عبر "فيتو سيادي".. هل وضعت القاهرة خطًا أحمر أمام التمدد الإماراتي في موانئها؟

تختلف رؤى القاهرة عن داعمتها أبوظبي في ملفات عربية ودولية- الأناضول
جاء رفض الحكومة المصرية رسميا بيع باقي حصتها بشركة "الإسكندرية لتداول الحاويات"، إلى إحدى الشركات التابعة لـ"موانئ أبوظبي"، في توقيت يتصاعد فيه الصراع الإماراتي السعودي في اليمن، وسط مخاوف على الأمن القومي المصري وعلى حركة الملاحة بقناة السويس، ما يدعو للتساؤل حول سر رفض القاهرة الصفقة وتوقيت القرار.

والأحد الماضي، رفضت "القابضة للنقل البحري والبري"، (حكومية) عرضا مقدما في 14 كانون الأول/ ديسمبر الماضي من "بلاك كاسبيان لوجيستكس هولدنج ليميتد" التابعة لمجموعة "موانئ أبوظبي"، للاستحواذ على حصتها البالغة 35.37 بالمئة، وهي النسبة المكملة لنحو 90 بالمئة من "الإسكندرية للحاويات".

ويأتي ذلك بعد أن استحوذت "بلاك كاسبيان" على حصة الشركة "السعودية المصرية للاستثمار" البالغة 19.32 بالمئة في 20 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي لتكون أبوظبي، صاحبة نصيب الأغلبية بنحو 51 بالمئة من أسهم الشركة، مقابل 42.3 بالمئة للحكومة المصرية.

وثمن خبراء اقتصاد وسياسيين القرار المصري مطالبين رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بإعلان أسباب رفض بيع حصة الحكومة في شركة الحاويات، للإمارات.



ويأتي ذلك وسط توقعات أن يكون لحملة الرفض السابقة للاستحواذ الإماراتي على الشركة دور خاصة بعد حصولها على حصة السعودية بالشركة مقابل نحو 13.2 مليار جنيه، معربين عن رضاهم عن رفض المساهم الحكومي الرئيسي عرض الشراء الإجباري بما يحرم موانئ أبوظبي من السيطرة الكاملة على الشركة.

وجاء القرار المصري في ظل توقيت سياسي صعب، تختلف فيه رؤى القاهرة عن داعمتها أبوظبي في ملفات الصومال واليمن والسودان وإثيوبيا وليبيا والتي تؤثر على الأمن القومي المصري ومستقبل قناة السويس وأمن مصر المائي.

ملف حساس لهذه الأسباب

"الإسكندرية لتداول الحاويات"، تأسست عام 1984 وهي: أكبر مشغل لمحطات الحاويات في مصر، وتدير محطتين رئيسيتين بمينائي الإسكندرية والدخيلة بطاقة 1.5 مليون حاوية مكافئة سنويا، فيما بلغت إيراداتها نحو 8.37 مليار جنيه، محققة حتى حزيران/ يونيو الماضي هامش أرباح مرتفع وصل 64 بالمئة.

ويُعد ملف "الإسكندرية للحاويات"، أحد أكثر الملفات حساسية في برنامج الخصخصة المصري، نظرا لموقعها الاستراتيجي بمينائي الإسكندرية والدخيلة، واللذين يمر عبرهما نحو 60 بالمئة من تجارة مصر الخارجية نحو 36.4 بالمئة واردات، و23.8 بالمئة صادرات لعام 2024 وفقا لجهاز التعبئة والإحصاء.

في نيسان/ أبريل 2022، استحوذ صندوق أبوظبي السيادي على 32 بالمئة من الشركة مقابل 186 مليون دولار، لتستحوذ في آب/ أغسطس 2022، "السعودية المصرية للاستثمار" (التابعة لصندوق الاستثمارات العامة السعودي) على 19.32بالمئة مقابل 156 مليون دولار، لتتبقى نسبة 35.37 بالمئة للمصرية "القابضة للنقل البحري والبري"، والنسبة المتبقية تداول حر في البورصة.

وفي تحول مفاجئ بمنتصف عام 2025، قامت السعودية ببيع حصتها بالكامل، لـ"موانئ أبوظبي"، لتصبح الإمارات المسيطر الفعلي على الكتلة التصويتية الكبرى من غير الجانب الحكومي، وسط سعيها للسيطرة الكاملة على الشركة وإدارتها منفردة.

واجه العرض الإماراتي معارضة شرسة من خبراء ومعارضين مصريين تخوفوا من احتكار وسيطرة الإمارات على "الإسكندرية للحاويات" بجانب إدارتها لموانئ في العين السخنة وسفاجا، ما يعني عمليا تأميم موانئ مصر لصالح أجندة دبي وأبوظبي الملاحية.

ولفتوا إلى أن الشركة تمثل جانبا من جوانب الأمن القومي المصري باعتبار أن ميناء الإسكندرية مرفقا سياديا لا يجوز التخلي عن حصة الأغلبية فيه لجهة أجنبية واحدة، مهما بلغت درجة تحالف النظامين المصري الإماراتي.

ويحذر خبراء وسياسيين من أن تتبع أبوظبي استراتيجية الاستحواذ على الموانئ المصرية بغرض التعطيل أو التوجيه لضمان تفوق موانئها في (جبل علي)، وهو ما يتعارض مع خطط مصرية في ربط قناة السويس وموانئ السخنة والأديبة بموانئ الإسكندرية عبر شبكة السكك الحديد الوطنية.

وتوجد فجوة عميقة بين القاهرة وأبوظبي في ملفات السودان والصومال واليمن؛ حيث تدعم الإمارات مليشيات الدعم السريع في الأولى، وانفصال إقليم أرض الصومال عن الثانية ومنح إثيوبيا منفذا بحريا بها، وانفصال الجنوب اليمني في الثالثة، ما تعتبره مصر تهديدا مباشرا لأمنها القومي.
ولذا يعتقد محللون أن "توقيت رفض مصر منح الإمارات مزيدا من النفوذ في الموانئ المصرية ورفض عرض الاستحواذ قد يكون رسالة سياسية من القاهرة لأبوظبي، خاصة وأن مصر أعلنت توافقها مع التوجه السعودي في اليمن، ما يعني رفضها التحركات الإماراتية هناك.

ماذا عن البديل؟

مؤخرا تشير الأنباء المتتابعة عن شراكات مصرية جديدة مع العديد من الدول إلى رغبة القاهرة في تنويع الشركاء، وميلها مؤخرا لإدخال شركاء من الصين عبر (اتحاد هاتشيسون) ومن ألمانيا عبر (يوروجيت) في إدارة محطات الحاويات بدمياط، لخلق توازن يمنع سيطرة طرف إقليمي واحد وهو الإمارات على عصب التجارة المصرية.

وأعرب معارضون عن أمنيتهم بأن يكون الرفض المصري قرار سيادي ناتج عن إدراك أن الأمن البحري المصري مهدد مع تصاعد النفوذ الخليجي، وأن الاعتماد المفرط على الاستثمارات الإماراتية في القطاعات الاستراتيجية قد يسلب القاهرة قدرتها على المناورة في ملفات ليبيا والسودان واليمن والصومال.

توُعد المنافسة بين الإمارات عبر موانئ أبوظبي ودبي، وبين الصين في الموانئ المصرية صراعا خفيا للسيطرة على عصب التجارة العالمية المار بقناة السويس. فبينما تركز الإمارات على الاستحواذ المالي، تركز الصين على بناء المحطات وتطوير البنية التحتية والتشغيل طويل الأمد ضمن مشروع (طريق الحرير) عبر مجموعتي "كوسكو" و"هاتشيسون".

