ما بين الإجهاد والبيئات الملوثة.. كيف يُعيد النزوح تشكيل صحة أمعاء اللاجئين؟

ترتفع مستويات البكتيريا الضارة والكائنات المقاومة للمضادات الحيوية في الميكروبيوم المعوي للاجئين- الأونروا
نشر موقع "كونفيرسيشن" مقالا لأستاذة علم الأحياء الدقيقة الطبية في جامعة وستمنستر،  منال محمد، قالت في إن صحة اللاجئين كثيرا ما تُناقش في سياق الأزمات، مثل تفشي الأمراض وسوء التغذية والضغوط النفسية. لكن بعض أخطر آثار النزوح يصعب ملاحظتها، ومن الأمثلة على ذلك كيف يُمكن للهجرة القسرية أن تُغير البكتيريا الموجودة في الأمعاء والتي تدعم المناعة والصحة على المدى الطويل.

تحتوي أمعاء الإنسان على تريليونات من البكتيريا والفيروسات والفطريات، تُعرف مجتمعة باسم ميكروبيوم الأمعاء، تُساعد هذه الميكروبات على هضم الطعام، ودعم جهاز المناعة، والحماية من الأمراض. عادة ما يكون ميكروبيوم الأمعاء الصحي متنوعا ومتوازنا، مع وفرة من البكتيريا المفيدة التي تُساعد على الحماية من العدوى والالتهابات.

تُشير الدراسات إلى أن ميكروبيوم أمعاء اللاجئين غالبا ما يختلف عن ميكروبيوم أمعاء الأشخاص الذين لم يتعرضوا للنزوح. يصف الباحثون أنماطا مميزة للميكروبيوم المعوي، تتميز عادة بقلة أنواع الميكروبات وتغيرات في أنواع البكتيريا الأكثر شيوعا. هذه الاختلافات ليست وراثية، بل تعكس الظروف القاسية التي يواجهها العديد من اللاجئين قبل وأثناء وبعد النزوح،ة يُمكن أن يُساعد فهم هذه الاختلافات في تحسين الرعاية الصحية للاجئين، ولكنه يُبين أيضا كيف يُمكن أن يتجذر التفاوت الاجتماعي في الجسم بمرور الوقت.

تداعيات سوء الصرف الصحي والبيئات الملوثة

من النتائج الشائعة، ارتفاع مستويات البكتيريا الضارة والكائنات المقاومة للمضادات الحيوية في الميكروبيوم المعوي للاجئين، تستطيع البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية البقاء على قيد الحياة بعد تناول الأدوية المُصممة للقضاء عليها، مما يجعل علاج العدوى أكثر صعوبة وانتشارها أسهل.

يلعب سوء الصرف الصحي والبيئات الملوثة دورا رئيسيا في ذلك. يأتي العديد من اللاجئين من مناطق مُتضررة من النزاعات أو الكوارث، أو يمرون بها، حيث يكون الوصول إلى المياه النظيفة ودورات المياه محدودا. يزيد شرب المياه غير الآمنة أو تناول الطعام الملوث من احتمالية استقرار البكتيريا المُسببة للأمراض في الأمعاء وتكاثرها، وهي عملية تُعرف بالاستعمار.

ومن الأمثلة الشائعة على ذلك: الإشريكية القولونية، والسالمونيلا، والشيغيلا. يمكن أن تُسبب هذه البكتيريا الإسهال والقيء والحمى، وفي الحالات الشديدة قد تؤدي إلى الجفاف، وتسمم الدم، وضعف النمو لدى الأطفال، أو مشاكل هضمية مزمنة.

إجهاد اللاجئين واضطرابات الصحة

تُخلّ التهابات المعدة والأمعاء المتكررة، خاصة في الأماكن المزدحمة ذات الصرف الصحي السيئ، بالتوازن الطبيعي لبكتيريا الأمعاء. ومع مرور الوقت، قد تتكاثر الأنواع الضارة، بينما يتقلص التنوع الكلي للبكتيريا. ويُعدّ انخفاض عدد أنواع بكتيريا الأمعاء المختلفة علامة معروفة على ضعف صحة الأمعاء.

يُفاقم الإجهاد المزمن هذه المشاكل. غالبا ما يتعرض اللاجئون لإجهاد مطوّل مرتبط بالحرب والعنف والتهجير القسري والانفصال عن العائلة والغموض المستمر. ترتفع معدلات اضطرابات الصحة النفسية، ويؤثر الإجهاد على الصحة البدنية من خلال محور الأمعاء والدماغ، وهو نظام التواصل بين الدماغ والجهاز الهضمي.

يُغير الإجهاد طويل الأمد الاستجابات المناعية ومستويات الهرمونات وبطانة الأمعاء. تزيد هذه التغيرات من الالتهابات وتُسهّل نمو الميكروبات الضارة، بينما تُقلل من البكتيريا النافعة مثل بكتيريا اللاكتوباسيلس والبيفيدوباكتيريوم.

المضادات الحيوية تُدمر الميكروبات المفيدة 

ويُعدّ استخدام المضادات الحيوية عاملا رئيسيا آخر يُؤدي إلى ضعف صحة الأمعاء ومقاومة المضادات الحيوية. في المناطق ذات الموارد المحدودة أو مناطق النزاعات، تُستخدم المضادات الحيوية بكثرة نظرا لانتشار العدوى ومحدودية إمكانية إجراء الفحوصات، قد يتلقى اللاجئون جرعات متعددة دون تشخيص واضح أو متابعة. مع أن هذه الأدوية قد تُنقذ الأرواح، إلا أن الاستخدام المتكرر أو غير الضروري يُتيح للبكتيريا المقاومة البقاء والانتشار.

كما تُدمر المضادات الحيوية الميكروبات المفيدة التي تُحافظ على صحة الأمعاء. تُقلل الجرعات المتكررة من عدد وتنوع البكتيريا النافعة، مما يُضعف قدرة الأمعاء على حماية نفسها، نتيجة لذلك، قد تستوطن سلالات مقاومة للمضادات الحيوية، مثل الإشريكية القولونية، التي تُبطل مفعول المضادات الحيوية، في الأمعاء، مما يجعل علاج العدوى أكثر صعوبة.

سوء الأحوال المعيشية وسوء التغذية

تزيد ظروف المعيشة أثناء النزوح من خطر الإصابة بعدوى الأمعاء وانتشار البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية. غالبا ما تكون مخيمات اللاجئين والملاجئ المؤقتة مكتظة وتفتقر إلى مرافق النظافة الأساسية، مما يسمح للأمراض المعدية بالانتشار بسهولة.

كما ويؤثر اضطراب النظام الغذائي أيضا على صحة الأمعاء. فالتحولات المفاجئة من الأنظمة الغذائية التقليدية الغنية بالألياف إلى مساعدات غذائية طارئة غنية بالكربوهيدرات المكررة تحرم بكتيريا الأمعاء المفيدة من الطاقة. كما أن الأنظمة الغذائية منخفضة الألياف تُضعف دفاعات الأمعاء وتسمح للبكتيريا الضارة بالتكاثر، ويزيد سوء التغذية من قابلية الإصابة، خاصة لدى الأطفال، الذين لا تزال ميكروبات أمعائهم في طور النمو.

عوائق الرعاية الصحية تُبطئ من التعافي

بعد إعادة التوطين، قد يبقى اللاجئون يحملون بكتيريا مقاومة للمضادات الحيوية اكتسبوها سابقا، ويمكن أن تُبطئ عوائق الرعاية الصحية من عملية التعافي. فحواجز اللغة، ومحدودية الوصول إلى الرعاية الصحية المناسبة ثقافيا، وتأخر العلاج، قد تؤدي إلى وصف المضادات الحيوية كإجراء وقائي بدلا من وصفها بناء على تشخيص مؤكد. يُؤدي هذا إلى استمرار اضطرابات الميكروبيوم بدلا من تعافيه.

وتختم أستاذة علم الأحياء منال محمد مقالها بالقول، إن انتشار البكتيريا الضارة والمقاومة للمضادات الحيوية بين اللاجئين يُعدّ مشكلة صحية عامة، وليست مشكلة فردية. ويتطلب التصدي لها تدخلات صحية عامة منسقة، تشمل تحسين الصرف الصحي، والاستخدام الرشيد للمضادات الحيوية، والرعاية المُراعية للتوتر، والدعم الغذائي الذي يُساعد على استعادة صحة الأمعاء، كما إن فهم كيفية تفاعل كل هذه العوامل أمرٌ أساسي لوضع استراتيجيات رعاية صحية إنسانية وفعّالة تحمي مجتمعات اللاجئين والصحة العامة على حدٍ سواء.