قال محمد انعام الحق شودرى، مستشار رئيس حزب
بنغلاديش الوطني وعضو لجنة الشؤون الخارجية والمبعوث الخاص لرئيسة الوزراء السابقة خالدة ضياء إلى السعودية، إن "الانتخابات المقبلة في بنغلاديش تُمثل محطة مفصلية لتأسيس (بنغلاديش الجديدة)، مؤكدا أنها "ليست مجرد استحقاق انتخابي تقليدي، بل مسار سياسي لبناء ديمقراطية حقيقية تستند إلى المشاركة الشعبية الواسعة".
وأكد، في مقابلة خاصة مع "عربي21"، أن "الانتخابات المقلة ستفتح الباب أمام إعادة بناء العقد السياسي على أسس ديمقراطية جديدة"، منوها إلى أن "القائم بأعمال رئيس حزب بنغلادش الوطني،
طارق رحمن، سيترأس الحكومة المقبلة في حال فوز حزبنا بالانتخابات، في ظل مؤشرات شعبية وسياسية تعكس اتجاها عاما نحو التغيير واستعادة الاستقرار".
وأضاف شودرى أن "الانتخابات المقبلة تمنح المواطن البنغلاديشي فرصة غير مسبوقة للتمتع بحريته الكاملة، وممارسة حقه في الاختيار الحر لمَن يقود البلاد نحو الاستقرار والنمو، وترسيخ قيم الديمقراطية والعدالة والمساواة"، موضحا أن "الوعي الشعبي بات عاملا حاسما في هذا الاستحقاق الهام".
وذكر أن "غالبية الأحزاب والقوى التي شاركت في الانتفاضة الشعبية ستخوض الانتخابات المقبلة"، مُستبعدا "سيناريو العزوف أو المقاطعة الواسعة"، ومعتبرا أن "الثقة بالحكومة الحالية برئاسة الدكتور محمد يونس، وبمفوضية الانتخابات، تقلّص دوافع الانسحاب وتعزز فرص المشاركة".
وأوضح شودرى أن "حزب بنغلاديش الوطني يتوقع أن يكون الأوفر حظا في الانتخابات المقبلة، استنادا إلى مؤشرات شعبية واضحة، أبرزها الحشود المليونية التي استقبلت عودة طارق رحمن"، موضحا أن "الحزب، في حال فوزه بالانتخابات، سيتجه إلى تشكيل حكومة وطنية جامعة، والعمل على تعزيز الاستقرار الداخلي وتوسيع شراكات بنغلاديش العربية والإسلامية".
وفي 11 كانون الأول/ ديسمبر الجاري، قالت السلطات في بنغلادش إنها ستجري انتخابات برلمانية في 12 شباط/ فبراير المقبل، وذلك في أول انتخابات على مستوى البلاد منذ انتفاضة قادها طلاب وسقط فيها قتلى وأجبرت الشيخة
حسينة رئيسة الوزراء آنذاك على الفرار إلى الهند العام الماضي.
وتجري الانتخابات المرتقبة في مناخ سياسي مختلف عن التجارب السابقة، مع وجود حكومة انتقالية تُقدّم على أنها محايدة، وتعديلات قانونية منحت مفوضية الانتخابات صلاحيات أوسع واستقلالية أكبر.
وبينما تتنافس القوى السياسية على كسب ثقة الناخبين عبر برامج إصلاحية واقتصادية، يترقب الشارع البنغلاديشي هذا الاستحقاق باعتباره فرصة لإعادة بناء العقد السياسي، وترسيخ الاستقرار، وتحديد ملامح المرحلة المقبلة داخليا وعلى مستوى علاقات البلاد الإقليمية والدولية.
وحول الانتخابات المقبلة، ينظر شودرى إلى الانتخابات المقبلة في بنغلاديش على أنها محطة مفصلية لتأسيس بنغلاديش الجديدة؛ فهي ليست مجرد استحقاق انتخابي تقليدي، بل عملية سياسية تهدف إلى بناء ديمقراطية جديدة يشارك فيها الشعب البنغلاديشي على نطاق واسع، متأثرا بزخم الانتفاضة الطلابية والشعبية التي شهدتها البلاد في 5 آب/ أغسطس 2024.
وأشار إلى أن تلك الانتفاضة شكلت لحظة فاصلة في التاريخ السياسي للبلاد، وأفضت إلى خروج رئيسة الوزراء السابقة من بنغلاديش ولجوئها إلى الهند، في تعبير واضح عن رفض الشارع للاستبداد.
وتمثل الانتخابات المقبلة فرصة حقيقية لبناء دولة ينعم فيها المواطن البنغلاديشي بحريته الكاملة، ويملك حق الاختيار الحر لمَن يقود البلاد نحو الاستقرار والنمو، وترسيخ قيم الديمقراطية، والعدالة، والمساواة، وبناء عقد سياسي جديد يقوم على الإرادة الشعبية واحترام حقوق المواطنين.
وفي حديثه عن مخاوف المقاطعة، قال إن بالنسبة لغالبية الأحزاب التي شاركت في الانتفاضة الشعبية، فإنها ستشارك في الانتخابات المقبلة، ولا نتوقع عزوفا واسعا أو مقاطعة، والسبب في ذلك أن الحكومة الحالية، برئاسة الدكتور محمد يونس، تُمثل إرادة الشارع البنغلاديشي الذي انتفض ضد الفاشية والديكتاتورية والاستبداد الذي كان سائدا في عهد الحكومة السابقة.
وأوضح أن هناك ثقة واضحة بهذه الحكومة، وكذلك ثقة في مفوضية الانتخابات البنغلاديشية، ولذلك لا توجد دوافع حقيقية للمقاطعة.
وحول قدرة لجنة الانتخابات على فرض قواعد عادلة، أكد أنه جرى تعديل القوانين الناظمة لعمل لجنة الانتخابات، ومُنحت صلاحيات واسعة، من بينها صلاحية إلغاء الانتخابات إذا اقتضت الضرورة، كما مُنحت استقلالية مالية وإدارية وسيادية كاملة، بما يجعلها منفصلة عن إدارة الحكم التنفيذية.
وتتمتع مفوضية الانتخابات بحرية التصرف وفق القانون، وهي مكوّنة من شخصيات اختيرت بتوافق الأحزاب التي شاركت في الانتفاضة ضد الحكومة السابقة، وجميعهم معروفون بنزاهتهم واستقلاليتهم وحيادهم.
وتطرق إلى الضمانات التي تجعل انتخابات شباط/ فبراير المقبلة مختلفة فعليا عن التجارب الانتخابية السابقة، مشيرا إلى أن الضمانة الأولى أن الحكومة الحالية حكومة محايدة، وليس لها أي مصلحة في التدخل في العملية الانتخابية، بل تقتصر مهمتها على تنفيذ الانتخابات وضمان إجرائها بشكل نزيه. وهذه بحد ذاتها نقطة محورية في ضمان النزاهة.
وأضاف أن الضمانة الثانية، فهي “ميثاق تموز/ يوليو” الذي سيُطرح للاستفتاء خلال المرحلة الانتخابية، ويتضمن إصلاحات جوهرية، من بينها ترسيخ الديمقراطية والتعددية الحزبية، وبالتالي، فإن الانتخابات ليست غاية بحد ذاتها، بل وسيلة لتحقيق هذا الميثاق والإصلاحات التي يتضمنها.
وحول نتائج الانتخابات، يرى أن الشعب البنغلاديشي شعب واعٍ ومسيّس، ويُدرك جيدا أين يضع صوته، ويعرف كيف يختار من تتوافر فيه الصفات القادرة على قيادة البلاد في المرحلة المقبلة.
وتابع قائلا "الانتخابات المقبلة، برأينا، ستكون انتخابات تنافسية بامتياز، والفيصل فيها سيكون "جودة" ما تقدمه الأحزاب السياسية للشارع البنغلاديشي، الناخب اليوم يبحث عمّن يمتلك رؤية واضحة، وخططا مستقبلية حقيقية لبناء الإنسان البنغلاديشي وبناء الدولة، الحزب أو القوى التي تستطيع تقديم هذه الجودة في البرامج والسياسات ستكون الأقرب للفوز".
وفي هذا السياق، توقع شودري أن يكون حزب بنغلاديش الوطني الأوفر حظا للفوز في الانتخابات المقبلة، مستندا إلى مؤشرات وصفها بالواضحة، وفي مقدمتها المشهد الذي رافق عودة طارق رحمن إلى بنغلاديش قبل أيام، حيث خرج قرابة ثلاثة ملايين شخص لاستقباله، وامتدت الحشود على مسافة تقدر بنحو 18 كيلومترا. وأوضح أن المشاركين قدموا من مختلف أنحاء البلاد لحضور حفل الاستقبال، الذي وجّه خلاله طارق رحمن رسالة ركزت على نبذ الإقصاء والانتقام، والدعوة إلى البناء والتنمية، وتحقيق الهدف الوطني، وتعزيز الوحدة الوطنية.
وأكد أن طارق رحمن سيكون رئيس الوزراء المقبل في حال فوز الحزب، موضحا أن هذا القرار أُعلن بوضوح داخل الحزب.
وفي ما يتعلق بتبرئة طارق رحمن من القضايا الكبرى، قال شودري إن تلك القضايا كانت مسيسة وملفقة بهدف إقصائه، مشيرا إلى تناقض الأحكام القضائية في السابق، وهو ما أدركه الشارع البنغلاديشي.
ولفت إلى أن هذه الوقائع أثبتت، خلال الفترة السابقة، أن القضايا كانت سياسية الطابع ومقصودا بها الإقصاء، وهو ما أدركه الشارع البنغلاديشي بوضوح.
بعد سقوط حكم الشيخة حسينة، اعتبر شودري أن السؤال لا يقتصر على جاهزية المعارضة للفوز بالانتخابات فحسب، بل يمتد إلى قدرتها على الحكم، مؤكدا أن حزب بنغلاديش الوطني يمتلك تجربة واضحة في إدارة الدولة، إذ تولى السلطة ثلاث مرات. وأشار إلى أن مؤسس الحزب ومعلن استقلال البلاد، الشهيد ضياء الرحمن، قاد بنغلاديش بكفاءة عالية، ونجح في نقلها من دولة تعتمد كليا على الزراعة إلى دولة ذات قاعدة صناعية، ولا سيما عبر تطوير صناعة الملابس.
وأوضح أن قطاع الملابس بات اليوم يدر على بنغلاديش عائدات تقترب من عائدات بعض الدول النفطية الصغيرة، وأن البلاد أصبحت الثانية عالميا في هذه الصناعة بعد الصين.
وأضاف أن الحزب يمتلك تجربة حكم فعلية، إلى جانب رؤية إصلاحية جديدة طرحها طارق رحمن تتضمن 31 نقطة، وتشمل تطوير قطاعات رئيسية مثل صناعة الملابس وصناعة الأدوية، والاستفادة من العمالة البنغلاديشية في الخارج، فضلا عن فتح آفاق جديدة في القطاع الزراعي لتحقيق الاكتفاء الذاتي ثم الفائض والتصدير، بما يعزز الاقتصاد الوطني ويوفر العملة الصعبة، معتبرا أن هذه البرامج تؤهل الحزب لقيادة البلاد بكفاءة، مع احترام التعددية الحزبية، وتمني دور فاعل لبقية القوى السياسية، رغم أن معظمها لا يمتلك تجربة حكم كافية.
وفي ما يتعلق بطبيعة الحكم في حال الوصول إلى السلطة، أكد شودري أن طارق رحمن أعلن بوضوح أن الحكومة المقبلة ستكون حكومة وطنية جامعة، تشارك فيها جميع القوى التي أسهمت في إسقاط الحكومة الاستبدادية السابقة.
واستدل على ذلك بحضور جميع القيادات التي شاركت في إسقاط الحكومة السابقة على منصة استقبال طارق رحمن، ما يعكس نيتهم أن يكونوا جزءا من الحكومة القادمة.
وعن احتمالات التدخل الخارجي، قال إن الحزب لا يرى تدخلا خارجيا مباشرا أو سافرا في العملية الانتخابية، مع إقراره بوجود محاولات للتأثير، لكنها لن تكون قوية أو حاسمة، نظرا لارتفاع وعي الشارع البنغلاديشي وقدرته على التمييز واتخاذ القرار.
وفي تفسيره لكيفية استعادة الاستقرار السياسي، شدد شودري على أن ذلك يبدأ بالإيمان الحقيقي بالديمقراطية، واحترام حرية الرأي، وتحقيق العدالة والمساواة، وضمان استقلال ونزاهة القضاء، مؤكدا أن احترام هذه المبادئ يفتح الطريق لبناء الدولة المنشودة.
وأوضح أن أسباب التوترات السياسية السابقة تعود أساسا إلى المساس بهذه المبادئ، خصوصا في العملية الانتخابية، بعد أن ألغت حكومة الشيخة حسينة نظام الحكومة المحايدة أو حكومة تصريف الأعمال التي كانت تشرف على الانتخابات لمدة ثلاثة أشهر، وتولت بنفسها الإشراف عليها، ما شكل أحد أبرز أسباب الاحتقان والغضب الشعبي.