وتنفذ شركة (CHEC) التابعة لـ"كوسكو" أضخم محطة حاويات أوتوماتيكية بميناء أبوقير بقدرة 2 مليون حاوية سنويا، وتدير "كوسكو" بشرق بورسعيد المحطة الأهم في مدخل القناة الشمالي، وتشارك "هاتشيسون" في تشغيل محطة "تحيا مصر 1" بميناء الدخيلة.

في حين تسيطر "موانئ دبي" و"موانئ أبوظبي"، على موانئ مصرية منها: العين السخنة (بالمدخل الجنوبي لقناة السويس)، والإسكندرية، وسفاجا، والغردقة، وشرق بورسعيد، والدخيلة، وعلى حصص كبرى في الإسكندرية للحاويات، بهدف دمج الموانئ المصرية ضمن شبكتها لضمان عدم منافسة "جبل علي".

فيتو لأحد الأجنحة السيادية

وفي رؤيته لسر القرار المصري، قال الباحث مصطفى خضري: "لم يكن إعلان القاهرة رسميا رفض بيع ما تبقى من حصتها بـ(الإسكندرية للحاويات) لموانئ أبوظبي مجرد تعثر في صفقة تجارية، بل فيتو لأحد الأجنحة السيادية، يعكس ذروة جبل الجليد بعلاقة مكتومة التوتر بين الحليفين، بقرار يمثل نقطة تحول باستراتيجية مصر، حيث بدأت مؤسسات الدولة في تقديم الأمن القومي على الاحتياج المالي اللحظي".

وفي حديثه لـ"عربي21"، أضاف: "تدرك القاهرة أن (الإسكندرية للحاويات) ليست مجرد أصل اقتصادي، بل تتحكم بـ60 بالمئة من تجارة مصر الخارجية؛ وتسليم مفاتيحها لموانئ أبوظبي —التي تسيطر على ميناء السخنة وتتوسع في سفاجا— يعني عمليا منح الإمارات حق الفيتو على الأمن الغذائي واللوجستي المصري، وفي لغة الجيوسياسة، لا يمكن لدولة بحجم مصر أن تسمح لفاعل إقليمي واحد، مهما بلغت درجة تحالفه، بأن يمتلك القدرة على إغلاق المحبس التجاري لها".

توقيت القرار.. والخوف الأكبر

الخبير في التحليل المعلومات وقياس الرأي العام، أشار إلى أن "هذا الرفض يأتي بتوقيت يواجه فيه الأمن القومي تهديدات وجودية بملفات تنخرط فيها أبوظبي بشكل يتعارض مباشرة مع مصالح القاهرة، مشيرا إلى أنه في السودان، ترى القاهرة في دعم أبوظبي للدعم السريع تهديدا لخاصرتها الجنوبية ولتماسك السودان التي تعتبرها مصر عمقا استراتيجيا لا يقبل القسمة".

ويلفت إلى أنه "في الصومال: الملف الأشد سخونة، ترى مصر أن الاستثمارات الإماراتية في موانئ (أرض الصومال) والتحالف مع إثيوبيا والكيان الإسرائيلي هناك يمثلان محاولة لتطويق النفوذ المصري بالقرن الإفريقي والبحر الأحمر، وطعن مصر من الخلف".

وحول ليبيا واليمن، ألمح إلى أنه "تزايدت الريبة المصرية من الطموحات الإماراتية للسيطرة على الجزر والموانئ الاستراتيجية (مثل سقطرى وميون)، مما يضع ممر الملاحة المؤدي لقناة السويس تحت رحمة تحالفات لا تسيطر عليها القاهرة".

رئيس المركز المصري لدراسات الإعلام والرأي العام "تكامل مصر"، أوضح أن "القرار تزامن مع تنافس متصاعد بين الرياض وأبوظبي تمسك فيه مصر العصا من المنتصف مع ميل للسعودية، التي تبتعد عن مغامرات جيوسياسية صدامية تنتهجها أبوظبي بالقرن الأفريقي والسودان، وتفضل الاستثمار باستقرار مصر (كمشروع رأس جميلة المرتقب)، لذا فرفض القاهرة رسالة طمأنة للرياض، بأنها لن تنخرط بمحور (الإمارات-إسرائيل)".

ويرى الباحث المصري أن "الخوف الأكبر في دوائر صنع القرار المصري ينبع من مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا؛ هذا المشروع، الذي تعد الإمارات وكيان الاحتلال ركيزتيه الأساسيتين، بهدف خلق بديل بري-بحري يربط دبي بحيفا، ما يمثل تهديدا مباشرا لجدوى قناة السويس".

وقال إن "مصر تدرك أن استحواذ الإمارات على موانئها ليس تكاملا، بل هو تحييد للموانئ المصرية لصالح مشروع (دبي-حيفا)؛ فإذا امتلكت أبوظبي الموانئ المصرية، ستتمكن من توجيه حركة الحاويات العالمية بما يخدم ممرها الجديد، ويحول قناة السويس من شريان عالمي إلى طريق ثانوي".

وخلص للقول إن "رفض الاستحواذ الإماراتي إعلان مصري عن انتهاء مرحلة البيع تحت الضغط؛ وأن القاهرة اليوم (أو أحد أجنحتها السيادية الحازمة)، وبعد صفقات مثل (رأس الحكمة)، باتت تمتلك نفسا أطول للمناورة، في رسالة مفادها: نرحب بالاستثمارات، لكن السيادة على الموانئ، وأمن السودان، ووحدة الصومال، وحيوية قناة السويس خطوط حمراء لا تشترى بالدولار".

رسالة لكل المستثمرين

وعبر "عربي21"، طالب رئيس حزب "الخضر المصري" محمد عوض، "رئيس الحكومة المصرية بتأكيد الخبر المتداول وإعلان الأسباب"، مضيفا: " إذا كان رفض بيع باقي الحصص الحكومية في الإسكندرية للحاويات لاعتبارات تتعلق بالأمن القومي، فهي معلومة سيكون لها فعل السحر بعلاقة الحكومة والشعب".

ويرى السياسي المصري أن "رفض البيع لاعتبارات الأمن القومي، ستكون أيضا، رسالة لكافة المستثمرين من يعمل بمصر ومن ينوي أن تكون وجهته الاستثمارية، تدفعهم لاحترام قوانين الدولة، وقبل ذلك رسالة بأن شعب مصر قادر على متابعة الخطوط الآمنة بين الاستثمار الحقيقي وبين الاحتلال".

وأكد أن "مخاوف البعض بأنها رسالة إرهاب للمستثمرين وتدفعهم لاستبعاد مصر من برامجهم الاستثمارية التوسعية، يمكن الرد عليها بشكل منطقي، بأن الاستثمار يمكن إعادته وإيجاد قنوات عديدة له وتعويض الخسائر وتحقيق المكاسب، أما الخلل في مقتضيات الأمن القومي فصعب إعادة تصويب مسارها دون تكلفة باهظة اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا ولفترة طويلة".

ولفت إلى "أن سؤال البعض: أين اعتبارات الأمن القومي في رفض الصفقة بينما المستثمر هنا الإمارات، التي تربطها بالسلطة علاقة استراتيجية باتت أقرب لأن تكون وجودية، تُستبعد معها التخوفات الوطنية والفكاك منها له أضرار يصعب مداواتها؟، مردود عليه باحتمال أن يكون الرفض المصري أملا في سعر متميز".

وختم بالقول: "وهنا يأسرني الفكر الاقتصادي، بينما يرى البعض القرار المصري متماشيا مع (تكاسل) بعلاقات البلدين، على خلفية تعارض المصالح السعودية الاماراتية في اليمن"، موضحا أن "العلاقات المصرية الخليجية، تتميز بخصوصية شديدة تجعلها بمنأى عن الضربات الاستهدافية، إلا إذا وقعت الفتنة بين الشعبين المصري والخليجي، وليس فتنة بين الحكام والقادة".