنفوذ.