السعودية والإمارات.. القصة لم تبدأ من ضرب ميناء المكلا في اليمن

من تنسيق عسكري مشترك إلى تضارب استراتيجي على الأرض اليمنية - واس
شهدت العلاقات السعودية الإماراتية خلال العقد ونصف الماضيين تحولات عميقة، انتقلت من مستوى التحالف الوثيق والتنسيق شبه الكامل في العديد من الملفات الإقليمية، إلى حالة من التباين المتصاعد في المصالح والرؤى، وصولا إلى مواجهة غير مباشرة كشفت عنها تطورات اليمن أواخر عام 2025. 

وبينما حرص الطرفان طويلا على إدارة خلافاتهما بعيدا عن العلن، جاءت الغارة الجوية السعودية على ميناء المكلا لتضع هذا التوتر في واجهة المشهد الإقليمي.

ومثلت الضربة الجوية التي نفذها التحالف بقيادة الرياض، واستهدفت ما قالت المملكة إنه دعم عسكري خارجي مرتبط بالإمارات، أخطر تصعيد علني بين البلدين منذ تأسيس تحالفهما العسكري في اليمن عام 2015. 

لم تكن هذه الواقعة حدثا معزولا، بل جاءت تتويجا لمسار طويل من التباينات السياسية والاقتصادية والجيوسياسية، التي تراكمت على مدى سنوات، وأعادت رسم طبيعة العلاقة بين القوتين الخليجيتين.


شراكة ضد الربيع العربي إلى تحالف المصالح

لم تكن العلاقة بين السعودية والإمارات، منذ انطلاق ثورات الربيع العربي عام 2011، مجرد تحالف تقليدي بين دولتين خليجيتين متجاورتين يقودان الثورات المضادة ضد الديمقراطية والتغيير٬ بل تشكلت آنذاك بوصفها شراكة استراتيجية عميقة هدفت إلى احتواء تداعيات التحولات الإقليمية، ومواجهة صعود قوى سياسية اعتبرها الطرفان تهديدا مباشرا لأنظمتهما ونفوذهما الإقليمي.

تلاقت رؤى الرياض وأبوظبي في دعم الثورات المضادة، والتدخل في أكثر من ساحة عربية، من مصر إلى ليبيا وتونس، وصولا إلى اليمن، حيث بدا التحالف في سنواته الأولى متماسكا، يقوم على توزيع أدوار واضح، وتفاهم سياسي وأمني واسع.

غير أن هذا التحالف، الذي بدا صلبا في الظاهر، كان يخفي في داخله تباينات بنيوية في الرؤية والأهداف.
 
فالسعودية، بوصفها القوة الإقليمية التقليدية الأكبر في الخليج، سعت إلى الحفاظ على مركزها القيادي، فيما اندفعت الإمارات لبناء نفوذ نوعي يتجاوز حجمها الجغرافي والديمغرافي، معتمدة على أدوات اقتصادية وأمنية وشبكات نفوذ محلية في مناطق الصراع.

ومع مرور الوقت، تحولت الشراكة من تنسيق استراتيجي إلى ما يشبه “تحالف مصالح مؤقت”، تحكمه الحسابات البراغماتية أكثر مما تضبطه الثقة السياسية.


بداية التصدع في اليمن

شكلت الحرب في اليمن الاختبار الأكبر لهذا التحالف. فمع انطلاق العمليات العسكرية عام 2015، دخلت السعودية والإمارات الحرب تحت شعار دعم “الشرعية” ومواجهة جماعة الحوثي. إلا أن مسار التدخل كشف مبكرا اختلاف الأولويات بين الطرفين.

ركزت الرياض على حماية حدودها الجنوبية ومنع قيام كيان معاد على تخومها، بينما انشغلت أبوظبي ببناء نفوذ ميداني في الجنوب اليمني، مع العمل علي السيطرة على أكبر عدد من الموانئ والجزر٬ عبر دعم تشكيلات عسكرية محلية، كان أبرزها المجلس الانتقالي الجنوبي.

هذا التباين لم يظهر كخلاف علني في البداية، لكنه راكم حالة من الشك المتبادل. فالسؤى المتناقضة لمستقبل اليمن، ووحدة أراضيه، وطبيعة القوى التي ينبغي دعمها، جعلت من التحالف إطارًا هشًّا، قابلًا للاهتزاز مع أي تطور ميداني مفاجئ.

ومع تراجع زخم الحرب، ومحاولات البحث عن تسويات سياسية، بدا أن كل طرف يعمل على تثبيت مكاسبه الخاصة، حتى لو تعارضت مع مصالح الطرف الآخر.



التباعد السياسي والتنافس الاقتصادي

لم يقتصر الخلاف بين السعودية والإمارات على اليمن، بل تمدد تدريجيا إلى ملفات سياسية واقتصادية أوسع. فعلى المستوى السياسي، اختلفت مقاربات البلدين لعدد من الأزمات الإقليمية، وتباينت علاقاتهما مع قوى دولية وإقليمية مؤثرة.

وعلى المستوى الاقتصادي، برز تنافس صامت لكنه متصاعد، خاصة مع سعي السعودية، في إطار “رؤية 2030”، إلى استقطاب الاستثمارات العالمية، وإعادة تموضعها كمركز إقليمي للأعمال، وهو ما اعتبرته أبوظبي تهديدا مباشرا لمكانتها الاقتصادية التي بنتها خلال عقود.

هذا التنافس الاقتصادي ألقى بظلاله على العلاقة السياسية، وحول التحالف إلى علاقة معقدة، يتداخل فيها التعاون مع التنافس، والانسجام الظاهري مع صراع المصالح الكامن.


السودان… ساحة خلاف غير معلن

برز السودان خلال العامين الماضيين بوصفه إحدى أكثر ساحات الخلاف حساسية بين الرياض وأبوظبي. فالحرب الأهلية المستعرة منذ نيسان/أبريل 2023، وضعت البلد الغارق في أزمة إنسانية غير مسبوقة، في قلب صراع النفوذ الإقليمي.

السعودية لعبت دورا بارزا في استضافة محادثات جدة، وقدمت نفسها كوسيط يسعى إلى وقف الحرب والحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية. في المقابل، وجهت اتهامات أممية وأمريكية للإمارات بدعم “قوات الدعم السريع”، وهو ما تنفيه أبوظبي رسميا.

ورغم عدم إعلان الخلاف صراحة، فإن التباين في المواقف بات واضحا. فالسودان يمثل للسعودية عمقا استراتيجيا مرتبطا بأمن البحر الأحمر، فيما تنظر إليه الإمارات كجزء من شبكة نفوذ أوسع تمتد عبر القرن الأفريقي، وتخدم مصالحها الاقتصادية والأمنية.

وقد أضافت التسريبات المتعلقة بلقاءات واشنطن، وما قيل عن نقاشات حول فرض عقوبات، عنصرا جديدا من انعدام الثقة، وأسهمت في تأجيج التوتر المكتوم بين الطرفين.


التصعيد في حضرموت والغارة الفاصلة

جاء التصعيد في محافظة حضرموت اليمنية ليخرج الخلاف إلى العلن. فالتقدم المفاجئ لقوات المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم من الإمارات، نحو مناطق ذات حساسية خاصة بالنسبة للسعودية، مثل نقطة تحول خطيرة.

الغارة الجوية التي نفذها التحالف بقيادة السعودية على ميناء المكلا، وما تلاها من بيانات متبادلة، عكست حجم الاحتقان الذي وصل إليه الطرفان.

إعلان الإمارات سحب قواتها المتبقية من اليمن، مع تأكيدها أنها فوجئت بالغارة، حمل دلالات سياسية عميقة، أبرزها أن التنسيق العسكري لم يعد قائما كما في السابق، وأن الخطوط الحمراء باتت عرضة للتجاوز.

ملف أوبك

لم يكن ملف النفط بمنأى عن هذا التوتر. ففي إطار تحالف أوبك+، ظهرت خلافات متكررة حول حصص الإنتاج وسياسات الضخ.

الإمارات طالبت خلال السنوات الأخيرة بمرونة أكبر، وبإعادة النظر في خطوط الأساس المعتمدة لحساب حصص الإنتاج، معتبرة أنها لا تعكس قدراتها الإنتاجية الحقيقية. 

في المقابل، تمسكت السعودية بالانضباط الجماعي، خشية أن يؤدي أي تفكك إلى إضعاف قدرة التحالف على ضبط الأسواق.

ورغم احتواء هذه الخلافات في إطار تقني حتى الآن، فإن تسييسها المحتمل، في ظل التوتر السياسي المتصاعد، يثير مخاوف من أن يتحول النفط إلى أداة ضغط متبادلة، ما قد ينعكس على استقرار أسواق الطاقة العالمية.


جذور أعمق للخلاف

وراء هذه التطورات الميدانية، تكمن جذور أعمق للخلاف بين الرياض وأبوظبي. فالأزمة لم تعد مرتبطة بملف واحد، بل هي نتيجة تراكم طويل من التباينات في الرؤية والدور الإقليمي.

السعودية تسعى إلى إعادة تعريف قيادتها الإقليمية في مرحلة ما بعد الاعتماد الأحادي على النفط، بينما تعمل الإمارات على ترسيخ نموذج نفوذ قائم على المرونة، وتعدد الشراكات، والحضور في مناطق النزاع عبر وكلاء محليين.

هذا الاختلاف في الاستراتيجية يجعل الصدام محتملا كلما تداخلت ساحات النفوذ، كما هو الحال في اليمن والسودان، وربما في ملفات أخرى مستقبلا.

تكشف الأزمة الأخيرة بين السعودية والإمارات أن التحالف بين البلدين يمر بمرحلة إعادة تعريف عميقة. فهو لم ينهر، لكنه لم يعد تحالفا استراتيجيا متماسكا كما كان في سنواته الأولى.

بين شراكة فرضتها تحديات “الربيع العربي”، وتحالف تحكمه حسابات المصالح المتغيرة، يقف الطرفان اليوم أمام اختبار صعب٬ إما إدارة خلافاتهما ضمن حدود لا تهدد استقرار الخليج، أو الانزلاق نحو تنافس مفتوح تتجاوز تداعياته ساحات اليمن والسودان، لتطال مستقبل التوازنات الإقليمية بأكملها