وحول دور الجيش، وصفه شودري بأنه مؤسسة وطنية بامتياز، أثبت خلال الانتفاضة الشعبية الأخيرة أنه غير مسيّس، ويعرف حدوده ويتخذ القرار المناسب في الوقت المناسب.
وأشار إلى أن الجيش لم ينحز إلى الحكومة الاستبدادية في عهد الشيخة حسينة، بل انحاز إلى إرادة الشارع، وطالب بتشكيل حكومة لتسيير الأعمال من دون الاستيلاء على الحكم، ما عزز الثقة به كمؤسسة قادرة على حفظ الأمن والاستقرار.
وفي ما يخص الوضع الصحي لخالدة ضياء، أوضح شودري أن طارق رحمن يدير الحزب فعليا منذ عام 2018 بصفته الرئيس التنفيذي، وهو من قاد تحريك الشارع وواجه سياسات الحكومة السابقة وأسهم في خلق حالة الانتفاضة الشعبية.
وفي المقابل، شدد على أن خالدة ضياء ستبقى رمزا وطنيا كبيرا ما دامت على قيد الحياة، رغم أن الإدارة العملية للحزب باتت بيد طارق رحمن.
وبشأن ملف لاجئي الروهينغا، اعتبر شودري أن الأزمة ذات طابع إنساني وجيوسياسي في آن واحد، وأن التعامل معها يجب أن ينطلق من حفظ حقوق اللاجئين والعمل على إعادتهم إلى مناطقهم الأصلية، بالتعاون مع الدول الصديقة والمنظمات الدولية، موضحا أن توفير الإيواء الحالي واجب إنساني، لكنه لا يمثل حلا نهائيا للأزمة.
وأكد إمكانية التفاؤل بعودة الروهينغا إلى بلادهم في حال وصول الحزب إلى السلطة، مستندا إلى تجارب سابقة خلال حكم ضياء الرحمن وبيجوم خالدة ضياء، حيث تمت إعادة لاجئين إلى أوطانهم.
وشدد على أن الحزب سيضع هذا الملف على رأس أولوياته، وسيعمل بالوسائل السلمية والدبلوماسية لضمان عودة الروهينغا بسلام.
وفي ما يتعلق بعلاقات بنغلاديش مع العالم العربي والإسلامي، أوضح شودري، بصفته مسؤولا عن ملف الشرق الأوسط في الحزب، أن الرؤية تقوم على إعادة تعريف شاملة لهذه العلاقات، عبر الانتقال من الدبلوماسية التقليدية إلى دبلوماسية الشراكة المتكاملة، المبنية على المصالح المتبادلة والتكامل السياسي والاقتصادي وبناء تحالفات استراتيجية طويلة الأمد.
وأكد السعي إلى استعادة دور بنغلاديش داخل منظمة التعاون الإسلامي كطرف فاعل، مع إعطاء أولوية للتضامن العملي مع القضايا العادلة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية وقضية الروهينغا.
وأشار إلى أن الحزب يطمح إلى أن تكون دكا منصة للحوار بين الدول الإسلامية، مع الالتزام بسياسة الصداقة مع الجميع وعدم العداء لأحد، وتعزيز الحلول السلمية للنزاعات.
وعلى الصعيد الاقتصادي، شدد على ضرورة الانتقال من نموذج تصدير العمالة غير الماهرة إلى تبادل الخبرات ونقل المعرفة، ورفع كفاءة القوى العاملة البنغلاديشية، إلى جانب تهيئة بيئة استثمارية آمنة لجذب الاستثمارات العربية في قطاعات استراتيجية مثل البنية التحتية والطاقة المتجددة والتكنولوجيا.
وفي البعد الثقافي والتعليمي، أكد أهمية تعزيز تعليم اللغة العربية بوصفها أداة اقتصادية ودبلوماسية، وتوسيع برامج التبادل الأكاديمي.
أما في المجال الأمني، فدعا إلى تعزيز التعاون العسكري والأمني مع الدول العربية، مع التأكيد على أن أمن الدول العربية، ولا سيما الخليج، جزء لا يتجزأ من أمن بنغلاديش.
وختم شودري بالقول إن رؤية حزب بنغلاديش الوطني تقوم على تحويل البلاد إلى جسر يربط جنوب شرق آسيا بالعالم العربي، انطلاقا من هوية بنغلاديش الإسلامية، والعمل على أن تكون البلاد حليفا موثوقا وشريكا اقتصاديا فاعلا وصوتا مدافعا عن قضايا الأمة في المحافل الدولية.